يكشف حجم تداول وسائل الإعلام الإقليمية والدولية خبر هذه الاتفاقية وتغطيتها عن تحوّلات عميقة قد تحدث في بنية التوازنات الإقليمية. فقد أثارت هذه الشراكة الثلاثية أسئلة تتجاوز نصوص الاتفاقية المُعلنة وبلغت مرحلة البحث في المسارات الأمنية التي سترسم مستقبل الشرق الأوسط.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده لا يقتصر على الاهتمام الإعلامي وتحليلات الخبراء، بل يشمل القلق الذي عبّرت عنه بعض الأطراف، والفضول الذي أثارته أطراف أخرى، والجدية التي دُرست فيها هذه الاتفاقية منذ اللحظة الأولى لإعلانها. فما الذي قرأه الآخرون فيها ليرصدوا هذا التحوّل المُرجح في قواعد اللعبة الإقليمية؟
في الواقع لم تُلقِ اتفاقية مكة الدفاعية ورقة الضغط هذه في ساحة هادئة، فالمنطقة لم تعرف الهدوء الأمني والسياسي منذ سنوات طويلة، بل جاءت هذه الاتفاقية في ميدان مضطرب ومثقل بالصراعات وبحروب الوكالة، وبتنافس بين القوى على النفوذ، خلّف انهيارات في منظومات الأمن الوطنية والإقليمية، وأحدث تآكل في مفهوم السيادة، وزاد بعدد اللاعبين الذين باتوا يمتلكون القدرة على إشعال الأزمات أكثر مما يمتلكون الإرادة لإطفائها.
فالشرق الأوسط يعيش منذ سنوات حالة مفتوحة من الاستنزاف على جميع الأصعدة، استنزاف سياسي للدولة الوطنية، واقتصادي لموارد الشعوب، وأمني للمؤسسات، واجتماعي للمجتمعات، واستراتيجي لقدرة الأنظمة العربية على رسم مستقبلها، بل حتى التأثير فيه. ثم جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية لتُضيف جرحًا جديدًا إلى جسد إقليمي لم تندمل جروحه القديمة، وتفتح الباب أمام مرحلة قد تكون أكثر اضطرابًا وخطورةً من كلّ ما سبقها.
غير أن المشكلة الأعمق لم تكن يومًا في كثرة الحروب وحدها، بل في السؤال الذي ظل مؤجلًا طويلًا: من يضع قواعد النظام الإقليمي عندما تتغير أولويات الدول الكبرى الفاعلة والمؤثرة في المنطقة؟ ومن يملأ المساحات الاستراتيجية عندما تقرر الولايات المتحدة تخفيف انخراطها فيها، أو عندما يُقرر البيت الأبيض نقل نفوذه من ساحة إلى أخرى، أو التركيز على الأجندة الداخلية والتريث قليلاً في بتّ الملفات الخارجية؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يجعل اتفاقية مكة حدثًا يستحق أن يُقرأ بعيداً عن نصوص الدفاع المشترك ومقتضيات التعاون العسكري.
الفراغ الاستراتيجي لا ينتظر طويلاً
لقد بُني الأمن العربي في جزء كبير منه على افتراضين. يرتكز الأول على أداء الولايات المتحدة دور الضامن الخارجي الأساسي لاستقرار المنطقة. ويفترض الثاني أن الدول العربية تستطيع التعامل مع الأزمات بصورة منفصلة، من دون الحاجة إلى بنية أمنية إقليمية متماسكة.
ومع التحوّلات التي فرضتها الحرب الإسرائيلية الأمريكية-الإيرانية، يُصبح الافتراضين أقل قابلية للاستمرار. فالولايات المتحدة لم تغادر الشرق الأوسط سياسياً ولا أمنياً ولا عسكرياً، وليس هناك ما يشير إلى أنها ستفعل ذلك بصورة كاملة، لكن من المؤكد أن أولوياتها الدولية شهدت تغيراً لافتاً مع مجيء الرئيس دونالد ترامب للحكم. فواشنطن تنظر اليوم بصورة متزايدة إلى الصين والمنافسة في آسيا باعتبارهما التحدي الاستراتيجي الأهم، فيما أصبحت إدارة أزمات الشرق الأوسط عملية يجب احتواؤها بأقل كلفة ممكنة.
المشكلة، إذن، ليست فيما وصفهُ عدد من المراقبين بـ«الانسحاب الأمريكي»، بل في أن الدول العربية وجدت نفسها وسط نظام إقليمي تتراجع فيه شهية واشنطن للتدخل المباشر من دون أن يكون هناك بديل عربي قادر على ملء جزء من المساحة التي ستتركها. وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى أن الفراغات الاستراتيجية لا تبقى فارغة طويلًا، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط.
في المقابل، استطاعت إيران خلال العقود الماضية بناء شبكة نفوذ سياسي وعسكري تمتد إلى أكثر من ساحة عربية. ومن جهتها، استفادت إسرائيل من تفوقها العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي، وهي تنتهجُ سلوكاً سياسياً بلغ مرحلة الانتهاكات الخطيرة والاعتداءات لترويج نفسها كقوة لا ترغب بالدفاع عن حدودها فحسب، بل تسعى أيضًا إلى فرض تصورها الخاص للنظام الأمني الإقليمي.
بينما ظل العالم العربي يعاني نقصًا مزمناً في تحويل موارده إلى قوة إقليمية جماعية. يتضح أن الإشكالية ليست في أن إيران وإسرائيل تمتلكان من القوة أكثر مما ينبغي، بل أن النظام العربي ظل أقل تنظيمًا مما يجب أن يكون عليه.
تراجع نموذج “الأمن المستورد”
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتمدت دول عربية عديدة بدرجات مختلفة على القوى الغربية في توفير مظلات الردع، والتسليح، والحماية البحرية، والاستخبارات، والتوازن مع الخصوم الإقليميين. ينطوي الاعتماد على قوة خارجية مخاطرة بنيوية متعددة المستويات: أولها أنّ مصالح الحليف ليست دائماً ثابتة، وثانيها أنّ أولوياته لا تتطابق بالضرورة مع أولوياتك. فما تعتبره دولة عربية تهديدًا وجوديًا قد تعتبره واشنطن أزمة يمكن احتواؤها. وما يستدعي، من وجهة نظر دولة ما في المنطقة، ردًا سريعًا، قد يخضع في العاصمة الأمريكية لاعتبارات أكثر تعقيدًا تشمل الانتخابات، والرأي العام، والاقتصاد، ومصالح عالمية لا علاقة لها بالشرق الأوسط.
لهذا فإن النظر إلى مسألة بناء الدول العربية لقدراتها الدفاعية تتجاوز معيار الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، وتأتي في إطار المساعي الواقعية لتغيير طبيعة العلاقة معها. فمن البديهي أن تحتاج الدولة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها إلى ضامن، أما الدولة التي تمتلك مقومات اقتصادية وجهوزية أمنية وجزء لا يُستهان به من القدرة الذاتية فتحتاج إلى شريك.
إنه الفارق بين الاعتماد الاستراتيجي والشراكة الاستراتيجية، وإنه فارق التوقيت أيضاً حيث ينبغي التساؤل عن توقيت اتفاقية مكة الذي لا يقل أهمية عن مضمونها، في مرحلة دقيقة تمرّ بها المنطقة، وتتقاطع فيها ثلاثة تحولات في آن: ارتفاع مخاطر المواجهات الإقليمية، تغيّر الأولويات الأمريكية، وتصاعد قدرة القوى الإقليمية غير العربية على فرض وقائع أمنية وسياسية مهما كانت نتائج الحرب.
فإذا انطلقنا من سيناريوهات ما بعد الحرب، سيتبيّن أنّ اضعاف القدرات الإيرانية لن يُحدث تحوّلات عميقة في النظام الإقليمي. وإن حافظت الولايات المتحدة على وجودها العسكري الواسع، فإن الاعتماد الكامل عليها سيظل خيارًا محفوفًا بالمخاطر. لذلك، فإن القيمة الحقيقية لاتفاقية مكة اليوم لا تكمن في اختزالها بوصفها «ردّ فعل» على الحرب الإسرائيلية-الأمريكية بحدّ ذاتها، بل في ما يمكن أن تمثّله، لا سيّما إذا اقترنت بنودها بآليات تنفيذ واضحة وفاعلة، من استجابة لتحوّل هيكلي أوسع.
إنّ الشرق الأوسط لا يعاني نقصًا في الاتفاقيات. فسجّل المنطقة حافل بالمواثيق الدفاعية والتفاهمات والتحالفات التي بدت طموحة لحظة إعلانها، ثم فقدت قيمتها عندما تغيّرت الظروف أو تناقضت مصالح أعضائها. لذا، فإنّ الردع لا يعني امتلاك الدولة القوة العسكرية فحسب، بل أن يكون الخصم مقتنعًا بأنّ استخدامها ممكن، وأنّ عملية اتخاذ القرار فيها واضحة، وأنّ الهجوم على طرفِ سيؤدي إلى استجابة يمكن توقعها مُسبقًا. من دون ذلك، ستتحوّل التحالفات إلى شراكات رمزية.
من المهم أن تتخذ دول المنطقة هذه الاتفاقية كمدخل لبناء مفهوم أمني أكثر اتساعاً يقوم على عدّة مبادئ، بل مصالح مشتركة تستهدف حماية سيادة الدول، وردع العدوان الخارجي، وتأمين المجال الجوي والممرات البحرية والبنية التحتية والطاقة، ومنع القوى غير الحكومية من تقويض الدولة الوطنية. وينبغي أن يثق أعضاء أي تحالف مستقبلي بأهمية تمثيل مصالحه داخل هذا التحالف.
إذا استطاعت اتفاقية مكة تحقيق هذا التوازن، فقد تنتقل من تحالف سياسي إلى نواة منظومة أمنية عربية. أما إذا تحوّلت إلى أداة ظرفية مرتبطة بتهديد محدد أو بحسابات آنية، فسيكون عمرها أقصر بكثير من الطموحات التي رافقت إطلاقها.
في النهاية، تتجاوز أهمية اتفاقية مكة القيمة التي تُضيفها إلى ميزان القوى في المنطقة، وتمتد لتصبح استجابة لإشكالية الأمن الجماعي في منطقة لطالما مثّلت ساحة للتنافس بين الولايات المتحدة، ثم روسيا والصين بدرجات مختلفة، وإيران، وإسرائيل. وهي تواجه اليوم مهمة تكاد تكون أصعب من إنشاء تحالف عسكري، لأنها ستكون ملزمة بإنتاج فكرة سياسية جديدة وهي: أن الأمن العربي والإقليمي لا يمكن أن يبقى مجرّد خدمة تُشترى من الخارج عند الحاجة، ولا رد فعل يبدأ بعد اندلاع الأزمة. إنه قدرة تُبنى قبل الأزمة، ومؤسسات تعمل قبل اندلاع الحروب وبعدها، وإرادة سياسية تأخذ بعين الاعتبار المصالح العربية وتضعها في حساباتها قبل اتخاذ القرار.
قد تنجح اتفاقية مكة في تحقيق هذا الهدف، وقد تفشل. لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في الترويج لها ولا في البيانات الصدرة عنها. سيكون الاختبار عندما تقع الأزمة التالية، وعندما تتعارض المصالح، وعندما يصبح على الدول المشاركة أن تختار بين كلفة العمل المشترك وسهولة العودة إلى السياسات المنفردة. عندها فقط سنعرف ما إذا كانت اتفاقية مكة مجرد تحالف آخر في الشرق الأوسط، أم بداية انتقال المنطقة من موقع المستوردين لقواعد اللعبة إلى موقع من يشارك في صياغتها.