22 سبتمبر 2026. (صورة بعدسة فايز نور الدين / أ ف ب)

الإنفاق الدفاعي السعودي واختبار الحماية في الحروب الحديثة

طرحت الحرب الحديثة مسألة العلاقة بين حجم الإنفاق الدفاعي وفاعلية الحماية وسط تفاوت كلفة الهجوم والاعتراض. في الحالة السعودية، يقتضي تقييم القدرات الدفاعية وكفاءة توظيف الموارد العسكرية في مواجهة التهديدات المتغيرة.

28 أكتوبر، 2026
سليمان العقيلي

حين أصاب صاروخ صالة الركاب في مطار الملك خالد الدولي بالرياض وقتل مدنيين، ثم أصاب مقذوف آخر الصالة نفسها في اليوم التالي، عاد سؤال قديم إلى الواجهة: ماذا اشترت عشرات المليارات التي أنفقتها المملكة على التسلح؟ هذا السؤال مشروع من الناحية الأكاديمية، على الرغم من أنّ سقوط الضحايا المدنيين خسارة لا يخففها أي تحليل. لكن الإجابة المختزلة والسريعة عنه، مثل فرضية «الفشل» عند أول اختراق، تنطلق من افتراض خاطئ وهو أن الدفاع الجوي يُشترى ليمنع أيّ هجوم.

 

 لا توجد دولة في العالم تملك هذه الحصانة، لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة ولا دول حلف الناتو الأوربية. لذا، فإنّ السؤال الرئيسي هو: هل تطورت المنظومة الدفاعية السعودية بالسرعة التي يفرضها تهديد تعرفه المملكة منذ أكثر من عقد؟ ولماذا لا يصلح معيار الحماية المطلقة؟

 

لم يُصمَّم الدفاع الجوي الحديث لاعتراض كل مقذوف، بل صُمِّم لتقليل احتمالات الاختراق، وتوزيع المخاطر على طبقات متعددة من الرادارات وصواريخ الاعتراض ومراكز القيادة. لذلك فالمعيار المهني لتقييمه ليس «هل اخترق شيئاً ؟»، بل ما نسبة ما اعتُرض مقارنة بما أُطلق، وما طبيعة التهديد، وما مدى تعقيد الهجوم؟

 

وهنا تحديداً تقع أول مشكلة في النقاش الدائر بشأن الأرقام، فقد أعلن التحالف بين حين وآخر عن اعتراض صواريخ ومسيّرات، لكن لا توجد حصيلة منشورة ومنتظمة أو نسبة الاعتراض في التصعيد الحالي. صحيح أنّ غياب مثل هذه المعلومات قد لا يخدم المملكة، لا سيما وأنه يترك الساحة لروايتين متطرفتين: رواية «الفشل بالاعتراض»، ورواية «كل شيء تحت السيطرة». وهنا، تأتي أهمية توثيق نسب الاعتراض حتى إن لم تكن مثالية، ولكنها تُشكل أقوى رد على الأحكام المتسرعة.

 

أما ما يجعل الحماية الكاملة للمملكة معقدة فليس اتساع مساحتها بحد ذاته. فالدفاع الجوي لا يغطي كل كيلومتر من الأرض، بل يحمي مواقع استراتيجية محددة. وتتمحور الصعوبة في أن الأهداف الحيوية متباعدة، مثل مطارات الجنوب في جازان وأبها ونجران على مسافة دقائق من منصات الإطلاق، ومصافي البحر الأحمر في رابغ وينبع في الغرب على البحر الأحمر، وأصول العاصمة الحيوية ومصفاتها في الوسط، ومنشآت الطاقة الكبرى في المنطقة الشرقية وعلى الخليج العربي. يفرض هذا التشتت، توزيع البطاريات على جبهة عريضة، فتقل كثافة الحماية حول كل هدف، ويصبح على المدافع والبطاريات أن تختار ما تحميه بطبقات كاملة ولا يكتفي بحماية أخف.

 

 

تباين طبيعة التهديدات الأمنية

 

تُعد إسرائيل من أكثر دول العالم تقدماً في الدفاع الجوي، فهي تمتلك ثلاث طبقات رئيسية: «القبة الحديدية» للصواريخ القصيرة المدى والقذائف والمسيّرات، و«مقلاع داود» للمدى المتوسط، و«حيتس» (السهم) للصواريخ الباليستية بعيدة المدى. وتعمل هذه الطبقات ضمن شبكة إنذار وتتبع مدمجة مع الولايات المتحدة، وتتركز أهدافها في مواقع محدودة من مساحة إسرائيل التي لا تتجاوز 22 ألف كيلومتر مربع (اي واحد بالمائة من المساحة السعودية).

 

ومع ذلك، لم تحقق إسرائيل حماية مطلقة في الهجمات الإيرانية الكبرى عليها. وأعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض 99% من الصواريخ والمسيّرات في الهجوم الإيراني، بالتعاون مع حلفائه، مع إقراره بوصول بعض الصواريخ الباليستية إلى قاعدة نيفاتيم، لكن عشرات الصواريخ عبرت الدفاعات، وأصابت مناطق مأهولة ومواقع عسكرية وبنية تحتية. إذا كانت دولة بهذه الكثافة الدفاعية والإسناد الغربي لا تستطيع منع كل اختراق، فإن مطالبة أي دولة أخرى بذلك مطالبة لا تراعي طبيعة الحرب الحديثة.

 

لكن المقارنة تحتاج إلى أمانة أكاديمية في الطرح، ففي رؤى تُشير إلى أنّ إسرائيل تواجه رشقات من مئات الصواريخ الباليستية الثقيلة في الليلة الواحدة، بينما الرشقات الحوثية أصغر حجماً، فالمفترض أن يكون اعتراضها أسهل. والرد هنا أن صعوبة التهديد على المملكة من نوع مختلف لا من حجم أكبر، وهي تشتمل على مجموعة من المعايير منها: زمن الإنذار، حيث إن منصات الإطلاق في شمال اليمن قريبة من مدن الجنوب السعودي، ويضيق الوقت بين رصد المقذوف ووصوله إلى دقائق. بالإضافة إلى خليط التهديد، حيث إنّ مسيّرات بطيئة منخفضة وصواريخ كروز تطير قريباً من الأرض وتستغل التضاريس، إلى جانب الصواريخ الباليستية، وكلّ منها يحتاج نوعاً مختلفاً من الرصد والاعتراض، ناهيك عن الاستمرارية المرتبطة بهجمات متواصلة على مدى أسابيع على أهداف متفرقة، لا رشقات متباعدة على مسرح واحد، وهذا يستنزف المخزون والطواقم معاً.

 

بهذه الفروق تصبح المقارنة حجة لا ثغرة: لا أحد محصّن، والتهديد على المملكة معقد وبطريقته الخاصة.

 

 

ميليشيا ذات امتداد إقليمي 

 

إنّ تصوير الحوثيين بوصفهم ميليشيا محلية بسيطة لا يعكس حقيقة التهديد وحجمه الفعلي. فالقدرات الصاروخية والمسيّرة التي يستخدمونها ليست نتاج صناعة يمنية مستقلة، حيث وثّقت تقارير متتالية لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن أن تصاميم كثير من هذه الصواريخ والمسيّرات إيرانية الأصل، وأن مكوناتها تصل عبر شبكات تهريب يديرها الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب أنّ مكونات تجارية مزدوجة الاستخدام، كثير منها صيني المنشأ، تُشترى من السوق المفتوحة.

 

كذلك، فإنّ التهديد لا يأتي من اتجاه واحد بالضرورة، فقد أعلنت الرياض أن ضرب خط الأنابيب شرق – غرب نُفّذ بمسيّرات قادمة من العراق لا من اليمن، وهو ما يعني أن على الدفاعات السعودية أن تراقب أكثر من جبهة في الوقت نفسه. وهذا يغيّر طبيعة المواجهة، فالمملكة لا تواجه فاعلاً غير دولي محدود القدرات، بل امتداداً لبرنامج تسليح إقليمي يعمل عبر محور من الوكلاء. وهم غالباً خصوم متخفين لا يملكون ميزانية عسكرية تقليدية ولا بنية صناعية مكشوفة يمكن ضربها، بل قدرات غير متماثلة ورخيصة نسبياً، ومرونة في اختيار مكان الإطلاق وتوقيته.

 

 

معضلة الكلفة الباهظة

 

تبقى معادلة الكلفة من أصعب معضلات الدفاع الجوي في العالم. صاروخ الاعتراض قد يكلف ملايين الدولارات، بينما قد لا تتجاوز كلفة المسيّرة بضعة آلاف. وهذه المشكلة لا تخص المملكة وحدها، فقد واجهتها البحرية الأمريكية في البحر الأحمر، وتواجهها إسرائيل أمام الصواريخ الإيرانية، وأوكرانيا أمام المسيّرات والصواريخ الروسية.

 

لذلك فإن استنزاف مخزونات الاعتراض وطلب الحلفاء لتعويضها سلوك معروف في الصراعات الطويلة، وليس دليلاً قائماً بذاته على خلل دفاعي. لكن المعضلة نفسها تكشف أين يجب أن يتجه الإنفاق، حيث لا يمكن لأي دولة أن تكسب حرب استنزاف باستخدام صاروخ بملايين الدولارات في مواجهة مسيّرات رخيصة. الحل الوحيد المستدام هو طبقات رخيصة الاعتراض، كالمدافع الموجهة بالرادار والحرب الإلكترونية والمسيّرات الاعتراضية، تتولى التهديدات الرخيصة، وتُترك الصواريخ الباهظة للتهديدات التي تستحقها.

 

 

من الاعتراض إلى الصمود

 

يختزل معظم النقاد النقاش حول الدفاع في لحظة واحدة، تتمثل في إسقاط المقذوف في الجو. لكن الدفاع الحديث أوسع من ذلك، ويقوم على ثلاثة عناصر أخرى لا تقل أهمية عن الاعتراض، تتمحور أولها حول ضرب مصادر التهديد، من خلال استهداف منصات الإطلاق ومخازن الصواريخ وخطوط الإمداد قبل أن تطلق، لأن كل منصة تُدمَّر على الأرض تعني تعطيل صواريخ لن تحتاج إلى اعتراض. ومن ثم التحصين والتوزيع من خلال تصميم المنشآت الحيوية بحيث لا يوقف ضرب منشأة واحدة قطاعاً كاملاً، عبر البدائل ونقاط التشغيل الاحتياطية، إلى جانب سرعة التعافي التي تتمثل في القدرة على إعادة التشغيل بسرعة تفرغ الضربة من أثرها.

 

استعادت أرامكو طاقتها الإنتاجية خلال أسابيع بعد هجوم بقيق، وهذا مؤشر نجاح لا يقل وزناً عن نسبة الاعتراض، ويُعدّ مهماً لأن هدف المهاجم ليس عسكرياً بالأساس. الضربة التي تصل إلى مطار أو مصفاة، حتى لو أعتُرض معظم ما أُطلق معها، تحقق أثراً نفسياً واقتصادياً لا يتناسب مع كلفتها: توقف الرحلات، ودفع شركات طيران إلى تعليق خطوطها، وإثارة قلق المستثمرين في لحظة تسعى فيها المملكة إلى الانفتاح سياحياً واقتصادياً. والرد على هذا النوع من الحرب لا يكون بالاعتراض وحده، بل بإثبات أن الضربة لا توقف شيئاً لفترة طويلة.

 

المال لا يشتري حصانة مطلقة، لا للسعودية ولا لإسرائيل ولا للولايات المتحدة وأوروبا. ومن يقيس المنظومة السعودية بمعيار «صفر اختراق» يحاكمها بمعيار لم تحققه أي دولة في التاريخ العسكري الحديث.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد: المملكة العربية السعودية

المؤلف

رئيس تحرير صحيفة الوطن السعودية
سليمان العقيلي هو رئيس تحرير صحيفة الوطن السعودية، وعضو في العديد من المؤسسات والهيئات السياسية والإعلامية، منها: مجلس إدارة الجمعية السعودية للعلوم السياسية، وهيئة الصحفيين السعوديين، والجمعية السعودية للإعلام والاتصال، والجمعية السعودية لكتّاب الرأي، والجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.