الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (وسط) يستقبل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (يمين) ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (يسار) قبيل اجتماع لهما عُقد في إسطنبول، 30 يناير (صورة بواسطة: منشور صحفي / المكتب الإعلامي للرئاسة التركية / وكالة فرانس برس).

كيف تتعامل أنقرة مع تحديات الحرب وتستعد لنظام إقليمي جديد؟ 

صحيح أن تركيا لم تتعرّض للمستوى نفسه من الضربات الإيرانية التي طالت دولاً أخرى في المنطقة، إلا أنها تشعر بالتهديد على عدّة جبهات، وفي الوقت نفسه ترى أن هناك فرصة مهمة للتأثير في تشكيل النظام الإقليمي الذي قد تتضح معالمه بعد انتهاء الحرب.

6 أبريل، 2026
علي بكير

صحيح أن تركيا لم تتعرّض للمستوى نفسه من الضربات الإيرانية التي طالت دولاً أخرى في المنطقة، إلا أنها تشعر بالتهديد على عدّة جبهات، وفي الوقت نفسه ترى أن هناك فرصة مهمة للتأثير في تشكيل النظام الإقليمي الذي قد تتضح معالمه بعد انتهاء الحرب. 

 

عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية الأمريكية- الإيرانية في 28 فبراير الماضي، لم تتردّد تركيا في تحديد موقفها. فقد أدان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الضربات واعتبرها انتهاكاً للسيادة الإيرانية، كما أغلقت أنقرة مجالها الجوي أمام العمليات القتالية الأمريكية. وفي الوقت نفسه، ندّدت أنقرة بالضربات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيّرة التي شنّتها إيران ردًا على دول مجلس التعاون الخليجي، ووصفتها بأنها «خاطئة للغاية» و«غير مقبولة مهما كانت المبررات». وكما أوضح وزير الخارجية هاكان فيدان، فإن تركيا تعارض الحرب، لكنها ليست حليفة لأي طرف فيها. 

 

هذا التوازن الدقيق الذي تنتهجه أنقرة، وتعتبر فيه أنّ خفض التصعيد هو السبيل الوحيد للخروج من الصراع، لا يقتصر على الوقوف على الحياد، بل يمثّل موقفاً استراتيجياً مدروساً يحمل تداعيات مباشرة على أمن تركيا، وعلاقاتها مع الدول الخليجية، وعلى ملامح النظام الإقليمي الذي قد يتشكّل في مرحلة ما بعد إيران.  

 

 

حرب تهدّد تركيا من دون استهدافها مباشرة 

 

انعكس رد فعل تركيا على الحرب بجهود دبلوماسية متواصلة ومكثّفة. فقد انخرط وزير الخارجية هاكان فيدان في دبلوماسية مكوكية بين الرياض وأبوظبي والدوحة وطهران وواشنطن منذ اندلاع الصراع. والأهم أن أنقرة شجّعت الدول الخليجية على التحلّي بضبط النفس وعدم الانخراط في الحرب ضد إيران، في الوقت الذي ضغطت فيه على طهران لوقف هجماتها على دول مجلس التعاون الخليجي. 

 

برز هذا الجهد بشكل ملموس في 29 مارس 2026، حين اجتمع وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان في إسلام آباد، في مساعي وصفها مسؤولون بأنها الجهد الإقليمي الأكثر تنسيقاً حتى الآن لدفع واشنطن وطهران نحو محادثات مباشرة. ويعمل الرباعي حالياً على توحيد المواقف الإقليمية بشأن ترتيب خطوات وقف إطلاق النار، وتقريب وجهات النظر بين مطالب واشنطن المكوّنة من خمسة عشر نقطة والمقترح المضاد لطهران المؤلف من خمس نقاط. وجاء دعم الصين لهذه المبادرة، إلى جانب التأييد الضمني من ترامب لدور باكستان الوسيط، ليُشير إلى امتلاك هذا المسار الدبلوماسي  فرصة حقيقية لتحقيق نتائج عملية. 

 

لكن على الرغم من هذه المرونة الدبلوماسية، تواجه أنقرة سلسلة تهديدات يصعب السيطرة عليها بالكامل، وأبرزها البعد الجغرافي. فقد دخلت أربعة صواريخ باليستية إيرانية المجال الجوي التركي منذ بداية الحرب، واعترضتها جميعها أنظمة الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي، لكن كل حادثة منها تذكّر بأن الموقع الجغرافي وحده يجعل تركيا عرضة للخطر. وقد دفعت هذه الحوادث أردوغان إلى توجيه تحذيرات مباشرة إلى طهران، حيث أبلغ فيدان نظيره الإيراني بأن تركيا سترد بالمثل في أي حادث قادم. 

 

ويتمثّل الخطر الأكثر بنيوية والأعمق، في احتمال انخراط ميليشيات كردية. فقد شجّعت إسرائيل سيناريو تقوم فيه الولايات المتحدة بتسليح جماعات كردية إيرانية مرتبطة بحزب الحياة الحرة الكردستاني، وهو الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني. ومن شأن هذا السيناريو أن يقوّض مسار السلام الهش الذي أبرمته تركيا مع حزب العمال الكردستاني، ويقوم على دعوة زعيمه المسجون عبد الله أوجلان إلى نزع السلاح، والذي قد ينهار إذا ظهرت ميليشيات كردية قوية على حدودها الشرقية لتركيا. وعلى الرغم من تراجع واشنطن عن هذا الخيار على ما يبدو، فإن المسؤولين الأتراك ما زالوا متشككين، ومُدركين أن استمرار الحرب قد يدفع الولايات المتحدة وإسرائيل لإعادة النظر في هذا الخيار كأداة ميدانية بالوكالة 

 

ثم هناك البعد الاقتصادي. إذ تستورد تركيا أكثر من ثلثي احتياجاتها من الطاقة، بما في ذلك نحو 13 في المئة من وارداتها من الغاز الطبيعي من إيران نفسها، وقد أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام. ومع بلوغ معدل التضخم السنوي نحو 32 في المئة، تزيد صدمة الطاقة من تفاقم أزمة غلاء المعيشة، ما يهدّد استقرار الحكومة. في الواقع، اندلعت الحرب في وقت كانت فيه الأوضاع الاقتصادية العامة في تركيا تشهد تعافياً محدوداً. وإذا ما تدهورت الأوضاع داخل إيران ودَفعت موجة من اللاجئين الإيرانيين نحو الحدود التركية، وهو سيناريو يؤرق صانعي القرار الذين أمضوا عقداً في إدارة ملف ملايين النازحين السوريين، فإن ذلك سيزيد من الضغط على صبر الرأي العام ويُعقّد المشهد السياسي الداخلي.  

 

 

اشتداد التنافس بين تركيا وإسرائيل 

 

قد يتمثل الخطر الأبعد أثراً على المدى الطويل في تصاعد النزعة العدائية لدى النخب السياسية والأمنية الإسرائيلية تجاه تركيا نفسها. فقد وصف عدد من المسؤولين الإسرائيليين العلاقات التركية-القطرية بالفعل بأنها «تهديد». وبعد وقت قصير من بدء الضربات على إيران، حذّر رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت علناً من أن تركيا تعمل على تشكيل محور «مشابه للمحور الإيراني»، وأن على إسرائيل الاستعداد لمواجهة أنقرة إلى جانب طهران. كما وصف أردوغان بأنه «خصم ذكي وخطير يسعى إلى تطويق إسرائيل». أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فقد طرح فكرة «سداسي» من التحالفات يضم اليونان وقبرص والهند لمواجهة ما سمّاه «محوراً سنياً راديكالياً». واعتبر وزير الدفاع السابق يوآف غالانت أن تركيا هي القوة الأكثر قدرة على ملء الفراغ الذي قد تتركه إيران. 

 

بالنسبة إلى أنقرة، لا تُعد هذه التهديدات مجرّد تصريحات عابرة. إذ تقوم عقيدة الهيمنة الإسرائيلية على تحقيق الأمن عبر التفوق وليس التوازن. ومع تراجع إيران بشكل ملحوظ، تبرز تركيا بوصفها القوة الوحيدة المتبقية التي تمتلك القدرة العسكرية والوزن الاقتصادي والامتداد الأيديولوجي لتحدي التفوق الإسرائيلي. وعلى خلاف إيران، التي حدّت أيديولوجيتها الشيعية من جاذبيتها لدى معظم العرب والمسلمين، تمتلك تركيا شرعية ثقافية وتاريخية واسعة في العالم الإسلاميكما يجعلها إرثها العثماني، وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، واقتصادها ضمن مجموعة العشرين، وصناعاتها الدفاعية المتنامية، منافساً طويل الأمد أكثر صلابة مما كانت عليه إيران يوماً. 

 

وهذا تحديداً ما يجعل مآلات الحرب ذات أهمية قصوى لأنقرة. فإيران ما بعد الحرب، إذا ما اصطفّت مع واشنطن وتل أبيب، لن تزيل منافساً فحسب، بل ستخلق ممراً استراتيجياً إسرائيلياً-أمريكياً يمتدّ من البحر المتوسط إلى آسيا الوسطى، مع وجود تركيا محصورة بين جيران معادين أو خاضعين. ويضيف الملف النووي طبقة أخرى من التعقيد؛ ففي نهاية المطاف، لم تمتلك إيران قدرة نووية رادعة تمنع الاعتداء على سيادتها وتفكيك بنيتها العسكرية. وهذا الواقع يغذّي الآن نقاشاً داخل تركيا عن الحاجة إلى امتلاك رادع نووي خاص بها. 

 

 

مجلس التعاون بعد إيران: فرصة لتركيا 

 

مع ذلك، هناك فرصة تاريخية في هذه المخاطر. فقد أدّت استراتيجية إيران في الرد على الولايات المتحدة عبر استهداف الدول الخليجية، وهي دول ليست طرفاً في القتال أساساً، إلى كسر العلاقة بين مجلس التعاون الخليجي وإيران بشكل جذري. فقد أغلقت الإمارات العربية المتحدة سفارتها في طهران، وطردت كل من قطر والسعودية مسؤولين إيرانيين، كما وجّهت حكومات الخليج اتهامات رسمية لإيران في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بارتكاب انتهاكات جسيمة للسيادة. وبذلك، يمكن القول إن مرحلة الانخراط البراغماتي بين الخليج وإيران، التي أُعيد بناؤها بشقّ الأنفس بعد أزمة قطر عام 2017 والتقارب السعودي-الإيراني عام 2023 بوساطة صينية، قد ولّت. 

 

يخلق هذا الانفصال فراغاً بنيوياً في التفكير الأمني الخليجي. فقد أثبتت المظلة الأمنية الأمريكية عدم موثوقيتها، إذ إن تجاهل واشنطن لهشاشة أمن الخليج، إلى جانب فشل «اتفاقات أبراهام» في حماية الدول الموقعة عليها، قد أضعف الثقة في البنية الأمنية القائمة. صحيح أن الدول الخليجية لن تتخلى عن علاقتها بالولايات المتحدة، لكنها ستسعى إلى تعميق استراتيجية تنويع الشركاء. ولا يبدو أن هناك مرشحاً أفضل لهذا التنويع من تركيا. 

 

وقد وُضعت بالفعل أُسس هذا الدورفتركيا تحتفظ بقاعدة عسكرية دائمة في قطر، وهي أول منشأة عسكرية لها في الخارج. كما تهدف اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات وتركيا إلى توليد أكثر من 40 مليار دولار من التبادل التجاري. وتُعد السعودية والإمارات من أكبر زبائن صناعات الأسلحة التركية، فيما تشير التقارير إلى أن الرياض بلغت المراحل النهائية من مباحثات الانضمام إلى برنامج المقاتلة الشبحية من الجيل الخامس «كان»، ما سيجعلها أول دولة خليجية تشارك في مشروع طائرة قتالية متقدمة خارج السيطرة الأمريكية المباشرة. كما تتفاوض أنقرة على اتفاقية تجارة حرة مع كامل تكتل مجلس التعاون الخليجي. 

 

وإذا ما أسفرت الجهود الدبلوماسية التركية عن وقف لإطلاق النار أو ساعدت في تسهيل محادثات بين الولايات المتحدة وإيران، فإن المكاسب لن تقتصر على تعزيز مكانتها الإقليمية فحسب، بل ستؤكد صلاحية نموذج أنقرة في «امتلاك الأمن الإقليمي»، أي فكرة أن تدير دول الشرق الأوسط بنفسها بنيتها الأمنية بدلاً من تفويضها إلى واشنطن. وقد أصبحت هذه الرؤية، التي كانت تركيا والدول الخليجية تبنيها بهدوء من خلال التجارة والدبلوماسية قبل الحرب، مدفوعة اليوم بإلحاح من التجربة الميدانية نفسها.  

 

 

اجتياز حقل الألغام 

 

الطريق أمام تركيا بعيد كل البعد عن أن يكون مضموناً. فهي مطالبة بإدارة إيران الضعيفة أو المنهارة على حدودها، وردع الاستفزازات الإسرائيلية من دون إشعال التصعيد، والحفاظ على مكانتها داخل حلف شمال الأطلسي مع معارضة النظام الإقليمي الذي تفضّله واشنطن، فضلاً عن حماية اقتصادها من الانهيار تحت وطأة صدمات الطاقة والتضخم وعدم الاستقرار الإقليمي. كما أن عملية السلام مع الأكراد، وهي أكثر المبادرات الداخلية طموحاً لأردوغان، ما زالت معلّقة على المحك. 

 

لكن الحرب أوضحت شيئاً كان في السابق مجرد اتجاه خفي. فتركيا والدول الخليجية تتشارك مصالح استراتيجية أكثر فيما بينها مما تتشارك مع القوى الخارجية التي تشن الحرب حالياً. والسؤال الرئيسي هو ما إذا كانت أنقرة قادرة على تحويل هذا التوافق الناشئ إلى هيكل مؤسسي متكامل يشمل تحالفات دفاعية، ونظم دفاع جوي وصاروخي مشتركة، وإنتاج صناعي متكامل، وجبهة دبلوماسية موحدة. وإذا نجحت في ذلك، فإن حرب إيران ستشكّل بداية نظام شرق أوسطي جديد بحق. أما إذا فشلت، فستكون مجرد تمهيد لنظام آخر يُفرض من الخارج.  

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد: تركيا

المؤلف

جامعة قطر ,أستاذ مساعد
علي باكير هو أستاذ مساعد في الشؤون الدولية والأمن والدفاع في مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر، وهو المحرر الرئيسي لمجلد سيصدر قريباً حول التنافس الإسرائيلي الإيراني وتأثيره على أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والذي سيُنشر عن دار «بالغريف ماكميلان».