31 أكتوبر 2026. (الصورة بعدسة بريندان سميالوفسكي / وكالة فرانس برس)

الاتفاق الأمريكي–الإيراني على وقع العدّ التنازلي للانتخابات

على مدى أشهر، قيّدت الانتخابات الأمريكية النصفية المرتقبة استخدام القوة العسكرية لكنها وفّرت ورقة ضغط استغلتها الأطراف المختلفة. ومع اقتراب موعد الاقتراع، تبرز التساؤلات حول تغيّر الحسابات والمكاسب التي يمكن للوسطاء تحقيقها.

1 نوفمبر، 2026
خالد علي الجفيري

تشكّل الانتخابات النصفية الأمريكية المقرّرة في 3 نوفمبر منعطفاً مهماً في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران. وعلى الرغم من أن الرئيس دونالد ترامب قدّمها مراراً بوصفها موعداً مفصلياً في مسار الحرب، فإن أهمّيتها تكمن في احتمال تغيّر الحسابات التي تدفع الطرفين إلى التصعيد، أكثر من كونها مهلة نهائية للتوصّل إلى تسوية.

 

فواشنطن قيّدت خياراتها العسكرية مؤقتاً مع اقتراب الانتخابات، وفي الوقت نفسه تحاول طهران استغلال هذه الفترة لتعزيز قدراتها من خلال أوراق الضغط دون أن تستدرج تدخّلاً عسكرياً أمريكياً جديداً. وبذلك، أُتيحت نافذة هشّة للتفاوض، غير أن الخطر يكمن في ما قد يترتب على زوال الظرف السياسي الذي أتاحها.

 

لذلك، لا يُفترض بالوسطاء، ولا سيما قطر وعُمان وباكستان، أن يجعلوا التوصّل إلى تسوية شاملة قبل 3 نوفمبر هدفهم الوحيد. فالأولوية هي الاستفادة من فترة التهدئة العسكرية النسبية للتوصّل إلى التزامات متبادلة يمكن الحفاظ عليها حتى بعد تغيّر حسابات الطرفين. وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة لدول مجلس التعاون الخليجي، التي تتحمّل قسطاً كبيراً من التبعات الأمنية والاقتصادية للمواجهة، على الرغم من أنها لا تملك وحدها قرار التصعيد أو تحديد الترتيبات اللازمة لمنع الاشتباك.

 

 

الحسابات الانتخابية والضغط العسكري

 

تؤدّي الانتخابات دوراً أساسياً في حسابات واشنطن. ففي 8 أكتوبر، تعهّد ترامب بعدم مهاجمة إيران قبل موعد الاقتراع، لكنه لم يقدّم التزاماً مماثلاً للفترة التي تليه. وفي الوقت نفسه، أرسل الجيش الأمريكي قوات إضافية إلى المنطقة، واستعد لوصول حاملة طائرات ثالثة، بما يبقي خيار استئناف العمليات العسكرية الواسعة متاحاً.

 

تسعى واشنطن، من خلال المزاوجة بين التريّث في استخدام القوة وتعزيز جاهزيتها العسكرية، إلى الحفاظ على هامش واسع من الخيارات الاستراتيجية، وإن ظلّت تداعيات هذه المقاربة على المسار التفاوضي غير محسومة.

 

فيما تزيد الحشود العسكرية من كلفة رفض طهران للمطالب الأمريكية، فإنها قد تعزّز في المقابل قناعة القيادة الإيرانية بأن تقديم تنازلات تحت وطأة التهديد لن يفضي بالضرورة إلى احتواء التصعيد، بل قد يُضعف قدرتها على الردع ويزيد من انكشافها أمام عمل عسكري لاحق.

 

ويكشف هذا التباين في الحسابات الاستراتيجية عن معضلة أعمق تتعلق بمدى إمكان تحويل الضغط العسكري إلى التزامات سياسية متبادلة، في ظل غياب ضمانات موثوقة وآليات متفق عليها للتحقّق من التنفيذ، بما يضع استدامة أي تسوية محتملة موضع شك.

 

في المقابل، يبدو أن طهران تتعامل مع اقتراب الانتخابات الأمريكية بوصفه فرصة لتعزيز موقعها التفاوضي، مُستفيدة من القيود السياسية التي تكبّل واشنطن أكثر مما تكبّلها. فقد أقرّ مسؤولون إيرانيون بأن إطالة أمد المفاوضات قد تشكّل أداة لزيادة الضغط السياسي على ترامب وحزبه قبيل الانتخابات.

 

في ضوء هذه الحسابات، قد ترى طهران في إرجاء التنازلات الجوهرية، مع الإبقاء على أدوات الضغط الاقتصادي والبحري، وسيلةً لتعزيز موقعها التفاوضي واستثمار القيود التي تفرضها الاعتبارات الانتخابية على القرار الأمريكي. تستند هذه المراهنة إلى تقدير إيراني بأن اقتراب موعد الاقتراع قد يقلّص استعداد واشنطن لاستئناف مواجهة عسكرية واسعة، ويرفع مؤقتاً عتبة اللجوء إلى القوة، بما يمنح طهران هامشاً إضافياً للمناورة دون تقديم تنازلات مبكرة.

 

لكن هذا الرهان ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ يفترض أن إيران تستطيع إبقاء التصعيد ضمن حدود لا تستدعي تدخّلاً أمريكياً جديداً. وتُظهر الهجمات التي أفادت التقارير بوقوعها في مضيق هرمز في 22 أكتوبر، وشملت سبع ناقلات نفط، كيف يُمكن للضغط على الملاحة البحرية أن يضيّق سريعاً فرص المعالجة الدبلوماسية. فالحوادث الميدانية قد تخلق ضغوطاً لا تستطيع واشنطن أو طهران التحكّم بها بالكامل، مهما بلغت قدرتهما على إدارة المفاوضات.

 

وليست جميع العوامل التي تهدّد هذا التوازن بيد واشنطن وطهران. فقد أضافت الانتخابات الإسرائيلية عنصراً سياسياً آخر إلى المعادلة، فيما لا تزال إسرائيل قادرة على استئناف عمليات عسكرية قد تغيّر حسابات الطرفين. وهذا ما يزيد هشاشة المفاوضات، لأن الأطراف التي تجلس إلى طاولتها لا تتحكّم وحدها في مسار التصعيد.

 

 

معضلة التنازل الأول وضمانات التنفيذ

 

تتعثّر المفاوضات أساساً بسبب الخلاف على ما ينبغي أن يقدّمه كل طرف أولاً، ومدى إمكان الوثوق بتعهّدات الطرف الآخر. فواشنطن تُريد فرض قيود على القدرات النووية الإيرانية، فيما تشترط طهران، لإعادة فتح مضيق هرمز، تخفيف العقوبات ورفع الحصار البحري الأمريكي ووقف الأعمال العدائية. ولا يقتصر الخلاف على هذه المطالب، بل يشمل العلاقة بين خفض التصعيد فوراً والتوصّل إلى تسوية شاملة. فكلّ طرف يريد الحصول على ضمانات بتنفيذ مطالبِه قبل أن يتخلّى عن أهم أوراق الضغط التي يمتلكها.

 

لذلك، لا يقلّ ترتيب تنفيذ الاتفاق أهمية عن مضمونه. فمن سيقدّم التنازل الأول؟ ومن سيُحدّد الخطوات اللاحقة ويتحقّق من تنفيذها؟ ومن يملك صلاحية إلزام الأطراف بما اتُّفق عليه؟

 

تخشى طهران أن يؤدّي تخلّيها عن أدوات الضغط المرتبطة بالملاحة البحرية، وقبولها قيوداً على برنامجها النووي، إلى تقليص قدرتها على الردع والمساومة، دون ضمان رفع العقوبات أو إنهاء الحصار أو استبعاد تجدّد العمل العسكري ضدها. وفي المقابل، تتحفّظ واشنطن على تخفيف ضغوطها الاقتصادية والعسكرية ما دامت إيران تحتفظ بقدرات نووية وبإمكانية تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز. وتكمن المعضلة التفاوضية في كيفية ترتيب الالتزامات المتبادلة ضمن مسار تدريجي قابل للتحقّق، يضمن تزامن التنازلات مع تنفيذ التعهّدات، ويحدّ من مخاطر فقدان أيّ من الطرفين أوراق ضغطه قبل الحصول على ضمانات مقابلة ذات مصداقية.

 

 

الوساطة ومسار الالتزامات المرحلية

 

هنا يمكن لقطر وعُمان وباكستان أداء دور مهم، وإن كان صعباً. تتمثّل أولوية الوسطاء في تهيئة تفاهم حول تسلسل مقبول للالتزامات المتبادلة، بما يحدّ من احتمالات التصعيد ويتيح إحراز تقدّم تفاوضي دون اشتراط تسوية الخلافات الرئيسية دفعة واحدة. غير أن فاعلية الوساطة تظلّ رهناً بحدود ما يبديه الطرفان من استعداد لتعديل مواقفهما. فاستمرار قنوات الاتصال قد يسهم في احتواء مخاطر سوء التقدير، لكنه لا يمنح الوسطاء القدرة على تجاوز التعارض في الحسابات الأمنية للطرفين، أو ضمان صمود التفاهمات الجزئية أمام تجدّد العمليات العسكرية. ومن ثمّ، تتوقّف جدوى الوساطة على مدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاهمات الإجرائية إلى التزامات قابلة للتنفيذ والاستمرار.

 

لذلك، قد يكون الخيار الأكثر واقعية في المدى القريب هو التفاوض على التزامات تُنفّذ على مراحل، تشمل ترتيبات العبور البحري، والحدّ من الهجمات على البنية التحتية الحيوية، وخطوات متبادلة يمكن التحقّق من تنفيذها بصورة مستقلة، مع إبقاء المفاوضات بشأن البرنامج النووي والعقوبات قائمة. ولن تنهي هذه الترتيبات الصراع، لكنها قد تتيح وضع آليات لضبطه قبل أن تتراجع القيود السياسية التي تكبح التصعيد حالياً.

 

أما دول مجلس التعاون الخليجي، فقد كشفت الحرب مجدداً حجم الاختلال بين تعرّضها للضغوط الأمنية والاقتصادية في المنطقة، وقدرتها المحدودة على التأثير في القرارات التي تحدّد مسار التصعيد وإنهاء الحرب. فإذا اقتصرت التسوية على استئناف الملاحة البحرية، من دون وضع قيود قابلة للإنفاذ على تعطيلها مستقبلاً، فقد تحتفظ إيران بقدرتها على استخدام الأمن الاقتصادي للمنطقة أداةً للضغط. وفي المقابل، قد يؤدي تجدّد الهجمات الأمريكية أو الإسرائيلية إلى تحميل دول الخليج أكلافاً اقتصادية وأمنية كبيرة، من دون أن يفضي بالضرورة إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار.

 

على الرغم من أن دول الخليج تشترك في التعرّض لهذه المخاطر، فإن علاقاتها الدبلوماسية وتقديراتها للتهديدات واستعدادها لتحمّل المواجهة تختلف من دولة إلى أخرى. يصعّب هذا التباين التوصّل إلى موقف خليجي موحّد، لكنه يتيح أيضاً الحفاظ على قنوات وساطة مختلفة يمكن أن يكمل بعضها بعضاً في التواصل مع واشنطن وطهران. والمطلوب هو الاستفادة من هذه العلاقات لضمان دور مؤسسي لدول الخليج في أي ترتيبات قد تنشأ عن المفاوضات.

 

 

ما بعد الاقتراع: مؤشرات التصعيد

 

خلال الأسابيع المقبلة، ستكون هناك ثلاثة مؤشرات تستحق المتابعة: هل تتحوّل التعزيزات العسكرية إلى استعدادات فعلية لشنّ هجمات جديدة؟ وهل يتراجع التواصل غير المباشر بين واشنطن وطهران أو يتعثر؟ وهل تتفاقم الحوادث البحرية إلى حدّ يصبح معه الرد العسكري أمراً يصعب تجنّبه سياسياً؟ وتتيح متابعة هذه التطورات تقدير نيات التصعيد بصورة أدقّ من الاعتماد على التصريحات العلنية التصادمية الصادرة عن الطرفين.

 

يكمن الخطر الأكبر في الطريقة التي قد يفسّر بها كل طرف سلوك الآخر. فقد ترى واشنطن في إطالة إيران أمد المفاوضات تحدّياً استراتيجياً، فيما ترى طهران في ضبط النفس الأمريكي ضعفاً تفرضه الحسابات الانتخابية. وقد يبدو كلا التقديرين منطقياً من منظور الطرف الذي يتبنّاه، لكن اجتماعهما قد يسرّع التصعيد عندما تتبدّل القيود السياسية المرتبطة بالانتخابات.

 

وعليه، لا تتمثّل الأولوية الدبلوماسية قبل 3 نوفمبر بالضرورة في إنهاء الحرب، بل في الحؤول دون تحوّل موعد الانتخابات إلى لحظة ينفلت بعدها التصعيد. ينبغي لقطر وعُمان وباكستان وسائر دول مجلس التعاون الخليجي استغلال الوقت المتبقي للتوصّل إلى إطار لخفض التصعيد يمكن فرض الالتزام به، ويحدّد بوضوح واجبات الأطراف، وآليات التحقّق من تنفيذها، ويتيح لدول المنطقة المشاركة في ترتيبات قادرة على الحدّ من تجدّد الضغوط والإجراءات القسرية بعد تغيّر الحسابات الانتخابية.

 

في المحصّلة، لن تُقاس مصداقية أي تفاهم أمريكي-إيراني بمجرّد التوصّل إليه، وإنما بقدرته على تقييد اللجوء المتجدّد إلى أدوات الإكراه، وإرساء التزامات أمنية قابلة للتحقّق والإنفاذ. وستتوقّف استدامة هذا التفاهم، إلى حدّ كبير، على مدى مشاركة دول مجلس التعاون الخليجي في صياغة الترتيبات الأمنية التي تمسّ أمنها واستقرارها مباشرةً، ومدى امتلاكها دوراً فاعلاً في ضمان تنفيذها، بدلاً من اقتصار موقعها على تحمّل تبعات تفاهمات لا تشارك في تحديد شروطها.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: الإنتخابات
البلد: إيران

المؤلف

أكاديمي وأستاذ في السياسة الدولية
الدكتور خالد علي الجفيري أكاديمي وأستاذ في السياسة الدولية، تتمحور أبحاثه حول دراسة التفاعل بين النظرية في العلاقات الدولية، والتحليل المنهجي، والاستراتيجية الوطنية، وصناعة القرار. يقوم بالتدريس في عدد من المؤسسات الأكاديمية الرائدة في دولة قطر وخارجها، من بينها جامعة جورجتاون في قطر، كما يشارك بانتظام في المؤتمرات والمنتديات الفكرية والسياسية المعنية بقضايا الخليج وأمنها… Continue reading الاتفاق الأمريكي–الإيراني على وقع العدّ التنازلي للانتخابات