أعضاء الأمم المتحدة يُصوّتون خلال اجتماع مجلس الأمن لفرض عقوبات على إيران عقب قرار أممي صدر يوم الأربعاء يدين هجماتها على دول مجاورة وذلك بالتزامن مع تصاعد وتيرة الصراع بالشرق الأوسط، 12 مارس 2026، مدينة نيويورك. (وكالة الصحافة الفرنسية)

ضربة دبلوماسية خليجية مضادة في مجلس الأمن الدولي 

كيف أسهم تماسك دول مجلس التعاون الخليجي وشراكاتها الدولية في استصدار قرار تاريخي من مجلس الأمن يُدين الهجمات الإيرانية ويعزّز أمن المنطقة؟ 

19 مارس، 2026
سي. جي. باين

في ظلّ الخسائر البشرية والاضطرابات الاقتصادية التي تسيطر على المشهد، لا تحمل الحرب الدائرة حالياً أي جوانب إيجابية تُذكر لدول الخليج، إلا أنّ هذه الدول نجحت على الصعيد الدبلوماسي الدولي في توظيف استثماراتها ونفوذها داخل الأمم المتحدة لتحقيق إنجاز غير مسبوق يخدم أمنها الإقليمي. فقد قدّمت البحرين مشروع قرار مجلس الأمن رقم 2817 باسم مجلس التعاون الخليجي والأردن، وتم اعتماده في 11 مارس بدعم 135 دولة راعية، وهو أعلى عدد للأصوات المؤيدة يُسجَّل في تاريخ قرارات مجلس الأمن. 

 

يدين القرار الهجمات الإيرانية على دول الخليج، ويعتبرها انتهاكاً للقانون الدولي. كما يمنح شرعية للاستراتيجية الخليجية الموحّدة، ويُظهر في المقابل افتقار إيران إلى دعم دولي لأفعالها تجاه المنطقة. لكن روسيا والصين امتنعتا عن التصويت، فيما صوّت باقي أعضاء المجلس لصالح القرار. وقد أسهم التحالف العابر للمناطق الذي دعم نص القرار إلى جانب وحدة الموقف الخليجي، في استبعاد موسكو أو بكين لحق النقض كخيار سياسي.  

 

 يفرض هذا القرار التزامات قانونية ويفتح الباب أمام إجراءات تنفيذية، ولا يعكس فقط موقفاً جماعياً داخل الأمم المتحدة. وقد لا يؤدي أيضًا إلى تغيير فوري في سلوك الحرس الثوري الإيراني الذي ينظر إلى الصراع بوصفه معركة وجودية وقد يكون مستعداً لتحمّل العزلة الدولية ككلفة للبقاء، لكنه يكرّس رفضاً دولياً واضحاً لمبررات طهران في مهاجمة جيرانها الخليجيين، ويحدد الشروط الممكنة لاستعادة العلاقات مع المنطقة. 

 

ومع دخول القرار 2817 حيّز التنفيذ كإطار ناظم لاستجابة منظومة الأمم المتحدة للحرب، قد يتخذ مجلس الأمن خطوات لاحقة، تشمل التحقيق في الانتهاكات، وإعداد تقارير بشأنها، وفرض عقوبات على المخالفين، بل وربما تفويض استخدام القوة، بما في ذلك إجراءات لحماية الملاحة التجارية. 

 

 

ماذا يتضمن القرار؟ 

 

ينص القرار، الذي جاء في صفحتين، على أن إيران استهدفت عمداً «المطارات، والمنشآت الحيوية في قطاع الطاقة، والمرافق الضرورية لإنتاج وتوزيع الغذاء، والبنية التحتية المدنية الحساسة» في دول الخليج والأردن. ويشير أيضاً إلى أن هذه الهجمات وقعت على الرغم من «الجهود الحثيثة» التي بذلتها دول الخليج للوساطة بين إيران والمجتمع الدولي. 

 

تتضمن البنود التنفيذية للقرار 2817 التأكيد على أن الهجمات الإيرانية تشكّل انتهاكاً للقانون الدولي (الفقرة التنفيذية 2)، مع المطالبة بوقفها فوراً. كما يوضح النص أن «أي محاولة لعرقلة المرور العابر المشروع أو حرية الملاحة» عبر مضيق هرمز تُعد تهديداً للسلم والأمن الدوليين (الفقرة التنفيذية 8). كذلك يطرح القرار رؤية دول الخليج للاستقرار الإقليمي، التي تقوم على أن تتوقف إيران عن «أي استفزاز أو تهديد للدول المجاورة، بما في ذلك استخدام الوكلاء» (الفقرة التنفيذية 5).  

 

من اللافت أن البحرين، وبدعم كامل من دول مجلس التعاون، قدّمت نصاً مركّزاً يسلّط الضوء على التهديدات المباشرة التي تشكّلها إيران للبنية التحتية المدنية والاقتصاد العالمي. وقد تعمّد القرار تجنّب الخوض في القضايا الأوسع، مثل البرنامج النووي الإيراني أو الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يعكس موقفاً خليجياً ثابتاً بأن الحرب ليست خيارها، وأن الأولوية يجب أن تكون لخفض التصعيد. 

 

في هذا السياق، تكتسب الإشارة الصريحة لانتهاك الهجمات الإيرانية القانون الدولي أهمية خاصة، إذ نادراً ما يصدر مجلس الأمن أحكاماً قانونية واضحة بهذا الشكل بشأن هجمات محدّدة. وغالباً ما يكتفي المجلس بالمطالبة بالامتثال للقانون الدولي أو التذكير بأن استهداف المدنيين يُعد انتهاكاً، أو بإدانة خروقات محددة مثل الاعتداءات على الأطفال في النزاعات. أما القرار 2817، فيؤكد بشكل مباشر موقف دول الخليج بأن الهجمات الإيرانية عليها غير قانونية تماماً ولا مبرر لها. 

 

وقد عزّزت تحرّكات دبلوماسية موازية هذا التأطير القانوني. إذ وجّهت البحرين رسالة إلى مجلس الأمن باسم دول مجلس التعاون في 28 فبراير2026، اعتبرت فيها الهجمات الإيرانية أعمالاً إجرامية ومخالفة للقانون الدولي. وحتى 13 مارس، كانت قطر قد قدّمت ثماني رسائل إلى المجلس وثّقت فيها الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، متضمّنة عدد المقذوفات ومواقعها وحجم الأضرار الناتجة عنها. تهدف هذه الرسائل إلى تفعيل حق الدفاع عن النفس عبر الإخطار الرسمي، وتوضيح موقف قطر وردّها على الهجمات، والمطالبة بتحرك دولي. بذلك، تكون دول الخليج قد عزّزت رصيدها الدبلوماسي وشرعيتها الدولية، حتى في خضم الأزمة. 

 

 

ماذا تكشف نتائج التصويت؟ 

 

يمثّل حصول القرار على دعم 135 دولة راعية أعلى مستوى تأييد يُسجَّل في تاريخ قرارات مجلس الأمن، متجاوزاً الرقم القياسي السابق البالغ 134 دولة في قرار متعلق بأزمة إيبولا عام 2014. يعكس هذا الحجم من الدعم الرصيد الدبلوماسي الذي راكمته دول الخليج على مدى سنوات، إضافة إلى الثقل السياسي لوحدة مجلس التعاون داخل الأمم المتحدة. 

 

كما يبرز التحالف العابر للمناطق الذي دعم القرار 2817 حرص الكثير من الدول على الحفاظ على علاقات جيدة مع دول الخليج، حيث أثبتت الشبكات الدبلوماسية التي بُنيت على المدى الطويل قيمتها في لحظة أزمة حادة. 

 

بالإضافة إلى ذلك، يُعدّ انضمام دول مثل باكستان والهند كراعين للقرار مسألة لافتة، بسبب حرصهما التقليدي على موازنة علاقاتهما مع إيران. في الوقت نفسه، أبدت كل من الصين وروسيا، اللتين عزّزتا شراكاتهما مع دول الخليج في السنوات الأخيرة، اهتمامهما بالحفاظ على هذه العلاقات، وهو ما انعكس في اتصالات دبلوماسية رفيعة المستوى، شملت محادثات بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقادة خليجيين، إضافة إلى لقاءات بين وزير الخارجية الصيني وانغ يي، والمبعوث الصيني إلى الشرق الأوسط تشاي جون، ونظرائهم الخليجيين. 

 

في نهاية المطاف، وجدت موسكو وبكين نفسيهما أمام كلفة سياسية مرتفعة لاستخدام حق النقض ضد قرار يحظى بدعم غير مسبوق ووحدة إقليمية كاملة من مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية. وقد عبّرت روسيا في وقت سابق من هذا العام عن منطق مشابه عندما امتنعت عن التصويت على قرار يمدّد آلية تقارير الأمم المتحدة بشأن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، قائلة: «بناءً فقط على طلبات الأطراف الإقليمية، لن نعرقل القرار».  

 

كما استند التحالف الداعم للقرار إلى مبدأ أوسع يتمثل في ضرورة حماية الدول غير المنخرطة في النزاعات من أن تصبح أهدافاً لها. فقد وصف المندوب الدائم للبحرين القرار بأنه رفض «للأعمال العدائية غير المبررة» التي تقوم بها إيران، فيما كرّر النص إدانته لاستهداف المدنيين بشكل متعمّد في دول الخليج والأردن. وبذلك، انطلقت الدول الـ135 الداعمة من مصلحتها الذاتية لرفض سابقة انخراط الدول المجاورة في دائرة الصراع. 

 

كذلك، يعكس هذا التأييد الواسع القلق الدولي من التداعيات الاقتصادية لأي اضطراب في مضيق هرمز. إذ يحدّد القرار حالتين تُعدّان تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين: الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن، وأي محاولة لعرقلة المرور المشروع عبر المضيق. وتكمن أهمية تحديد هاتين الحالتين في تهيئة الأساس القانوني لتحرك مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يجيز تفويض استخدام القوة. فمن خلال تحديد هذه التهديدات، يوفّر القرار أرضية لإجراءات تنفيذية لاحقة محتملة، مثل فتح تحقيقات، وفرض عقوبات على المسؤولين، أو إنشاء مهمة أمنية بحرية. 

 

لقد كشفت الحرب عن مخاطر غير مسبوقة تواجه منطقة الخليج، وجاء القرار 2817 ليُبرهن أن المنطقة لا تزال تمتلك نفوذاً دبلوماسياً مؤثراً. بل إن الدبلوماسية الخليجية لا تكتفي بالصمود تحت الضغط، بل تتقدّم لتؤدّي دوراً قيادياً في حشد تحرك أممي. فمن خلال العمل الجماعي وتعبئة الدعم الدولي، نجحت دول الخليج في تحويل وزنها السياسي والاقتصادي إلى تعبير قوي عن الشرعية الدولية، وإلى إطار محتمل لتحركات مستقبلية. 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية:
البلد: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

مستشار سياسي في بعثة الولايات المتّحدة لدى الأمم المتّحدة بين عامي 2022 و2025
شغل سي. جي. (كالب) باين منصب مستشار سياسي في بعثة الولايات المتّحدة لدى الأمم المتّحدة بين عامي 2022 و2025، وركّز على عمليات الصراع والاستقرار ومكافحة الإرهاب.