مأزق باكستان في الأزمة الإيرانية 

لم تكن باكستان تتوقّع أن تُختبر اتفاقية الدفاع المشترك التي وقّعتها مع السعودية في سبتمبر الماضي بهذه السرعة. مع اندلاع حرب أمريكية–إسرائيلية ضد إيران تبدو مصداقية إسلام آباد اليوم على المحك. 

9 مارس، 2026
 ألبرت ب. وولف 

ترتبط مصداقية الدولة بمصداقية الاتفاقيات الدفاعية التي توقعّها. فعندما حذّر وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار طهران من استهداف المملكة العربية السعودية في تصريح له للصحافيين في 3 مارس 2026، مُستنداً بذلك إلى اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها بلاده مع الرياض قبل ستة أشهر فقط، لم يكن تصريحه لشخص يرغب بإشعال فتيل الحرب، بل كشخص يأمل ألا يختبر أحداً ذلك.  

 

وبتصريحه هذا، لعلّه ضمن أن يتولّى طرفاً آخر غير باكستان ذلك. 

 

ولفهم طبيعة هذه التصريحات، يُشير مفهوم «تكاليف الجماهير السياسية» من منظور العلاقات الدولية إلى العقوبات السياسية الداخلية والخارجية التي قد يتحمّلها القادة في حال تراجعهم عن التزاماتهم التي أعلنوا عنها سابقاً، سواء كانت تهديدات باستخدام القوّة أو تعهّدات بالتضامن. وقَد طوّر هذا المفهوم توماس شيلينغ، ثمّ صاغه لاحقاً جيمس فيرون بشكل منهجي. المنطق هنا بسيط: كلّما كان الالتزام العلني أقوى، ارتفعت كلفة التراجع عنه، وبالتالي ازدادت مصداقية الردع. ولهذا يلجأ القادة عمداً إلى خلق مثل هذه «التكاليف»، من خلال الإدلاء بتصريحات علنية أمام الصحافيين تحديداً لكي يقتنع الخصوم بحقيقة التزامهم. 

 

يُشكّل تصريح دار مثالاً نموذجياً لهذا النوع من الإشارات. فباستدعائه علناً اتفاقية الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية، التي تنصّ على أن «أي اعتداء على أي من البلدين يُعد اعتداءً عليهما معاً»، حوّل هذا الاتفاق الذي يتضمن قدراً كبيراً من الغموض المتعمّد إلى ما يشبه الوعد العلني. لكن المشكلة تكمن في أن باكستان تجد نفسها اليوم أمام «تكاليف الجماهير» عبر ثلاث جبهات في آن واحد.  فالقيادة السعودية تراقب سلوك شريكها النووي ومدى التزامه بهذه التصريحات. فيما ترى طهران التي تعرف باكستان جيّداً، أن مجرد تصريح صحافي لن يكون رادعاً لها على الأرجح. أما في الداخل الباكستاني، هناك نحو أربعين مليون مواطن شيعي يتابعون تعرّض الجمهورية الإسلامية المجاورة لضربات أمريكية وإسرائيلية واسعة. وهذه ليست مجرّد كمّاشة ضغط سياسي لباكستان، بل أقرب إلى “معضلة الأجسام الثلاثة”. 

 

ولكي نُدرك مدى خطورة تصريح وزير خارجية باكستان، على إسلام آباد نفسها، بقدر خطورته على طهران، ينبغي أولاً أن نفهم طبيعة الاتفاقية التي وقّعتها باكستان مع السعودية، وما لم تتطرق إليه عمداً. فقد وصف المسؤولون الباكستانيون والسعوديون بنودها بطريقة غامضة عمداً. وكما قال جوشوا وايت من معهد بروكينغز لصحيفة فايننشال تايمز: «لا يمكن تحقيق الردع من دون قدر من الغموض البنّاء». أما علي شهابي، المُحلّل السياسي السعودي المقرّب من الديوان الملكي، كان أكثر صراحة حين قال إن الاتفاق «يضعكم تحت المظلّة النووية الباكستانية في حال وقوع هجوم». وقد بدا أنّ وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف يؤكّد هذه الرسالة عندما صرّح بأن قدرات باكستان «ستكون متاحة للسعودية وفقاً لهذا الاتفاق»، قبل أن يتراجع عن تصريحه بالكامل في حديث لوكالة رويترز في اليوم التالي. 

 

لم يكن هذا التناقض زلّة دبلوماسية عابرة، بل نافذة تكشف المأزق الذي تجد فيه إسلام آباد نفسها اليوم، لا سيّما وأن الاتفاق صُمّم أصلاً ليظل غامضاً، بحيث يحتفظ الطرفان بهامش واسع للمناورة. غير أنّ دار، بدّد هذا الغموض في مؤتمر صحفي واحد. 

 

في هذا الإطار، تشير التجربة التاريخية إلى أن الواقع الحالي هو جزء من نمط أكثر اتساعاً وليس استثناءً. فالعلاقة بين باكستان والسعودية من أكثر العلاقات القائمة على المصالح والاعتبارات الإستراتيجية في العالم الإسلامي، وقد تشكّلت على مدى عقود من خلال عائدات النفط، والمستشارين العسكريين، والتقاطع في المصالح الجيوسياسية. ففي عام 1998، عندما احتاج رئيس الوزراء الباكستاني آنذاك نوّار شريف إلى غطاء لإجراء تجربة نووية في مواجهة عقوبات غربية شبه مؤكّدة، قدّمت السعودية لباكستان نحو خمسين ألف برميل من النفط يومياً مجاناً لتخفيف وطأة الصدمة. كما تولّت قوّات باكستانية حماية الحدود الشمالية للسعودية خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي. واليوم يؤدي قائد سابق للجيش الباكستاني دوراً قيادياً في التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب. 

 

على الرغم من ذلك، تقف هذه العلاقة عند سقف واضح. فعندما أطلقت السعودية والإمارات ضربات جوّية ضد المتمرّدين الحوثيين المدعومين من إيران عام 2015، صوّت البرلمان الباكستاني ضدّ الانضمام إلى تلك الحملة. وجاء ردّ المسؤولين الخليجيين حادّاً، حين صرّح دبلوماسي إماراتي بارز علناً بأن طهران «تبدو أكثر أهمّية لإسلام آباد من الدول الخليجية»، على الرغم من «الدعم المالي الحتمي» الذي قدّمته الرياض وأبوظبي لباكستان. ومع ذلك، امتصّت باكستان الانتقادات، وحافظت على مسافة متساوية بين الأطراف، وأبقت حدودها الغربية مع إيران هادئة. كذلك، تكشف سابقة اليمن المنطق الثابت وراء مشهد التضامن المتكرر الذي تتخذه باكستان، حيث تقف إسلام آباد إلى جانب الرياض عندما تكون الكلفة قابلة للاحتواء والتهديد بعيداً، لكنها تجد أسباباً للتراجع عندما ترتفع الكلفة أو يقترب الخطر. 

 

اليوم، بلغت هذه التكلفة مستويات عالية جداً. 

 

تدخل باكستان هذه الأزمة وهي مُحاصَرة من كلّ الجهات ولا تدخلها من موقع توازن إستراتيجي. فالجيش الباكستاني يواصل تنفيذ عملية «غضب للحق» في الشمال الغربي من البلاد التي أُطلقها في 27 فبراير 2026 ضد حركة طالبان الأفغانية، وهي حرب مفتوحة بلا أفق واضح، ويتطلب الخروج منها استنزاف موارد عسكرية ضخمة. كذلك، تمتدّ الحدود البلوشية مع إيران لمسافة تقارب 560 ميلاً غرباً وهي تُدار لمدّة طويلة بناء على تفاهم غير مُعلن يقوم على مبدأ «عِش ودع غيرك يعيش» نتيجة الردع النووي المتبادل. غير أنّ هذا التوازن الهش بات الآن مثقلاً برمزية مقتل المرشد الأعلى الإيراني وبالشارع الباكستاني الذي قد شهد جزء منه أعمال عنف. 

 

يُمكن القول أنّ معادلة «تكاليف الجماهير» التي سمحت لباكستان بالحفاظ على حيادها في السابق قد انهارت. فعندما قُتل الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في سبتمبر 2024، تمكّنت الدولة الباكستانية من احتواء الغضب الداخلي عبر احتجاجات رمزية وخطاب موجّه بعناية، ما شكّل صمام أمان هدّأ الشارع من دون سقوط قتلى أمام القنصلية الأمريكية. وفي تلك اللحظة نفسها حصلت إسلام آباد على برنامج الإنقاذ الرابع والعشرين من صندوق النقد الدولي، وهو تسهيل ائتماني ممدّد بقيمة سبعة مليارات دولار رسّخ تبعيتها للدائنين الدوليين الذين لا رغبة لديهم في اندلاع مغامرات إقليمية.لكن مقتل 22 محتجاً أمام القنصلية الأمريكية في كراتشي في الأول من مارس 2026 يشير إلى أنّ الأدوات نفسها لم تعد فعّالة. فهذه المرة لم يكتفِ الشارع بالتعبير عن غضبه، بل انتقل إلى استهداف منشآت دبلوماسية حسّاسة على الأراضي الباكستانية. ولم تعد قدرة الدولة على أداء دور الحكم المُحايد التي أصبحت مرهقة، بل تبدو اليوم متصدعة بوضوح. 

 

هذه هي مصيدة الالتزام في أشدّ صورها وأكثرها حدّة. فقد هدف وزير خارجية باكستان من خلال تصريحه إلى رفع كلفة أيّ عدوان إيراني مُحتمل على السعودية. لكنه في المقابل رفع كلفة تقاعس باكستان نفسها إلى مستوى قد تعجز إسلام آباد عن تحمّله. إذا التزمت باكستان بالاتفاق واتجهت نحو تضامن عسكري مع السعودية، ستُخاطر بإمكانية تخلّي إيران عن «الصمت الصاروخي» غير المعلن الذي حافظ على استقرار الحدود الغربية منذ تبادل الضربات الصاروخية في يناير 2024، وهي أزمة سارع الطرفان إلى احتوائها خلال 72 ساعة تحديداً لأن كليهما لا يريد تدقيقاً دولياً في برامجهما النووية والصاروخية. كما ستُخاطر باكستان بمنح حركة طالبان الأفغانية، التي تعهّدت بالتعاون مع إيران في مواجهة ما تصفه بالعدوان الأمريكي، حافزاً لفتح جبهة ثانية.  

 

وإذا اختارت إسلام آباد الصمت، فإنها تقرّ عملياً بأنه لا قيمة لهذا الاتفاق، وهذا يُدمّر قوّة الردع التي يهدف الاتفاق إلى تحقيقها، ويفتح الباب لتوبيخ حادّ من الرياض، وربّما يهدّد شريانها المالي الحيوي المتمثّل في إعادة جدولة الديون السعودية وتحويلات العمالة الوافدة التي تأتي الخليج وتُبقي الاقتصاد الباكستاني قائماً، حيث يعمل أكثر من أربعة ملايين باكستاني في الدول الخليجية ضمن العمالة المهاجرة، وقد قُتل أحدهم بهجوم صاروخي إيراني على أبوظبي في اليوم الأوّل لاندلاع الحرب. وفي حال اختارت إسلام آباد السير في المسار الضيّق بين هذه الضغوط المتعارضة، فإنها تخاطر بألّا تُرضي أحداً، مع ازدياد ضغط الشارع في الداخل، وترقّب حركة طالبان أي فرصة للانقضاض. 

 

اللافت، أن فيروز خان، وهو عميد متقاعد في الجيش الباكستاني وأستاذ في مدرسة الدراسات العليا البحرية، كان قد حذّر في سبتمبر 2025، عند توقيع الاتفاق الدفاعي بين باكستان والسعودية، من سيناريو يبدو اليوم أقرب إلى نبوءة. فقد قال: «ستحتاج باكستان إلى قدر كبير من الحذر كي لا تُربك موقعها الجيوسياسي الدقيق بين الصين وإيران والسعودية والولايات المتحدة. فإذا أدّى هذا الاتفاق إلى تقارب أكبر بين الهند وإسرائيل، أو إلى فرض مزيد من العقوبات على برنامجها للصواريخ الباليستية، أو إلى تعزيز جهود الهند لعزل إسلام آباد، فقد ينتهي الأمر إلى خطأ إستراتيجي». 

 

لكن الخطأ الأكبر، كما يبدو اليوم، لم يكن الاتفاق نفسه، بل اللحظة التي وقف فيها وزير خارجية أمام الصحافيين محاولاً أنّ يمرّر الغموض على أنه حزم. لقد أُغلقت الآن مصيدة الالتزام التي وجدت باكستان نفسها فيها بالكامل. وكلّ مخرج منها يحمل كلفة قد تعجز الدولة عن دفعها. وما تبقى الآن هو الضجيج: ضجيج الشارع، وضجيج الرياض، وضجيج طهران، وضجيج معضلة ثلاثية بلا حلّ واضح، فضلاً عن حكومة تكتشف أنّ رفع الصوت، عندما لا تكون واثقاً من قدرتك على تنفيذ التهديد، لا يختلف كثيراً عن الصمت.  

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد: إيران

المؤلف

زميل دولي في جامعة حبيب
ألبرت ب. وولف: زميل دولي في جامعة حبيب، نُشرت أعماله في مجلتي “فورين بوليسي، وواشنطن بوست”