تُظهر هذه الصورة التي نشرها مكتب المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني (في الوسط) وهو يصل إلى مسقط، عمان في 10 فبراير 2026. (وكالة الصحافة الفرنسية)

إيران تُلوِّح بالتسوية ولكنّها مستعدّة للحرب أيضاً

دخلت إيران جولةً جديدةً من المفاوضات مع واشنطن، وهي على قناعة بأنّ ترسيخ انطباع الاستعداد للمواجهة لا تقديم التنازلات، هو الشرط الأساس لبلوغ تسوية دبلوماسية طويلة الأمد.

24 فبراير، 2026
حسن أحمديان

بعد ثمانية أشهر من الحرب التي شنتّها إسرائيل على إيران بدعم أمريكي في يونيو 2025، والتي انتهت بضربة أمريكية استهدفت منشآت نووية إيرانية، اجتمع المفاوضون في سلطنة عُمان لبحث السُبل الممكنة للتوصّل إلى اتفاق بين الجانبين. وقد دفعت تلك المواجهة القصيرة والمكثّفة التي استمرّت 12 يوماً، المؤسّسة الإستراتيجية في إيران إلى إعادة تقييم جدوى الانخراط الدبلوماسي مع واشنطن وحدوده. خَلُصت هذه المداولات إلى ثلاث نتائج رئيسة واضحة.

 

أوّلاً، لا يمكن للمفاوضات أن تُفضي إلى نتيجة متوازنة إلّّا إذا ارتكزت على الثقة بالاستعدادات لخوض أي مواجهة عسكرية. ثانياً، التفاوض حول المسار الدبلوماسي لا يعني تقويض جاهزية إيران للتصعيد عسكرياً عند الضرورة. ثالثاً، امتلاك إيران القدرة على فرض كلفة ملموسة ردّاً على أيّ هجوم تعزّز فرصة تحقيق اختراق دبلوماسي، وتُضعف حماسة الولايات المتّحدة نحو المواجهة.

 

هذه المقاربة تستدعي استحضار المقولة الرومانية المنسوبة إلى فيغيتيوس: «إذا أردت السلام فاستعدّ للحرب». وقد رأى بعض المحلّلين في ذلك تطوّراً في العقيدة الدفاعية الإيرانية.

 

وبالفعل، خلال العام الأول من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، سَعت واشنطن إلى اختبار قدرة إيران المتشعبة على الصمود، بل وتقويضها. فاستهدفت الحملة المنسّقة في يونيو 2025 البنية التحتية العسكرية والأمنية الإيرانية، وألحقت بها أضراراً جسيمة. على الرغم من تلك الضربات القاسية، تمسّكت طهران بمواقعها وردّت بقوّة على إسرائيل، كذلك خضعت الجبهة الداخلية الإيرانية لاختبار مماثل، وأفضى ذلك كما كان متوقعاً إلى التفاف قومي حول الدولة.

 

سرعان ما تحوّلت مصادر هذا الصمود إلى أهداف لاحقة للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران. فقد كثّفت واشنطن الضغوط الاقتصادية والمالية، وفق ما صرّح به وزير الخزانة الأمريكي بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي عبر إضعاف الأسس الاقتصادية التي تستندُ عليها قوّة إيران الاجتماعية والعسكرية. غير أنّ هذا المسعى أخفق بدوره، ولم تُفضِ حتى احتجاجات يناير 2026 التي حفزّها ترامب برسائل داعمة إلى الانهيار البنيوي المنشود.

 

في المقابل، ركّزت طهران على تعزيز قدراتها الردعية عقب حرب يونيو. وشكّلت مسألة استعادة قدراتها الدفاعية أولوية ملحّة بالنسبة إليها، وهو ما حظي باستثمارات كبيرة، بالإضافة إلى توسيع نطاق تعاونها مع روسيا والصين، اللتين رفضتا آلية إعادة فرض العقوبات التي فعّلتها الدول الأوروبية الثلاث في أكتوبر 2025، المعروفة بـ«سناب باك». ما يعني من وجهة نظرهما، عدم وجود عوائق قانونية تحول دون التعاون العسكري مع إيران.

 

في منحى آخر ليس ببعيد عن الأول يرتبط أيضاً بإعادة صياغة الحسابات الإستراتيجية الأمريكية لخيار الحرب. أشار مسؤولون إيرانيون إلى أنّ اندلاع أيّ نزاع لن يكون محصوراً بمنطقة جغرافية أو بعملية معينة. إذ لن تبقى القواعد الأمريكية، والعناصر، والأصول البحرية التي جُمعت في الشرق الأوسط ومحيطه خارج نطاق الاستهداف، وأنّ أيّ حرب على إيران ستقود إلى نزاع إقليمي أوسع.

 

تبقى رسالة إيران الموجّهة إلى واشنطن واضحة: لقد انتهى زمن «ضبط النفس المحسوب»، وأيّ رهان أمريكي على حرب محدودة بات خارج طاولة المفاوضات وذلك على الرغم من رغبتها بالتوصل إلى تسوية دبلوماسية، وتجنّب المواجهة المباشرة.

 

 من وجهة نظر أمريكية، كان من المفترض أن تدفع التعزيزات العسكرية الضخمة في الشرق الأوسط التي حُشدت خلال يناير وفبراير، إلى جانب التهديدات الخطابية الصادرة عن دونالد ترامب، طهران إلى مراجعة سياستها. وقد انعكس ذلك في تصريح ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لترامب، الذي أشار فيها مؤخراً إلى «فضول» الرئيس الأمريكي حيال سبب عدم «استسلام» طهران على طاولة التفاوض على الرغم من القوّة البحرية الأمريكية الساحقة التي تُرابط بالقرب منها.

 

وعلى العكس مما هو متوقع، عزّز التهديد الناجم عن هذا الحضور العسكري الأمريكي، منطق المقاربة الدفاعية الجديدة لإيران على أرض الواقع، كما ذكر المرشد الأعلى علي خامنئي: «حاملة الطائرات جهاز خطير، لكن الأخطر هو السلاح القادر على إغراقها في قاع البحر».

 

تنطلق إيران في تصوّراتها هذه من تجاربها السابقة، حين طوّقتها مجموعة واسعة من القوّات الأمريكية خلال الاحتلالين الأمريكيين لأفغانستان والعراق بعد عام 2003 وفي وقت كانت قدراتها العسكرية أضعف بكثير ممّا هي عليه اليوم. وردّاً على ذلك، سعت طهران إلى استنزاف القوّات الأمريكية عبر مناوشات طويلة الأمد لرفع تكلفة بقائها وتسريع أمريكا لعملية انسحابها. وبهدف زيادة الضغط الدبلوماسي على إيران أرسلت واشنطن مجموعات حاملة طائرات مماثلة، وهو ما رفع من مستوى التحدّي بدلاً من تحقيق التنازلات. بل ثمّة ما يشير إلى أنّ طهران قد تمضي في دفع الوجود الأمريكي بعيداً عن جوارها أكثر من السابق.  فإنّ أيّ تراجع إيراني سيُقابل بمزيد من الضغط من قبل الخصوم، وذلك بحسب وزير الخارجية الإيراني.

 

من وجهة نظر المجتمع الإستراتيجي الإيراني، تبدو البلاد مستعدّة لاحتمال الحرب، ومؤهّلة لمواجهة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية وفقاً لموقفها الدفاعي الجديد وقدراتها الراهنة، حيث تستهدف الرسائل الإيرانية تغيير حسابات الولايات المتحدة. وعلى الرغم من مخاطر التصعيد التي لا تزال مرتفعة، إلا أن هذا ليس مستجداً.

 

قد تنطوي هذه الثقة الإيرانية على قدر من المبالغة، إلّا أنّ خيارات طهران محدودة. وفي مفارقة لافتة، تبدو وضعية إيران عند دخولها المفاوضات شبيهة بوضعية الولايات المتّحدة: جاهزة للحرب، لكنّها تفضّل تسوية دبلوماسية. في هذا السياق، وافقت واشنطن على الالتقاء في منتصف الطريق واستئناف المحادثات وفق شروط طهران: مفاوضات غير مباشرة تقتصر على الملف النووي ورفع العقوبات. وفيما تبدو هذه الصفقة الضمنية مألوفة ومرتبطة بقيود نووية وشفافية مقابل تخفيف العقوبات، إلا أنّ مواطن الضعف ذاتها ما تزال قائمة، خصوصاً مع احتمالية تبدّل الموقف الأمريكي في وقت لاحق.

 

لقد قبِلت إدارة ترامب حالياً بأجندة تقتصر على النووي، إلا أن هناك احتمال توسيع نطاق التفاوض ليشمل برنامج الصواريخ الإيراني وعلاقاتها الإقليمية، وهما ملفان تعتبرهما طهران غير قابلين للتفاوض. فالصواريخ تُشكّل حجر الأساس في إستراتيجية الردع الإيرانية، وبحسب وزير خارجية إيران عباس أرغاشي فإنّ القدرات العسكرية والدبلوماسية الإيرانية مترابطتان، إذ تستند قوّة طهران على طاولة التفاوض إلى ما توفّره ترسانتها الصاروخية من نفوذ. وسيجري التعامل مع طهران بقدر أكبر من الضغط والإكراه من دون هذه القوّة، بل إنّ مجرّد القبول بمناقشة قدراتها الدفاعية سيضعف موقعها التفاوضي، ويفتح الباب أمام مزيد من الضغوط لانتزاع التنازلات.

 

في غضون ذلك، تسعى إسرائيل إلى الوصول لحالة الجمود التي قد ينتج عنها توسيع نطاق المفاوضات. ويبدو أنّ ثمّة إجماعاً بين الخبراء على أنّ إسرائيل تفضّل أي مآل باستثناء التوصّل إلى تسوية بين طهران وواشنطن. غير أنّ التقارير بشأن الاجتماع الأخير بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب تشير إلى تراجع قابلية الولايات المتّحدة لتبنّي الطروحات الإسرائيلية، ولا سيّما بعدما ثبت عدم دقّة التوقّعات السابقة عن «حرب سهلة» وانهيار إيراني وشيك. ومع ذلك، سيكون من غير الحكمة التقليل من جهود الضغط الإسرائيلية، التي تعمل بلا هوادة لثني ترامب عن إبرام اتفاق.

 

بالنسبة إلى إيران، يتمحور السؤال الأساسي حول ما إذا كانت واشنطن ستُقدّم حساباتها الإستراتيجية الخاصّة أم ستنحاز بصورة أوثق إلى التفضيلات الإسرائيلية. فإذا رجّح الخيار الأوّل، يظل احتمال حدوث انفراج مع الولايات المتّحدة قائماً. ولإضفاء مزيد من المضمون على هذا المنحى، استأنفت طهران محادثاتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وطرحت مشاريع اقتصادية مُحتملة لشركات أمريكية في قطاعات الطاقة والمعادن وغيرها. كما أنّ مشاركة نائب وزير الشؤون الاقتصادية الإيراني في المحادثات مع نظراء أمريكيين تؤكّد استعداد طهران لتجاوز المنطق الأمني الضيّق في علاقتها بواشنطن. مع ذلك، يدرك المسؤولون الإيرانيون أنّ أيّ اختراق سيتطلّب من ترامب تنحية المطالب القصوى التي ترفعها إسرائيل وصقور إيران في واشنطن جانباً.

 

في الوقت الراهن، يتمسّك الطرفان بمواقفهما فيما تتواصل المفاوضات. وفيما تعتمد واشنطن على أدوات الإكراه لتوجيه المسار الدبلوماسي، تسعى طهران إلى إثبات أنها غير مجبرة على الخضوع، مع توجهها نحو تحقيق اتفاق متوازن. الفجوة بين المقاربتين واسعة، ويمكن ردمها إمّا بالحوار على طاولة التفاوض أو بالمواجهة في ساحة المعركة.

 

يشير اختيار الجانبين مواصلة جولات التفاوض إلى أنّ التفاوض لا يزال يتقدّم على القوّة. غير أنّ استمرار هذا الترتيب يبقى رهن القرار في واشنطن، ومدى سماحها لإسرائيل بتحديد خياراتها. وقد وجّه دونالد ترامب بالفعل إنذاراً، مانحاً طهران أياماً للتوصّل إلى اتفاق، وإلّا «ستحدث أمور سيئة». ويبقى أنّ يتّضح ما إذا كان هذا التهديد جزءاً من سياسة ضغط أوسع أم مهلة نهائية جدّية.

 

أمر واحد يبقى واضحاً: لن تقبل طهران بـ«اتفاق غير متوازن» يُفرض تحت وطأة التهديد. فالإنذار النهائي، من هذا المنطلق ليس تفاوضاً، بل استسلاماً أو «خضوعاً تاماً» بتعبير ستيف ويتكوف. وإذا صيغت الدبلوماسية على هذا النحو، فيبدو أنّ الإستراتيجيين الإيرانيين مستعدّون للتعامل مع الحرب، لا مع التسوية، باعتبارها الخيار الأخفّ وطأة.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. 

القضية:
البلد: إيران

المؤلف

أستاذ مشارك في دراسات غرب آسيا، جامعة طهران
أستاذ مشارك في دراسات غرب آسيا، جامعة طهران