7 أبريل 2026. (الصورة بواسطة مايكل م. سانتياغو / غيتي إيماجز أمريكا الشمالية / غيتي إيماجز عبر وكالة فرانس برس)

الأمم المتحدة في ظلّ تصدّع النظام الدولي

في ظلّ اتساع رقعة الحروب، وتعطّل القرار الدولي بفعل حق النقض، وتحوّل موازين القوى، تبدو أزمة الأمم المتحدة اليوم انعكاسًا لأزمة أعمق في النظام الدولي الذي تتآكل قواعده بوتيرة تتجاوز قدرة مؤسساته على التكيّف مع التحولات المتسارعة.

23 سبتمبر، 2026
خالد الجابر

تحت شعار يبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى الاعتراف بالأزمة منه إلى مجرد منصة دبلوماسية، عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة دورتها الحادية والثمانين بعنوان «استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة في خدمة الجميع».

 

جاء هذا الانعقاد في ظل معضلة متنامية تواجه المنظمة الدولية، تتمثل في تراجع الثقة بالنظام الدولي ذاته وبقدرته على تطبيق القواعد التي أمضى ثمانية عقود في ترسيخها. وهو ما يعكس لحظة دولية شديدة الاضطراب، تصفها الأمم المتحدة نفسها بأنها مفترق تاريخي للنظام متعدد الأطراف، في ظل اتساع الفجوة بين المبادئ المعلنة والقدرة الفعلية على إنفاذها.

 

لقد تحوّل جانب لا يُستهان به من جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك إلى وجهةٍ دبلوماسية سنوية تقصدها الدول والمؤسسات، محمّلة بهمومها وحروبها ومظالمها، لتبثّ شكواها أمام العالم عبر تغطية مباشرة بجميع اللغات، ثم تعود من حيث أتت من دون أن يتغير الكثير، ما يُشير إلى أنّ المشكلة ليست في نقص الاجتماعات أو الخطابات.

 

في هذه المنصة، تُرفع الأصوات المؤيدة والمعارضة، وتصدر البيانات الرسمية، بينما يبقى القرار الحقيقي أسير مجلس الأمن، الذي يُفترض أن يتحمل مسؤوليته الرئيسية في صون السلم والأمن الدوليين، وأن يأخذ زمام المبادرة في تحديد وجود تهديد للسلام أو أي عمل عدواني، وأن يدعو إلى تسوية النزاعات، لكنه أصبح هو نفسه انعكاسًا لها.

 

 

اختلال منظومة الأمن الجماعي

 

تتضح أزمة الثقة العالمية بالنظام الدولي بصورة مباشرة في مجلس الأمن، حيث تتسع الفجوة بين مسؤولياته في حفظ السلم والأمن الدوليين وقدرته الفعلية على الاضطلاع بها. وتعصف الخلافات الداخلية بين أعضائه الدائمين، بينما يُحاصر الفيتو قدرته على تطبيق صلاحياته بفرض جزاءات أو حتى السماح باستخدام القوة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين أو استعادتهما.

 

ومع احتدام تنافس القوى الكبرى، باتت انقسامات المجلس تعكس أزمات النظام الدولي بقدر ما تحدّ من قدرته على احتوائها. إذ تتقدّم مصالح القوى الكبرى في كثير من الأحيان على مقتضيات الأمن الجماعي، وتُفسر قواعد القانون الدولي بازدواجية في المعايير ومرونة لافتة مقارنة بالدول الصغيرة والمتوسطة التي تجد نفسها أمام قواعد تُفرض عليها بصرامة، وهذا ما يُبيّن أن المشكلة لا تكمن في قرار بعينه أو أزمة منفردة، بل في الثقة بالنظام نفسه.

 

فمنذ تأسيسه، تمتلك خمس دول دائمة العضوية حق النقض، وتستطيع عمليًا تعطيل إرادة المجلس متى تعارضت مع مصالحها أو حساباتها الاستراتيجية. وبذلك يصبح الجهاز المكلّف بصيانة السلم والأمن الدوليين عاجزًا في اللحظة التي يكون فيها العالم في أمسّ الحاجة إليه.

 

وقد برز هذا التناقض بوضوح في أكثر من أزمة. ففي ملف غزة استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضد مشروعات قرارات حظيت بتأييد واسع داخل مجلس الأمن، ومن بينها مشروع قرار في يونيو 2025 أيده أربعة عشر عضوًا وطالب بوقف فوري ودائم لإطلاق النار، فيما وقفت واشنطن وحدها ضده. وفي المقابل، تخوض روسيا حربًا مباشرة في أوكرانيا، بينما تحتفظ في الوقت نفسه بمقعدها الدائم وحق النقض داخل المؤسسة المسؤولة أصلًا عن حفظ الأمن الدولي.

 

المشكلة الرئيسية، إذن، أن المنظمة التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لمنع عودة العالم إلى منطق القوة دون تفويض دولي، تبدو عاجزة عندما تكون إحدى القوى الكبرى طرفًا مباشرًا في الصراع أو حليفًا رئيسيًا لأحد أطرافه.

 

لذا، بات لزامًا على العالم أن يسأل اليوم: كيف يمكن لمجلس الأمن أن يحاسب قوة كبرى إذا كانت القوة المُراد محاسبتها تملك بنفسها مفتاح تعطيل المحاسبة؟ عند هذه النقطة يُصبح الفيتو أكثر من مجرد امتياز سياسي، بل واحدة من أكثر نقاط الضعف وضوحًا في النظام الدولي المعاصر، وإحدى آليات انتهاك القانون الدولي، ووسيلة لتجريده من قيمته، وأداة لترسيخ الانتقائية في تطبيقه، ومصدرًا للشك في جدواه تبعًا لهوية الدولة وقوتها وشبكة تحالفاتها.

 

يبدو أنّ هذه الازدواجية لن تكون قابلة للاستمرار أمام طبيعة التحوّلات المقبلة التي يشهدها العالم، والتي تشمل موازين جديدة للقوة ترتبط بالتكنولوجيا والاقتصاد وحدّة النزاعات الإقليمية وتسارع وتيرتها، بما يُنذر بعالم أكثر تعقيدًا. وهذا يُشير إلى أنّ مستقبل هذه المنظمة لن يكون أقلّ اضطرابًا مما كان عليه، وأنها، إلى جانب غيرها من المؤسسات الدولية، تبدو عاجزة عن مواكبة ما يتغير من حولها وعن «حماية العالم من نفسه».

 

 

فجوة الخطاب والاستجابة

 

من خلال متابعة الخطابات التي تكررت على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومن داخل أروقتها، تبيّن لنا، كمشاركين من مؤسسات المجتمع المدني، لا سيما في الدورة الحالية، أن عددًا من الخطابات التي قدّمها قادة الدول الكبرى ظلّت في الإطار الرمزي، وأنها غالبًا ما تفتقر إلى الزخم والقدرة على إحداث تحوّلات سياسية ملموسة، حيث أُعيد إنتاج الشعارات المألوفة حول السلام والاستقرار واحترام القانون الدولي، من دون اقتران هذه المبادئ بإرادة سياسية واضحة أو آليات تنفيذية تنقلها من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل.

 

وقد ظهر ضعف الخطاب السياسي مقارنة بما يمرّ به النظام الدولي من أزمات نوعية؛ والأخطر أنّ المجتمع الدولي اعتاد سماع هذه اللغة الأممية المثالية التي تفتقر إلى آليات تنفيذية واضحة، حتى باتت البلاغة الدولية في أحيان كثيرة بديلًا عن القرار السياسي، وخرجت الخطابات عن وظيفتها الدبلوماسية الحقيقية في التعبير عن الموقف الرسمي للدولة تجاه صون السلم والأمن الدوليين، لتتحول إلى مواد إعلامية تهدف إلى إدارة الصورة السياسية أكثر من تعبيرها عن سياسات قابلة للتنفيذ، فاتسعت الفجوة بين ما يُعلن من نوايا حسنة داخل هذه القاعة وما يُنفذ خارجها.

 

فالحرب في أوكرانيا مستمرة، وغزة ما تزال ساحة مفتوحة للصراع وحجم قتلاها ودمارها غير مسبوق، والسودان يعيش حربًا كارثية، فيما تمتد جبهات التوتر إلى الخليج واليمن. إلى جانب ذلك، تتصاعد تحديات المناخ والذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي والأمن الغذائي، فالعالم لا يعيش اليوم أزمة واحدة ينبغي التصدّي لها، ولا حربًا واحدة يمكن التفاوض حول نهايتها، بل منظومة مترابطة من الصراعات والأزمات والتحوّلات التكنولوجية والاقتصادية، تتفاعل تداعياتها وتُغذيها وتُضاعف أثرها. ولم تعد الأزمات تتحرك في مسارات منفصلة، بل أصبحت تتقاطع وتُغذي بعضها بعضًا وتنتج حالة دولية أكثر هشاشة وتعقيدًا.

 

الأخطر أنّ هذه الأزمات غير قابلة للعزل جغرافيًا. فلسنوات طويلة، تعاملت القوى الكبرى مع كثير من الصراعات، وفي مقدمتها أزمات الشرق الأوسط، باعتبارها نزاعات تقع في أطراف النظام الدولي ويمكن إدارتها عسكريًا أو احتواؤها دبلوماسيًا من دون أن تصل تداعياتها مباشرة إلى الفرد في نيويورك أو واشنطن أو باريس.

 

كذلك، كشفت أزمتا مضيق هرمز وباب المندب هشاشة هذا التصوّر، فحين تضطرب الممرات البحرية لا تبقى الحرب حبيسة الخرائط العسكرية، بل تنتقل فورًا إلى أسعار الطاقة والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد والتضخم. وهنا تسقط المسافة بين الجبهة والسوق، وبين الصراع البعيد جغرافيًا والحياة اليومية للأفراد في جميع أنحاء العالم، ويصبح ما يحدث في الخليج أو البحر الأحمر جزءًا مباشرًا من الحسابات الاقتصادية والسياسية في العواصم الغربية.

 

 

التكيّف مع نظام متغير

 

تقف الأمم المتحدة، ومعها العالم، وسط انعقاد الدورة الـ81 التي تودّع أمين عامها الحالي، أمام امتحان قد يكون أصعب من امتحانات الحرب الباردة نفسها. فالنظام الذي تأسس عام 1945 بُني حول الدولة القومية، والحروب التقليدية، والحدود الجغرافية، وموازين القوى العسكرية الواضحة. أما العالم الذي يتشكّل اليوم فيتحرك عبر الفضاء السيبراني، وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي، والشركات التكنولوجية العابرة للحدود، والممرات البحرية التي يمكن أن يهزّ تعطيلها اقتصادًا في قارة أخرى خلال أيام، فضلًا عن تغيّر طبيعة القوة نفسها.

 

في المقابل، لا تزال المؤسسات الدولية تعمل بعقلية صُممت لعالم مختلف تمامًا. وهذا ما يفتح الباب لطرح إشكالية الجدوى من الأمم المتحدة. ربما من الصعب تصور عالم من دون مؤسسة تجمع 193 دولة تحت سقف واحد، ولا توجد حتى الآن منظمة أخرى تستطيع أن تحل محلها بوصفها المنتدى الدولي الأوسع والأكثر شمولًا. وتُمثّل الجمعية العامة المساحة الوحيدة تقريبًا التي تجلس فيها الدول الكبرى والمتوسطة والصغرى على قدم المساواة من حيث المبدأ، ولكل منها صوت واحد. لكن بقاء الحاجة إلى الأمم المتحدة لا يعني بالضرورة أن صيغتها الحالية ما تزال كافية لمواجهة عالم يتغير بهذه السرعة.

 

السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الأمم المتحدة ببنيتها الحالية قادرة على إدارة عالم لم يعد يشبه العالم الذي أنشأها. فقد تغير مفهوم توزيع القوة، وتغير الاقتصاد العالمي، وتغيرت طبيعة الحرب، وبرزت قوى صاعدة جديدة، بينما بقيت أهم بنية لاتخاذ القرار الأمني الدولي محكومة بتوازنات خرجت من الحرب العالمية الثانية. لذلك، فإن «استعادة الثقة» لا يمكن أن تكون شعارًا رمزيًا أو حملة علاقات عامة، بل تتطلب مواجهة أزمة تم تأجيلها طويلًا: كيف يمكن لمؤسسة يُفترض أن تعكس النظام الدولي الراهن أن تستمر ببنية تعكس عالمًا مضى عليه أكثر من ثمانين عامًا؟

 

في هذا السياق، أعلن الأمين العام أنطونيو غوتيريش، عشية اجتماعات الدورة الحالية، أن العالم يعيش «عصرًا من عدم اليقين العميق»، وأن القوّة تتحرك وعلى المؤسسات أن تتحرك معها، ولكن من دون التخلي عن مبادئها. هذه هي المعادلة الصعبة التي تواجه الدورة الحادية والثمانين، والتي تتمثّل بنظام دولي قديم يفقد قدرته على الإقناع، ونظام جديد لم تتضح قواعده بعد. بينهما تنتشر الحروب، وتتعطل الممرات البحرية، وترتفع أسعار الطاقة، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، بينما تتطور التكنولوجيا بسرعة أكبر من قدرة الحكومات على تنظيمها.

 

قد يكون أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس انهيار النظام الدولي بصورة معلنة، بل بقاؤه قائمًا في الشكل بينما تتآكل قدرته الفعلية على فرض قواعده وحماية شرعيته. فالعالم لا يحتاج فقط إلى استعادة الثقة بالأمم المتحدة، بل إلى استعادة الثقة بفكرة أن هناك قواعد واحدة تنطبق على الجميع، بصرف النظر عن حجم الدولة أو قوتها أو تحالفاتها. ومن دون ذلك، لن تكون الأزمة أزمة منظمة دولية عاجزة عن الفعل فحسب، بل أزمة النظام الدولي نفسه، ذلك النظام الذي قامت الأمم المتحدة أصلًا لحمايته ومنحه معنى يتجاوز مجرد موازين القوة.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد:

المؤلف

المدير العام
 خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتميّز الدكتور خالد الجابر بخبرة واسعة وبمسيرة مهنية وأكاديمية طويلة في مجال التواصل السياسي وشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما شغل خلال مسيرته مناصب قيادية في عدد من مراكز الفكر والمؤسّسات البحثيّة، من بينها مركز الشرق للدراسات والبحوث، وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة “ذا… Continue reading الأمم المتحدة في ظلّ تصدّع النظام الدولي