مكة المكرمة، السعودية، 7 أغسطس 2026. (تصوير: صورة موزعة / المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية التركية / وكالة فرانس برس)

الأمن الإقليمي بعد اتفاقية مكة: القوة والوظيفة والحدود 

يُمثّل توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان خطوة مهمة في مسار العلاقات بين الدول الثلاث ونقلة من التعاون الدفاعي المتفرق إلى إطار أكثر تنظيماً.  

10 أغسطس، 2026
سليمان العقيلي

تستند الاتفاقية إلى مباحثات بدأت في ديسمبر 2023 على ما يبدو وإلى روابط تاريخية ومصالح استراتيجية وتعاون عسكري قائم بين أطرافها. وتأتي الاتفاقية في ظل بيئة أمنية إقليمية تتسم بتعدد التهديدات، من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة إلى الإرهاب، والاختراقات السيبرانية، واضطراب الممرات البحرية، واستهداف المنشآت الحيوية. لذلك فهي لا تعكس استجابة لتهديد مُحدد بقدر ما تُعبّر عن توجه نحو تعزيز قدرة الدول الإقليمية على حماية أمنها ومصالحها. 

 

 

شراكة متعددة الأبعاد 

لا يقتصر مفهوم الأمن في الاتفاقية على الدفاع العسكري، بل يشمل حماية البنية التحتية، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية، والقدرة على إدارة الأزمات. وهذا البعد يتصل مباشرة بأولويات المملكة، حيث يمثل الاستقرار شرطاً لتنفيذ مشاريع التحول الاقتصادي والاجتماعي في إطار رؤية السعودية 2030. 

 

فالتنمية لا تزدهر في بيئة مضطربة، كما أنّ القوة العسكرية لا تؤدي وظيفتها الاستراتيجية ما لم تحمِ الاقتصاد والمجتمع والبنية التحتية. ومن هنا تندرج الاتفاقية ضمن رؤية أوسع تعتبر الأمن وسيلة لحماية مسار التنمية، لا غاية منفصلة عنه. وتجمع الدول الثلاث بين عناصر قوة متكاملة، فالسعودية تتمتع بثقل سياسي واقتصادي وجغرافي يجعلها محوراً رئيسياً لأمن الخليج والطاقة. وتمتلك تركيا قدرات عسكرية وصناعية متقدمة، وموقعاً يصل بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. كما تملك باكستان خبرة عسكرية واسعة، وعمقاً جغرافياً يمتد إلى جنوب آسيا والمحيط الهندي، إلى جانب علاقاتها الدفاعية التاريخية مع المملكة. وتكمن قيمة هذا التكوين في تكامل الموارد والخبرات، لا في تكرار القدرات. فالشراكة تجمع بين التمويل والثقل الاقتصادي، والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية، والخبرة العملياتية والموقع الاستراتيجي. 

 

 

حدود الردع الجماعي 

ينص الإطار الدفاعي للاتفاقية على أن أي هجوم خارجي مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوماً على الجميع. ويهدف هذا المبدأ إلى تعزيز التضامن، ورفع كلفة الاعتداء، وتقليص احتمالات سوء تقدير إرادة الدول الأعضاء وقدرتها على الرد. غير أن الردع لا يتحقق بالنصوص وحدها، بل يحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة، وقنوات اتصال فعالة، وتدريبات مشتركة، وتنسيق في اتخاذ القرار. وكلما ارتبط الالتزام السياسي بقدرات عملية، ازدادت مصداقية الاتفاقية وتأثيرها. ولا يعني هذا المبدأ أن الاتفاقية موجهة ضد دولة بعينها أو أنها إطار هجومي. فوظيفتها الأساسية، وفق طبيعتها المعلنة، هي حماية الدول الأعضاء وتعزيز قدرتها على منع الاعتداء، لا إنتاج مواجهة جديدة. فالردع الناجح هو الذي يقلل فرص الحرب من خلال إقناع الخصوم بأن كلفة اختبار أمن الأعضاء ستكون مرتفعة. 

 

 

مجالات التعاون 

يمكن أن تركز الشراكة على عدد من المجالات ذات الأولوية، من بينها: تبادل المعلومات والخبرات الدفاعية، وتطوير الإنذار المبكر والاستجابة للأزمات، وتعزيز الدفاع الجوي والصاروخي، بالإضافة إلى مواجهة الطائرات المسيّرة والتهديدات السيبرانية، فضلاً عن توسيع التدريبات والمناورات المشتركة، وتطوير الصناعات الدفاعية ونقل التقنية، إلى جانب حماية المنشآت الحيوية ومصادر الطاقة، ودعم أمن الممرات البحرية، ناهيك عن مكافحة الإرهاب والتهديدات غير التقليدية. وتكتسب هذه المجالات أهميتها لأنها تنقل الاتفاقية من مستوى التضامن السياسي إلى بناء قدرات مشتركة يمكن اختبارها وقياسها. فالمعيار الحقيقي لأي شراكة دفاعية هو قدرتها على تحسين سرعة الاستجابة، ورفع كفاءة التنسيق، وتوفير أدوات عملية للتعامل مع الأزمات. 

 

 

إطار مكمل للشراكات القائمة 

لا تلغي الاتفاقية الترتيبات الثنائية أو متعددة الأطراف القائمة بين الدول الثلاث، ولا تحلّ محل علاقاتها الدفاعية مع الدول والمنظمات الأخرى. وهذه الصيغة تمنحها طابعاً مكملاً، وتتيح لها العمل ضمن شبكة واسعة من الشراكات بدلاً من التحول إلى إطار مغلق. ويتميّز النظام الأمني في الشرق الأوسط بتعدد دوائره وتداخلها، لذلك فإنّ فاعلية الاتفاقية ستزداد بقدر قدرتها على التنسيق مع الأطر الإقليمية والدولية القائمة، خصوصاً في مجالات الملاحة، ومكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، وحماية الطاقة والاستجابة للكوارث. 

كما يتيح هذا الانفتاح تطوير تعاون متخصص أو توسيع نطاق المشاركة مستقبلاً، شريطة وجود معايير واضحة تضمن تماسك القرار الدفاعي وعدم تحويل الاتفاقية إلى منصة للاستقطاب. 

 

الأبعاد الجيوسياسية 

تُعزز الاتفاقية دور القوى الإقليمية في إدارة أمنها، من دون أن تعني التخلي عن الشراكات الدولية. فهي تمنح السعودية عمقاً استراتيجياً إضافياً، وتربط أمن الخليج بقدرات عسكرية وصناعية وجغرافية تمتد إلى خارج المجال الخليجي المباشر. أما تركيا، فتتيح لها الاتفاقية توسيع حضورها في ملفات الدفاع والأمن في الخليج والشرق الأوسط، وتوظيف قدراتها الصناعية والتكنولوجية ضمن شراكة ذات امتداد جغرافي واسع. 

وبالنسبة إلى باكستان، فإنها توفر إطاراً مؤسسياً لترسيخ دورها في أمن الخليج والشرق الأوسط، وتطوير علاقاتها الدفاعية والاقتصادية مع السعودية وتركيا، مستفيدة من خبرتها العسكرية وموقعها الممتد إلى جنوب آسيا والمحيط الهندي. ومن المتوقع أن تنعكس الشراكة أيضاً على أمن البحر الأحمر، نظراً إلى أهميته لحركة التجارة والطاقة العالمية. فالتعاون في تبادل المعلومات، والرصد البحري، وحماية المنشآت والممرات، يمكن أن يدعم الجهود الرامية إلى ضمان حرية الملاحة، ضمن قواعد القانون الدولي والتنسيق مع المبادرات القائمة. 

 

 

أفق إقليمي جديد 

من المتوقع أن تفتح اتفاقية مكة نقاشاً أوسع حول مستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط، وحول الدور الذي يمكن أن تؤديه الدول الإقليمية في بناء منظومات ردع وتعاون أكثر فاعلية. وقد تشكل الاتفاقية نواة لتعاون أوسع يضم دولاً أخرى ترى في الأمن الجماعي والتكامل الدفاعي وسيلة لتعزيز الاستقرار وحماية المصالح المشتركة. 

وفي هذا السياق، فإن إمكانية انضمام دول عربية وإسلامية أخرى ستمنح الاتفاقية وزناً سياسياً وجغرافياً أكبر، وستُحوّلها من إطار ثلاثي إلى منصة إقليمية متعددة الأطراف. كما أن اتساع قاعدة المشاركة قد يتيح تطوير آليات مشتركة في مجالات أمن الطاقة، وحماية الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، والاستجابة للأزمات. 

ويظل نجاح الاتفاقية مرتبطاً بقدرتها على الانتقال من الإطار السياسي إلى آليات مؤسسية وعملية، مثل اللجنة الوزارية، والأمانة العامة، وبرامج التدريب، والتنسيق العملياتي، ومشروعات الصناعات الدفاعية. وكلّما تطورت هذه الآليات، ازدادت قدرة الاتفاقية على ترجمة مبادئ التضامن والردع إلى واقع ملموس يخدم أمن الدول الأعضاء واستقرار المنطقة. 

 

 

خاتمة 

تجسد اتفاقية مكة للدفاع المشترك مرحلة جديدة في العلاقات السعودية – التركية – الباكستانية، وتؤكد أن الدول الثلاث تمتلك الإرادة السياسية لبناء شراكة دفاعية تستند إلى التضامن والمصالح الاستراتيجية المشتركة. 

وتتجاوز أهمية الاتفاقية حدود التعاون العسكري التقليدي؛ فهي تعكس توجهاً نحو تعزيز القدرات الذاتية، وتكامل الإمكانات، وتوسيع دائرة الشراكات، وترسيخ مسؤولية القوى الإقليمية في حماية أمن المنطقة واستقرارها. كما تقدم نموذجاً للتعاون القائم على الردع الدفاعي، دون أن يكون موجهاً ضد دولة بعينها أو بديلاً عن الاتفاقيات والتحالفات القائمة. 

وبفضل ما تجمعه الدول الثلاث من ثقل سياسي واقتصادي وعسكري وجغرافي، يُمكن لاتفاقية مكة أن تصبح إحدى المكونات الرئيسية في هندسة أمن إقليمي أكثر توازناً وتعدداً، تتحمل فيه دول المنطقة مسؤولية أكبر عن أمنها، وتعمل فيه الشراكات الدولية والإقليمية بصورة متكاملة لخدمة السلام والتنمية والازدهار. 

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد:

المؤلف

رئيس تحرير صحيفة الوطن السعودية
سليمان العقيلي هو رئيس تحرير صحيفة الوطن السعودية، وعضو في العديد من المؤسسات والهيئات السياسية والإعلامية، منها: مجلس إدارة الجمعية السعودية للعلوم السياسية، وهيئة الصحفيين السعوديين، والجمعية السعودية للإعلام والاتصال، والجمعية السعودية لكتّاب الرأي، والجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.