في أراضي الخليج العربي القاحلة، يترددُ أنّ المياه أثمن من النفط. وعلى مدى نصف القرن الماضي، أسهمت عائدات النفط في تحقيق توسّع سكاني سريع ونشوء مدن حديثة كبرى. في المقابل ما تزال موارد المياه العذبة في المنطقة محدودة، ما دفع بدول الخليج إلى الاعتماد وبصورة متزايدة على تحلية مياه البحر لضمان استمرار الحياة والازدهار. وقد أدّى الطابع الحيوي للمياه وندرتها إلى ترسيخ عرف غير مكتوب وهو عدم استهداف محطات التحلية.
كما هو الحال مع المفاعلات النووية، كان يُنظر إلى مهاجمة هذه المنشآت على أنها تجاوز لخط أحمر خطير، نظراً لما قد يترتب عليها من عواقب إنسانية جسيمة تتجاوز ساحة المعركة بكثير.
غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا العرف بدأ يتآكل. فقد أفادت تقارير في الأسبوع الأول من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، بأن القوات الأمريكية استهدفت محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم الإيرانية. وردّت إيران باستهداف محطة تحلية في البحرين، ما أثار قلقاً واسعاً في المنطقة. تزامنت هذه التطورات مع تقارير عن هجمات إسرائيلية على البنية التحتية للطاقة والمياه في طهران، أدت إلى انبعاث سحب سامة واندلاع ما وصف بـ«أنهار من النار»، مهددة سبل عيش نحو عشرة ملايين من سكان العاصمة.
وهنا، لا بُدّ من التشديد على أنه في حال تحوّلت محطات التحلية إلى أهداف في الحروب الإقليمية، فإن العواقب ستكون عميقة. إذ تُشكّل البنية التحتية للمياه عصب الحياة اليومية. وتعطيلها حتى لفترة قصيرة قد يطلق أزمات إنسانية في أنحاء الخليج خلال أيام قليلة.
لتفادي هذا السيناريو، ينبغي لدول الخليج أن توضح لكلّ الأطراف أن البنية التحتية الحيوية للمياه في المنطقة هي خط أحمر لا يجوز تجاوزه، وأن أي انتهاك لذلك سيقابل برد خليجي قوي وموحّد. وفي الوقت نفسه، يتعيّن عليها مواصلة تعزيز تحصين البنية التحتية المائية القائمة وتقليل مركزيتها، بما يزيد قدرتها على الصمود في حال فشل الردع.
البنية التحتية للمياه في القانون الدولي
تُعد منطقة الخليج من أكثر مناطق العالم معاناة في شحّ المياه، حيث تعتمد الكثير من دول الخليج على تحلية مياه البحر لتأمين ما يقارب 90 في المئة من مياه الشرب، وهو ما يلبّي احتياجات مواطنيها، إضافة إلى أكثر من 30 مليون أجنبي يعيشون ويعملون في المنطقة.
وتحظى البنية التحتية لمياه الشرب، بما في ذلك محطات التحلية، بحماية في إطار القانون الدولي نظراً لأهميتها الحيوية لبقاء السكان المدنيين. إذ تنص المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1949 صراحةً على حظر استهداف الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، ومن بينها منشآت مياه الشرب وإمداداتها.
وحتى يونيو 2025، كانت 175 دولة قد صادقت على البروتوكول الإضافي الأول. غير أن من بين الاستثناءات البارزة ثلاث دول منخرطة في الحرب الحالية: الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وجميعها استهدفت في الآونة الأخيرة بنى تحتية مائية حيوية.
لكن تآكل هذا المعيار لم يبدأ مع الصراع الراهن. فالنظر إلى أحداث العقد الماضي يظهر أن العرف المفترض ضد استهداف البنية التحتية للمياه، بما في ذلك منشآت التحلية، جرى انتهاكه مراراً. ففي يناير 2025، دمّرت إسرائيل محطة التحلية في شمال غزة، وهي الوحيدة التي كانت تديرها سلطة المياه الفلسطينية، بعدما دمرت آبار الإمداد وخط أنابيب السحب ومولدات الكهرباء الخاصة بها. وفي أوائل مارس 2026، قطعت السلطات الإسرائيلية محطة تحلية جنوب البحر في غزة عن شبكة الكهرباء الإسرائيلية، ما عرّض حياة مئات الآلاف من الفلسطينيين للخطر.
لم تكن منطقة الخليج بمنأى عن هذه التطورات. فقد استهدف الحوثيون في اليمن منشآت التحلية في الشقيق بالسعودية مرتين على الأقل، الأولى عام 2019 والثانية عام 2022. وقبل ذلك بسنوات، واجهت الكويت أزمة مياه كارثية عقب حرب الخليج 1990–1991، عندما أدى تدمير بنية التحلية التحتية، إلى جانب قرار العراق إطلاق النفط عمداً على السواحل الكويتية، إلى جعل مياه البحر غير صالحة للتحلية. واضطرت الكويت حينها إلى الاعتماد لسنوات على استيراد المياه من السعودية.
دول الخليج تعزّز قدرتها على الصمود
لقد اتخذت دول الخليج خطوات لتعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة الهجمات. ويتمثل أحد هذه الأساليب في تقليل مركزية شبكات المياه وتوسيع احتياطيات التخزين الطارئة. فعلى سبيل المثال، تعمل أبوظبي على تخزين المياه المحلاة في طبقة مائية جوفية ضخمة، بما يتيح إنشاء احتياطي استراتيجي يمكن أن يزوّد البلاد بالمياه العذبة لمدة تصل إلى 90 يوماً. كما تُجري الدوحة تجارب لإعادة تغذية الطبقات الجوفية بالمياه.
كذلك أدخل قانون المياه الجديد في قطر، الذي أُقر في أكتوبر 2025، إجراءات حماية إضافية لموارد المياه الجوفية العذبة النادرة في البلاد، إذ حظر استخدامها في الري والزراعة من دون ترخيص خاص. ويُتوقع الآن من المزارعين الاعتماد على المياه الجوفية شبه المالحة بعد معالجتها. وتوفر الطبقات الجوفية الطبيعية وسيلة أقل كلفة وأكثر أماناً لتخزين المياه مقارنة بالخزانات السطحية الكبيرة. وبسبب وجودها في أعماق الأرض، فهي أيضاً أقل عرضة بكثير لضربات الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما أن بعض دول الخليج أنشأت محطات تحلية صغيرة وعالية التحصين تحت الأرض لحمايتها من الهجمات الصاروخية والكوارث الطبيعية. وعلى الرغم من أنها لا تستطيع تعويض المنشآت الكبرى المقامة على السطح، فإنها تمثل خط دعم مهماً في حال تعطل النظام.
في المقابل، اتبعت السعودية استراتيجية مختلفة تقوم على تشجيع تطوير محطات تحلية أصغر حجماً يملكها القطاع الخاص ويشغّلها في أنحاء البلاد. وتزوّد هذه المحطات الصغيرة شبكة المياه السعودية بنحو 4.5 ملايين متر مكعب يومياً، أي ما يقارب 37 في المئة من إجمالي إنتاج التحلية في البلاد. وقد يؤدي فقدان عدد محدود من هذه المنشآت إلى اضطراب في الإمدادات، لكنه لن يكون كارثياً. كما أن صغر حجمها وتوزّعها الجغرافي يجعلانها أهدافاً عسكرية أقل جاذبية. ومع ذلك، لا بد للسعودية من مواصلة حماية أكبر منشآتها المملوكة للدولة في رأس الخير والجبيل، إذ تمثلان أكثر العقد عرضة للخطر في شبكتها.
أما دول الخليج الأصغر حجماً فما زالت تعتمد بدرجة أكبر على المنشآت المركزية، على الرغم من أن الوضع تحسّن مقارنة بما كان عليه قبل عقد من الزمن. ومع ذلك، فإن محطات التحلية ليست أهدافاً سهلة. فقد تمتد المنشآت الكبيرة على مساحات تعادل نحو 150 ملعب كرة قدم، مع تقسيم الإنتاج عبر عدد كبير من الخطوط المتوازية، ما يعني أن تضرّر أحد الخطوط لا يؤدي بالضرورة إلى تعطّل الخطوط الأخرى. كما أسهمت التطورات في تقنيات التناضح العكسي في جعل محطات التحلية أكثر مرونة وأسهل إصلاحاً، وهو ما يقلل من نقاط الضعف الحرجة في النظام.
ومع ذلك، يبقى الحذر ضرورياً. فخصم مصمم يمتلك عدداً كافياً من الصواريخ قد يتمكن من إغراق حتى الشبكات اللامركزية بالهجمات. لذلك ينبغي لدول الخليج أن تركز مظلّة الدفاع الجوي فوق أكبر محطات التحلية لديها. وتشمل الإجراءات الطارئة الأخرى التي ينبغي النظر فيها تخزين قطع الغيار وتأمين أنظمة تحلية متنقلة يمكن تشغيلها سريعاً عند الحاجة.
أهمية ارتقاء التحرك الدبلوماسي لدول الخليج
إنّ تعزيز صمود البنية التحتية وحده لا يكفي لإزالة التهديد، فتعزيز الحماية ينبغي أن يترافق مع جهد دبلوماسي يهدف إلى ترسيخ المعايير الإقليمية والدولية التي تحظر استهداف أنظمة المياه المدنية. ومن المهم لدول الخليج أن تبادر دبلوماسياً عبر إرساء أساس إقليمي مشترك لهذا التحرك ، ربما من خلال إعلان مشترك، ثم الدفع نحو إطار دولي متجدد يعترف صراحة بمحطات التحلية بوصفها بنية تحتية محمية في أثناء النزاعات المسلحة.
ومن الخيارات المطروحة أن يتولى مجلس التعاون الخليجي ودوله الأعضاء رعاية قرار في الأمم المتحدة ليعيد التأكيد على حماية منشآت التحلية في إطار القانون الدولي الإنساني، استناداً إلى المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977. كما يمكن لدول الخليج تشكيل تحالف من الدول التي تعاني شحّ المياه في الشرق الأوسط وأفريقيا ومناطق أخرى، وهي دول تتقاسم مصلحة مشتركة في حماية البنية التحتية المدنية للمياه من الاستهداف في زمن الحرب.
في الوقت نفسه، ينبغي لدول الخليج أن توضح لجميع الأطراف أن الهجمات على أنظمة المياه المدنية لن تكون بلا كلفة استراتيجية. فاستمرار استهداف البنية التحتية المدنية للمياه في إيران، بما في ذلك الضربات التي تنفذها إسرائيل، سيولّد ضغوطاً سياسية داخلية لن تستطيع الحكومات الخليجية تجاهلها.
وقد أظهر قادة دول مجلس التعاون الخليجي بالفعل استعداداً للابتعاد عن واشنطن عندما تقتضي مصالحهم الوطنية ذلك. ومن شأن أزمة مائية إقليمية كبرى، أو حتى تهديد جدي بوقوعها، أن يسرّع هذا الاتجاه. كما أن بعض دول الخليج التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل ستجد صعوبة متزايدة في الحفاظ على تلك العلاقات إذا استمر استهداف أنظمة المياه المدنية. وعلى واشنطن أن تدرك أن موقعها طويل الأمد في الخليج لا يقوم فقط على اتفاقيات الدفاع وصفقات السلاح، بل أيضاً على صورتها كقوة تحافظ على المقومات الأساسية لحياة المدنيين.
في نهاية المطاف، يبقى الهدف بسيطاً: ضمان ألا يستيقظ نحو 60 مليون شخص، من المواطنين والمقيمين على حد سواء، الذين يعيشون على سواحل الخليج ويعتمدون على مصادر محدودة للمياه العذبة، ليجدوا صنابير المياه جافة بسبب قرارات اتُّخذت في غرف حرب بعيدة.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.