بغداد، العراق – 1 مارس/آذار 2026: استخدمت قوات الأمن القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين أثناء تجمعهم أمام المنطقة الخضراء، حيث تقع السفارة الأمريكية، في بغداد بالعراق، احتجاجًا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، في 1 مارس/آذار 2026. مرتضى السوداني / الأناضول (تصوير: مرتضى السوداني / الأناضول / عبر وكالة فرانس برس AFP)

فجوة السيادة في العراق: معضلة مستمرة في حسابات دول الخليج

يعكس عجز بغداد في فرض سيطرتها على الحدود والمجال الجويّ خللاً بنيوياً في السيادة وغياباً في مركزية القرار، وليس مجرد ضعفاً إدارياً، وهو ما يشكّل عبئاً أمنياً مباشراً على دول الخليج. ومع ذلك، تبدو اللحظة الراهنة مواتية لإعادة النظر في هذا الواقع.

10 مايو، 2026
مهند سلّوم

من حق دول الخليج التعامل مع العراق كمصدر خطر أمني. فبعد ستة وثلاثين عاماً على غزو الكويت، وثلاثة وعشرين عاماً على سقوط نظام صدام حسين، لا تزال بغداد العاصمة العربية الوحيدة التي لا يمكن لمجلس التعاون الخليجي التعويل على التزاماتها. وهذه ليست مبالغة سياسية، بل توصيف دقيق لمشكلة سيادة.

لقد تحوّل المجال الجوي العراقي إلى ممرّ للطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية المتجهة نحو الخليج. وعلى الأرض تنشط مجموعات مسلحة، مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء، تُتخذ قراراتها العسكرية في طهران لا في بغداد. أما «الحشد الشعبي»، وعلى الرغم من طابعه القانوني كهيئة رسمية، فيعمل ضمن بنية قيادة موازية غير خاضعة للقوات المسلحة العراقية.

وفي موازاة ذلك، تستنزف الفصائل إيرادات الجمارك في معابر حدودية وموانئ عدّة خارج القنوات الرسمية. حتى الجهاز الدبلوماسي العراقي تجاوز أحياناً حدود تفويضه السياسي، وظهر ذلك في إيداع خطوط الأساس البحرية الجديدة لدى الأمم المتحدة في فبراير 2026، وهو إجراء استبدل فيه العراق مذكرات سابقة لعامي 2011 و2021، وأثار اعتراضاً خليجياً منسقاً بقيادة الكويت. هذه الوقائع ليست محل خلاف داخلي، بل نتاج التسوية الدستورية والسياسية التي أعقبت 2003.

هنا تكمن أهمية الإطار التحليلي. حيث تقدّم مشكلة الخليج مع العراق بوصفها مشكلة «تهديد» في الغالب، كما لو أن بغداد تضمر نوايا عدائية، لكن الواقع مختلف: المشكلة هي في التفويض والسلطة. فالدولة العراقية مقيّدة ليس بسبب احتلال خارجي أو ضعف الإرادة السياسية، بل نتيجة ترتيبات دستورية توزّع أدوات القوة بين فاعلين لا تنحصر ولاءاتهم بالدولة. كذلك، فإنّ الاتفاقات السيادية لا قيمة لها من دون قدرة الدولة على تنفيذها، وهي قدرة لا يملكها العراق بالكامل حتى الآن.

هذا هو المنطلق الواقعي لأي عملية إعادة ضبط في العلاقات الخليجية-العراقية. فتجاهل محدودية السيادة لن ينجح، لكن الاعتراف بها يمكن أن يشكّل أساساً لعملية بناء تدريجية.

تكمن الخطوة التالية في قراءة البيئة الإقليمية بواقعية. فموقع إيران هو الأضعف منذ جيل كامل. لقد تراجعت قدرات حزب الله في لبنان بشكل ملموس، وسقط نظام الأسد في سوريا، وتكبّد الحوثيون في اليمن أضراراً كبيرة. كما أن اختبار عقيدة الردع الإيرانية، سواء عبر استهداف قاعدة العديد أو مواقع أمريكية، انتهى بردود مضادة أضعفت القدرات الإيرانية من دون تحقيق مكاسب استراتيجية. النتيجة أن طهران تحمّلت كلفة التصعيد من دون عوائده. وبذلك، لم يعد العراق تلقائياً ضمن دائرة الهيمنة الإيرانية. وللمرة الأولى منذ 2003، ثمة هامش فعلي لنمو السيادة العراقية، إذا توفرت الإرادة السياسية في بغداد، وإذا ربطت دول الجوار هذا المسار بحوافز ملموسة.

في هذا السياق، لم يكن انفتاح بغداد على الرياض والدوحة وأبوظبي شكلياً. فالتعاون التجاري والحدودي مع السعودية يتقدم فعلياً. كما أن الإطار الثلاثي بين العراق والأردن ومصر، الذي أُطلق في قمة بغداد 2021 لتعزيز الترابط بين الطاقة والبنية التحتية، لا يزال قائماً سياسياً على الرغم من تعثر تنفيذه ميدانياً. كذلك، بدأت الاستثمارات الخليجية خلال السنوات الثلاث الماضية تُعيد تشكيل حسابات بعض الفصائل العراقية التي كانت تنظر إلى الانخراط الخليجي بريبة أيديولوجية.

ما يحتاجه العراق اليوم هو بنية أمنية قادرة على جعل هذه التدفقات الاقتصادية قابلة للاستمرار. ويمكن للمسار الأمني الفعّال بين الخليج والعراق أن يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية:

أولاً، السيادة هدف يُبنى، لا مُعطى مُسلّم به. ينبغي لدول مجلس التعاون التعامل مع السيادة العراقية كعملية بناء مشتركة، لا كصيغة قانونية يُكتفى بالإشارة إليها. وهذا يتطلب تعاوناً استخباراتياً منظّماً حول تهديدات محدّدة، كالتهريب العابر للحدود وشبكات المخدرات وتمويل الإرهاب والهجمات السيبرانية، بما يتيح تحقيق نتائج قابلة للقياس والتراكم. كما يتطلب إنشاء إطار أمني مؤسسي دائم بين الخليج والعراق على مستوى نواب الوزراء، مدعوم بأمانة فنية متخصصة، بدل الاكتفاء ببيانات القمم. والأهم، تبنّي مقاربة خليجية تتسمّ بالصبر، تعترف بأن التقدم العراقي مقيّد سياسياً ولا يقوم على المراوغة.

ثانياً، اعتبار المجال الجوي والحدود خطوط حمراء. يتمثل العامل الأكثر تقويضاً للعلاقة بين العراق والخليج، في استخدام الميليشيات الموالية لإيران الأراضي العراقية منصة لعمليات تستهدف دول الخليج. فلا يمكن لأي دولة أن تحافظ على انخراط اقتصادي مع بغداد مع إبقاء مجالها الجوي ممراً لتهديد أمنها الداخلي. صحيح أن قدرة بغداد على إغلاق هذا المسار محدودة، لكنها ليست معدومة. إذ ترتبط آلية التشاور المشتركة للدفاع الجوي بين العراق ودول الخليج بحاجات العراق لمواجهة الطائرات المسيّرة، وتبقى خياراً عملياً. بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر التوصل إلى ترتيبات أمنية حدودية مع السعودية والكويت لإعادة نشر القوات الاتحادية العراقية، بدلاً من الفصائل المسلحة، على الحدود الجنوبية خطوات. محددة قابلة للتحقق، ويمكن لبغداد تمريرها سياسياً. فهذه ليست تفاهمات كبرى.

ثالثاً، لا شكّ أن ملف الميليشيات هو مسار داخلي، لكن الحوافز الخارجية حاسمة. فتفكيك المجموعات المسلحة أو دمجها عملية سياسية عراقية طويلة الأمد. وعليه، ينبغي أن تُصاغ السياسة الخليجية بما يكافئ التقدم التدريجي، فصيلاً بعد فصيل، ومعبراً بعد آخر، وانتشاراً بعد انتشار، بدلاً من اشتراط تسوية شاملة منذ البداية. فكلّ فصيل يُدمج تحت القيادة العملياتية لوزارة الدفاع يمثل مكسباً أمنياً فعلياً لدول الخليج، حتى لو تأخر الاندماج السياسي. ويجب أن تعكس آليات الحوافز هذه الحقيقة.

لا يقتضي هذا النهج تجاهل الماضي أو إنكار حضور المكوّن المرتبط بإيران داخل الدولة العراقية، بل يستدعي العكس: إدراكاً صريحاً بأن أزمة السلطة داخل العراق هي في جوهرها مشكلة أمن خارجي لدول الخليج، وأن معالجتها لا يمكن أن تأتي إلا من الداخل العراقي، ضمن بيئة إقليمية تُعيد تشكيل خيارات الفاعلين المحليين.

من المهم الإشارة إلى أنّ نافذة الفرصة أمام العراق أضيق مما تبدو عليه. فاستعداد الخليج لإعادة ضبط العلاقة مشروط بجملة عوامل: تراجع النفوذ الإيراني، وهو وضع قد لا يدوم، وطبيعة القيادة الخليجية الحالية، ممثلة بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وهي قيادة تمتلك أفقاً استراتيجياً طويلاً لكنه ليس مفتوحاً بلا حدود؛ إضافة إلى عدم تكرار حادثة جديدة تنطلق من الأراضي العراقية وتستهدف مواطنين أو بنى تحتية خليجية. فأي أزمة من هذا النوع لن تعيد فتح النقاش، بل ستغلقه.

المقاربة الأكثر واقعية لبغداد هي التعامل مع اللحظة الراهنة بوصفها هشة، وربط الاندماج الإقليمي بإثبات القدرة السيادية. ففرض السيطرة على المجال الجوي، وضبط الحدود، وكبح المجموعات المسلحة التي تتبرأ الدولة من أفعالها من دون أن تمنعها، كلها ليست استجابة لضغوط خارجية، بل تعبير عن جوهر الدولة نفسها.

في النهاية، لا يمكن إعادة بناء العلاقة الخليجية-العراقية عبر الاقتصاد أو الثقافة أو الدبلوماسية وحدها. فهذه المسارات لم تصمد أمام الانهيار السابق. ما كسر العلاقة عام 1990 هو الأمن، وهو ما أعاق ترميمها بعد 2003، وهو ما سيحسم ما إذا كان الانفتاح الحالي سيفضي إلى مسار مستدام أم إلى عقد ضائع جديد.

الأساس لم يتغير. والسؤال الوحيد هو ما إذا كان الطرفان مستعدين هذه المرة للبناء عليه.

القضية:
البلد: العراق

المؤلف

زميل أول غير مقيم
مهند سلوم، زميل أول غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، وأستاذ مساعد في السياسة الدولية والأمن في معهد الدوحة للدراسات العليا، وزميلًا مشاركًا فخريًا في جامعة إكستر.   تتمحور أبحاثه حول تفويض السلطة من الدولة عبر المؤسسات الاستخباراتية والتقنيات الناشئة. وهو مؤلّف كتاب تصنيف الجماعات الإثنو-سياسية كمنظمات إرهابية: حالة حزب العمال الكردستاني في… Continue reading فجوة السيادة في العراق: معضلة مستمرة في حسابات دول الخليج