طائرة من طراز "ميراج 2000 (C)" وطائرتان من طراز "F15" تحلق في عرض عسكري بمناسبة احتفالات اليوم الوطني لدولة قطر، 18 ديسمبر 2018 الدوحة. (تصوير كريم جعفر / وكالة فرانس برس)

كيف تُسهم القدرات الدفاعية الخليجية في منع التصعيد مع إيران؟ 

أتاحت الاستثمارات الخليجية في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي متعددة الطبقات درء مخاطر الهجمات الإيرانية وحماية البنية التحتية الحيوية، والحفاظ على قدر من سياسة ضبط النفس الاستراتيجي، في حرب لم تشنها هذه الدول ولم تُطلق شرارتها ولا ترغب بخوضها. 

15 مارس، 2026
راشد المهنّدي

أحدثت الهجمات المشتركة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير وتصاعدت وتيرتها مع مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، صدمة في أنحاء الشرق الأوسط. وأثارت على الفور مخاوف من اندلاع حرب إقليمية واسعة. بالفعل، لم تمضِ ساعات قليلة حتى تحققت هذه المخاوف. فالردّ الإيراني لم يقتصر على الولايات المتحدة وإسرائيل فحسب، بل اتسع ليشمل دول الخليج، مع إطلاق طهران لصواريخ باليستية وصواريخ كروز وموجات من الطائرات المسيّرة استهدفت منشآت ومرافق حيوية في المنطقة. 

 

مع ذلك، لم ينزلق الخليج إلى الفوضى ولم تنجرّ دول التعاون إلى هذا الصراع واقتصرت أضرار هذه الهجمات على المادة، مع تسجيل عدد قليل نسبياً من الخسائر البشرية، واستمرت الحياة اليومية بشكل طبيعي إلى حدّ كبير. والسبب يكمن في أداء أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتطوّرة التي استثمرت دول الخليج فيها على مرّ عقود، والدور الذي صُممت من أجله هذه الأنظمة، بالإضافة إلى نجاح القوات العسكرية في تشغيلها بفاعلية. 

 

لسنوات طويلة، انتقد البعض الإنفاق الدفاعي لدول الخليج، واصفين إياه بالمفرط أو المدفوع باعتبارات تُحدّدها المكانة والوجاهة السياسية. غير أن الأزمة الحالية كشفت بوضوح المنطق الاستراتيجي الكامن وراء هذه الاستثمارات. فقد مكّنت أنظمة الدفاع الخليجية دول المنطقة من الحفاظ على ضبط النفس الاستراتيجي، والبقاء خارج حرب لم تبدأها ولا ترغب في خوضها، وذلك بفضل قدرتها على اعتراض التهديدات الواردة وحماية السكان المدنيين والبنية التحتية الحيوية. 

 

 

الإنكار الدفاعي على أرض الواقع 

على مدى أكثر من عقد، استثمرت دول الخليج بشكل مكّثف في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الحديثة، وعملت على تطوير بنى دفاعية متعددة الطبقات ترتكز على قدرات تمنع الخصوم من الوصول إلى المجال العملياتيوقد ظهرت نتيجة هذه الاستثمارات وقيمتها العملياتية اليوم بوضوح. فقد تعاملت الأنظمة الدفاعية مع طيف واسع من التهديدات الواردة في مختلف أنحاء المنطقة. وقد شملت هذه التهديدات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة الانتحارية والطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، بل وحتى الطائرات التكتيكية. كذلك، تضافرت قدرات الإنذار المبكر والاعتراضات متعددة المجالات، وارتفعت وتيرة التنسيق العملياتي بهدف حماية السكان المدنيين والمنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية من الضربات الإيرانية. 

 

وتكشف البيانات العملياتية الأولية عن حجم الجهد الدفاعي المبذول. فقد أطلقت إيران مقذوفات باتجاه الدول الخليجية أكثر مما أطلقته نحو إسرائيل، على الرغم من تقديمها إسرائيل والولايات المتحدة على أنهما الخصمين الرئيسيين في هذا الصراع. ومع ذلك، تجاوزت معدلات الاعتراض في معظم الفئات 90 في المئة على مستوى المنطقة. نتيجة لذلك، استمرت غالبية البنية التحتية المستهدفة، بما في ذلك المطارات ومنشآت الطاقة والمناطق الحضرية، في العمل بشكل طبيعي. أما فيما يتعلق بإغلاق عدد من المنشآت بشكل مؤقت، فإنّ ذلك مردّه الإجراءات الاحترازية لا هجمات ناجحة. وبذلك، أخفقت إيران إلى حدّ كبير في تحقيق هدفها الاستراتيجي في إحداث اضطراب واسع ونشر حالة من الذعر في الخليج. 

 

تبرز هذه التجربة مفهوماً استراتيجياً مهماً هو آلية الإنكار الدفاعي. فالقدرة على إحباط الهجمات الواردة تقلّل من الضغوط الفورية التي قد تدفع الدول إلى التصعيد رداً عليها. وعندما تتمكّن الحكومات من حماية مواطنيها وسكّانها وبنيتها التحتية الحيوية، فإنها تكتسب هامشاً استراتيجياً يسمح لها بممارسة ضبط النفس بدلاً من اللجوء إلى الرد الانتقامي. في هذا السياق، لا تُشكّل القدرات الدفاعية الخليجية أدوات عسكرية فحسب، بل تُعتبر عاملاً من عوامل الاستقرار في أوقات الأزمات، لأنها تتيح للدول القدرة على احتواء العدوان دون دفعها إلى الانخراط المباشر في حرب غير ضرورية. 

 

 

حدود الحرب الصاروخية 

تكشف البيانات العملياتية المستمدة من الصراع الحالي أيضاً عن مؤشرات في تغيّر الموازين بين القدرات الهجومية والدفاعية في الحروب الحديثة. فقد ارتفعت معدلات اعتراض الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز بشكل ملحوظ. وفي عدد من الاشتباكات، نجحت الأنظمة الدفاعية في تحييد شبه كامل للرشقات الصاروخية الواردة. كذلك، تكشف البيانات عن بعض الثغرات عندما يتعلق الأمر بمواجهة الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، التي لا تزال أكثر صعوبة في الاعتراض بسبب تحليقها على ارتفاعات منخفضة، وسرعاتها البطيئة نسبياً، وبصمتها الرادارية المحدودة. 

 

وقد بدأت هذه التحديات بالفعل تدفع نحو التكيّف. إذ تعمل الجيوش الخليجية بسرعة على إدماج قدرات جديدة، وتطوير التكتيكات والتقنيات والإجراءات التشغيلية، ونشر أنظمة إضافية لمعالجتها. ومن المرجح أن يسرّع الصراع الحالي الجهود الرامية إلى تطوير قدرات سيادية أكثر متانة لمواجهة التهديدات المتطورة التي تمثلها الطائرات المسيّرة. 

 

من الدروس المهمة الأخرى التي أبرزتها الأزمة الحالية أيضاً، أهمية أنظمة الإنذار المبكر وآليات الدفاع المدني. ففي قطر، أدّى التواصل المستمر مع الجمهور عبر منصات متعددة دوراً حاسماً في تقليل عدد الإصابات خلال عمليات اعتراض الصواريخ. فمعظم الإصابات المُبلغ عنها لم تنتج عن ضربات مباشرة، بل عن الشظايا والحطام المتساقط الناتج عن عمليات الاعتراضات الناجحة. وفي كثير من الحالات، وقعت الإصابات بسبب عدم التزام الأفراد بتعليمات الاحتماء في الأماكن الآمنة، وتعكس أهمية جاهزية الجمهور وبنية الدفاع المدني بوصفهما عنصرين أساسيين في أي نظام دفاعي شامل ذلك. 

 

 

صراع سيترك أثراً بالغاً 

الصراع الحالي سيخفت في نهاية المطاف، لكن من المرجح أن تبقى تداعياته السياسية على العلاقات الخليجية -الإيرانية لفترة طويلة، حيث سيؤثر تكرار استهداف دول الخليج بالصواريخ والطائرات المسيّرة والطائرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما ضد البنية التحتية المدنية والمطارات ومنشآت الطاقة، حتماً، في تصوّرات التهديد التي قد تتعرّض لها المنطقة لسنوات مقبلة.  

 

ومن المرجح أن تؤثر هذه التجارب في سياسات دول الخليج تجاه إيران حتى بعد انحسار الأزمة المباشرة. بل يُمكن القول أن العلاقات الخليجية–الإيرانية قد تكون الآن عند أدنى مستوياتها منذ عقود، وربما أكثر توتراً مما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي، عندما تأسس مجلس التعاون الخليجي أساساً استجابةً للتهديدات الإيرانية المتصوّرة في أعقاب الثورة الإسلامية 

 

من الدروس المهمة الأخرى أيضًا التي كشفها الصراع هي أهمية الشراكات الأمنية طويلة الأمد بين دول الخليج وحلفائها الغربيين. ففعالية شبكات الدفاع الجوي والصاروخي في المنطقة تعكس عقوداً من التعاون والتدريب المشترك ومشتريات الدفاع مع الشركاء الغربيينوقد تُرجمت هذه الشراكات مباشرة إلى دعم عملياتي في بعض الحالات. فعلى سبيل المثال، تشير تقارير إلى أن طائرات مقاتلة بريطانية شاركت في اعتراض الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز الإيرانية ضمن إطار سرب تايفون المشترك بين قطر وبريطانيا. وبغض النظر عن اعتبارها مؤشر يُعتمد عليه، باتت هذه الشراكات تشبه على نحو متزايد ترتيبات أمنية متبادلة، تُعزز فيها قدرات الحلفاء أنظمة الدفاع الإقليمية وتساعد على سدّ فجوات القدرات الحيوية في أوقات الأزمات. 

 

كذلك تعكس هذه الحرب حجّة قوية مقابل الانتقادات المزمنة الموجهة إلى الإنفاق الدفاعي الخليجي. فعلى الرغم من حجم هذه الاستثمارات التي تبدو كبيرة، إلا أن التهديد الراهن أظهر أهميتها. فالقدرات الدفاعية المتقدمة في منطقة تتزايد فيها تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة باستمرار، لا يُعتبر ترفاً، بل ضرورة استراتيجية. 

 

 

ما الذي ينبغي فعله؟ 

 

من خلال هذه التجربة، يُمكن استقاء الدروس الآتية. 

 

أولاً، ينبغي للدول الخليجية الحفاظ على ضبط النفس الاستراتيجي الذي أظهرته حتى الآن، وتجنّب الانجرار إلى المشاركة المباشرة في حرب لم تبدأها. ويجب أن تبقى حالة الإنكار الدفاعي، أي حماية الأراضي وصدّ العدوان من دون تصعيد، المبدأ الذي يوجه هذه السياسات. 

 

ثانياً، تمثل البيانات العملياتية التي أفرزها هذا الصراع مورداً استراتيجياً بالغ القيمة. فقد خطّطت الجيوش الخليجية منذ فترة طويلة لمثل هذا السيناريو تحديداً. وسيتيح أداء الأنظمة الدفاعية في ظروف العمليات الفعلية استخلاص رؤى مهمة بشأن التهديدات الناشئة وتكتيكات الخصوم والمجالات التي تتطلّب مزيداً من التطوير التكنولوجي. وينبغي أن تُوجّه هذه الدروس جهود البحث والتطوير في المستقبل، وكذلك قرارات المشتريات الدفاعية. 

 

ثالثاً، وربّما الأهم، تُبرز هذه الأزمة الحاجة إلى تكامل دفاعي أعمق داخل مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما في مجال الدفاع الجوي والصاروخي. فمن شأن تعزيز التنسيق في أنظمة الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والمشتريات المشتركة، وبناء أنظمة دفاعية متكاملة، أن يعزّز بشكل كبير قدرة المنطقة على الصمود في مواجهة التهديدات. 

 

 

 

غموض استراتيجي يلوح في الأفق 

لا يزال المسار العام للحرب غير واضح. ففي حين تبدو القدرات العسكرية الإيرانية كأنها تتآكل تدريجياً تحت وطأة الضربات الأميركية المتواصلة. إلا أن مرحلة ما بعد الصراع قد تنطوي على مخاطر جديدة. وتتجسد إحدى هذه المخاطر في احتمال انهيار الدولة أو حدوث حالة من عدم الاستقرار الحاد داخل إيران. فانهـيار سلطة الدولة  على غرار ما حدث في العراق أو سوريا  قد يفتح مصدراً جديداً وغير متوقع لعدم الاستقرار الإقليمي. 

 

ثمة عامل آخر يتمحور حول إمكانية تغيّر السياسة الإقليمية لإسرائيل إذا ما تعرّضت إيران لضعف شديد أو تفكك. فإسرائيل قد تضيف طبقة جديدة من عدم اليقين بالنسبة إلى الدول الخليجية لأنها ستكون أكثر جرأة في بيئة استراتيجية أعيدت صياغتها. 

 

من منظور الاستشراف الاستراتيجي، يمرّ النظام الإقليمي بالفعل بتحولات عميقة. وسيحتاج صانعو السياسات في الخليج إلى تقييم دقيق لكيفية إعادة تشكيل هذه التحوّلات للمشهد الأمني في الشرق الأوسط. 

 

فإيران ضعيفة أو غير مستقرة، إلى جانب إسرائيل أكثر اندفاعاً، قد يمثلان معاً مصدرين محتملين لعدم الاستقرار في المستقبل.  وفي مواجهة ذلك، من المهم أن تعمل دول الخليج بصورة متزايدة على تعزيز علاقاتها مع قوى متوسطة أخرى في أوروبا وشرق آسيا، وهي دول تتأثر بدورها عندما تتعرّض ركائز النظام الدولي وقواعده لضغوطات من هذا النوع. 

 

في حال استمرار الوضع الراهن، من المرجح أن يقع النظام الدولي ومن ضمنه الشرق الأوسط في تحديات عميقة خلال العقد المقبل. 

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: منافسة القوى العظمى
البلد: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، قطر

المؤلف

زميل غير مقيم
راشد المهنّدي هو زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، وهو خبير في قطاع الدفاع والاستشارات في مجال المخاطر الجيوسياسية.    تشمل اهتماماته البحثية أمن الدول الصغيرة وتطوير قطاع الدفاع والاستقرار الإقليمي، بالإضافة إلى الشؤون الإستراتيجية. شارك المهنّدي في مناقشات إقليمية وعالمية، حيث قدّم رؤى حول السياسات الأمنية والدفاعية.    قبل ذلك، عمل… Continue reading كيف تُسهم القدرات الدفاعية الخليجية في منع التصعيد مع إيران؟