تظهر في الصورة وحدات ضخ النفط وهي تعمل في حقول النفط بصحراء الصخير في جنوب البحرين، بتاريخ 22 أبريل 2020. (وكالة فرانس برس)

كيف تُعيد الحرب تشكيل القوة الاقتصادية وإستراتيجيات الطاقة في الخليج؟

تتعرّض الاقتصاديات الخليجية المصدّرة للطاقة لاختبار عصيب بسبب الصدمة التاريخية التي أصابتها في حجم إمداداتها. لم تكتف هذه الصدمة بهزّ أركان أمن الطاقة العالمي، بل هي تُعيد اليوم تشكيل معالمه.

1 أبريل، 2026
كارين إي. يونغ

 تُواجه دول مجلس التعاون الخليجي اليوم التهديد الأخطر لأمنها الاقتصادي وإستراتيجياتها المتعلّقة بالطاقة منذ نشأتها؛ إذ ألقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية -الإيرانية بظلال قاتمة على المنطقة برمتها، مُخلّفةً تداعيات اقتصادية حادّة، وإن كانت متفاوتة الأثر بين الدول الخليجية. ينسحب هذا التفاوت أيضاً في قدرة كل دولة على تأمين استمرارية التدفّق في صادراتها من الطاقة وحماية بنيتها التحتية الحيوية، لا سيّما في ظلّ الاستهداف الإيراني المتباين لهذه المقدرات الإستراتيجية.  

 

لقد أفضت الحرب إلى أكبر انقطاع في إمدادات النفط والغاز الطبيعي المُسال في التاريخ الحديث. فقبل حلول 28 فبراير كان مضيق هرمز شرياناً يتدفّق عبره نحو 20 في المائة من النفط العالمي النسبة ذاتها من الغاز المسال المصدّر دولياً. منذ ذلك الحين، انحسرت حركة الملاحة فيه لتستقرّ عند نحو 5 في المائة من مستوياتها المعتادة. وعقب الضربة الإيرانية التي استهدفت منشأة “رأس لفان” القطرية في 18 مارس 2026، وهي المنشأة الأضخم من نوعها في العالم، توقفت الصادرات القطرية فعلياً. ويُتوقّع أن تظلّ القدرة التصديرية دون مستويات ما قبل الحرب بنسبة 17 في المائة على الأقل لفترة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات في ظلّ أكثر السيناريوهات تفاؤلاً. بالإضافة إلى ذلك، تواجه شركة “قطر للطاقة” وحدها احتمال خسارة إيرادات سنوية تقارب 20 مليار دولار، مقابل إيرادات حكومية أساسية متوقّعة لعام 2025 تبلغ 54 مليار دولار أمريكي.

 

وحتى في حال استئناف الملاحة البحرية، فإنّ التعافي سيكون شاقاً وبطيئاً؛ إذ لا يمكن ببساطة إعادة تشغيل إنتاج النفط بـمجرّد “ضغطة زر”. فقد أُغلقت الآبار، وستتطلّب عمليات شحن الناقلات أولاً سحب المخزون، ثم الانتقال إلى المشتقات النفطية المُكرّرة، وصولاً إلى الاستئناف التدريجي لإنتاج النفط على أمل حدوث أضرار طفيفة للخزانات الحاليةوبالتالي فإنّ العودة إلى مستويات التصدير ما قبل الحرب أو إيرادات الطاقة في الظروف العادية، ستستغرق شهوراً في أفضل الأحوال. وستكون معاناة المصدرين الذين لا يمتلكون رفاهية التصدير عبر خطوط الأنابيب أشد وطأةً وأطول أمداً. 

في هذا السياق، مثّلت القدرة على تصدير النفط الخام عبر خط أنابيب “شرق غرب” السعودي وخط “حبشان الفجيرة” الإماراتي طوق نجاة حقيقي، حيث حافظت على تدفّق الإيرادات، ومنحت الدولتين هامشاً من المرونة الإستراتيجية.  

 

لقد أثبتت هذه الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية جدواها، على الرغم من إنّها لا تزال عرضة للمخاطر. فمع اقتراب هذه الخطوط من طاقتها القصوى، التي تناهز 7 ملايين برميل يومياً في الحالة السعودية، تختفي القدرة الاحتياطية، وقد تصبح هذه الطرق أهدافاً محتملةً لإيران أو الحوثيين في اليمن. 

وعلى الرغم من النجاحات الملموسة مؤخراً في جهود التنويع الاقتصادي، لا تزال إيرادات النفط والديناميكيات التي تتمتع بها أسواق النفط بمثابة العمود الفقري للاستقرار الاقتصادي الكُلّي في الدول الخليجية. لكن  تداعيات هذه الصدمة قد بدأت تصيب القطاعات غير النفطية، فمن المرجّح أن تشهد قطاعات السياحة والطيران في الدول الخليجية ضغوطاً مماثلة لتلك التي شهدتها أثناء جائحة فيروس كوفيد 2019. وبالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، فالتوقيت غير مواتٍ على الإطلاق، لا سيّما بعد أن حققت السياحة في عام 2024 إيرادات بلغت 41 مليار دولار، متجاوزةً لأول مرة إيرادات صادرات البتروكيماويات، إذ بلغت 39,7 مليار دولار. وفي الإمارات، ترزح قطاعات اللوجستيات والتمويل التجاري والاتصال والترابط، وهي ركائز نموذجها الاقتصادي، تحت وطأة ضغوط متنامية. 

تعكس توقّعات الأسواق حالة من عدم اليقين ه. ففي السيناريوهات الأكثر تفاؤلاً، قد يؤدّي التعافٍ الجزئي في غضون ستة أسابيع إلى استقرار أسعار النفط عند متوسط 83 دولاراً للبرميل لعام 2026. أمّا القراءة الأكثر واقعيةً، فتتوقّع اضطراباً طويلاً حتى يونيو، مع احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل ومتوسط أقرب من 90 دولاراً للعام. وفي كلتا الحالتين، ستكون المرونة متفاوتة، حيث ستصمد الدول التي تمتلك قدرة الحفاظ على صادراتها والتي ستجتاز هذه العاصفة بأضرار أقل من تلك التي أُجبرت على الخروج من السوق. 

المشهد الأوسع: إعادة تموضع إستراتيجي 

من المرجّح أن تؤدّي أضخم صدمة في تاريخ إمدادات النفط على الإطلاق إلى إعادة تقييم إستراتيجي لمفهوم أمن الطاقة العالمي. وسيواجه صانعو السياسات والأسواق على حدّ سواء حقيقة المخاطر البنيوية الناجمة عن التركيز المفرط للإنتاج، والطاقة الإنتاجية الاحتياطية، ومدى هشاشة البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط. وسيفضي ذلك في نهاية المطاف إلى ظهور دوافع جديدة نحو تنويع موارد الطاقة، وسلاسل الإمداد وشراكات الاستثمار، وسعي نحو ترسيخ المزيد من المرونة والوفرة وتبنيهما ضمن إستراتيجيات الطاقة الوطنية. 

في الوقت الراهن، تحتدم المنافسة بين أربعة أُطر لمفهوم أمن الطاقة ضمن الاقتصاد السياسي العالمي، وجميعها ستتأثر بزلزال اضطراب الطاقة في منطقة الخليج. فبينما يُعرّف الإطار التقليدي أمن الطاقة عبر “العناصر الأربعة” المتمثلة بـ:القدرة على تحمل التكاليف، والوفرة، والوصول، والقبول. ما يعني أنّه يجب قياسه بناءً على التكلفة واستقرار الأسعار، وكفاية الإمدادات، والبنية التحتية وآليّات التسليم، وتأثيره البيئي والاجتماعي.  

تعمل إدارة ترامب الساعية للهيمنة على الطاقة إلى منافسة هذا الإطار التقليدي، انطلاقاً من رؤية تتمحور حول الأمن القومي وترى في السيطرة على الموارد أداة للنفوذ الجيوسياسي والجيو اقتصادي. في المقابل، يبرز إطار ثالث يضع الاعتبارات المناخية في الصدارة سعياً للتخلص من الوقود الأحفوري. أمّا المنظور الرابع والناشئ، فيرى أمن الطاقة كـ “حالة من التدفّقات المستمرة”، مشدّداً على أهمّية الممرّات المفتوحة والأنظمة المترابطة والحركة غير المنقطة للطاقة كأساس للنمو الاقتصادي والتنمية. وكما صرّح سلطان الجابر، رئيس شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك”، في مؤتمر مارس 2026: إنّ “استقرار أسواق الطاقة هو حجر الزاوية لاستقرار كافة الأسواق. أمن الطاقة ليس شعاراً فحسب، بل هو الفارق بين النور والظلام، ويرتكز على حقيقة بسيطة: يجب أن تظل شرايين العالم الحيوية مفتوحة”. 

تتداخل هذه الأُطر الأربعة تداخلاً واضحاً فيما بينها، لكن ثمة أيضاً نقاط اختلاف هامة، لا سيّما حول قضايا السيطرة على الإمدادات والوصول إليها واستخدامها كأسلحة. ففي أعقاب الأزمة الراهنة، وإعادة فتح مضيق هرمز، من المرجّح أن تتجه الحكومات لتعزيز احتياطياتها الإستراتيجية، بينما ستفرض الأسواق علاوة مخاطر أمنية على الأسعار الآجلة والمستقبلية، ما يعني بقاء أن الأسعار ستبقى مرتفعة لفترة أطول. 

أمّا التداعيات السياسية فمن الصعب التكهن بها، إذ تميل المؤشرات نحو التشرذم بدلاً من التنسيق. وقد تفسح المقاربات الجماعية سواء من خلال اتفاقيات المناخ أو البنية التحتية المشتركة المجال لإستراتيجيات أحادية الجانب بشكل أكبر. حيث ستعطي الدول الأولوية لأمنها الاقتصادي الوطني، وقد تحظّر تصدير الخام والمشتقات النفطية المُكرّرة، أو تحفز الاستهلاك المحلّي للموارد، أو تسرع وتيرة الاستثمار في الطاقات المتجدّدة. كل هذه التحوّلات كفيلة بتغيير وجه نظام الطاقة العالمي لعقود قادمة. 

ثمة حقيقة واحدة باتت جلية اليوم: لقد انتهى عصر الرهانات السهلة على استقرار إمدادات الطاقة. 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية: الاقتصاد السياسي
البلد: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

باحثة أولى، جامعة كولومبيا
كارين إي. يونغ: باحثة أولى في مركز سياسات الطاقة العالمية، جامعة كولومبيا، وزميلة أولى في معهد الشرق الأوسط، حيث تترأس مبادرة الاقتصاد والطاقة.