يقود سائقون مركباتهم بالقرب من أعمدة دخان تتصاعد إثر ضربة إيرانية أُفيد بوقوعها في المنطقة الصناعية بالدوحة، في 1 مارس 2026. (تصوير: محمود حمس / وكالة فرانس برس)

رهان إيران الإقليمي وانعكاساته على مستقبل أمن الخليج 

يعكس الردّ الإيراني على الضربات الإسرائيلية- الأمريكية خطأ استراتيجياً جسيماً، يهدّد بتقويض حياد دول الخليج وإضعاف جهود الوساطة الإقليمية الأمر الذي يزيد من تعقيد فرص خفض التصعيد.

2 مارس، 2026
خالد الجابر

ارتكبت القيادة الإيرانية خطأين استراتيجيين جسيمين. تمثّل الأول في عدم اغتنام الفرصة للتوصل إلى اتفاق مع الجانب الأمريكي في الوقت الذي كانت فيه نافذة التفاوض لا تزال مفتوحة، وهو ما كان من شأنه تجنيب المنطقة مزيداً من التوتر وعدم الاستقرار. أما الخطأ الثاني، فكان في استهداف دول الخليج التي سعت، على العكس، إلى لعب دور الوسيط وتقديم مبادرات تهدف إلى خفض التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة. 

 

قبيل اندلاع الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، بذلت دول الخليج جهوداً دبلوماسية مكثفة لاحتواء الأزمة ومنع تفاقمها، إدراكاً منها أن أي مواجهة عسكرية لن تظل محصورة داخل الحدود الجغرافية لإيران، بل ستمتد تداعياتها إلى الإقليم بأسره، بما يحمله ذلك من مخاطر سياسية وأمنية واقتصادية جسيمة. 

 

ولكن، في 28 فبراير، بعد ساعات قليلة من توجيه أولى الضربات الإسرائيلية  الأمريكية على طهران تحوّلت هذه المخاوف إلى أمرِ واقع، حيث انطلقت إيران في استهداف المباني العسكرية والمدنية بدول مجلس التعاون الخليجي، وطالت ضرباتها العراق والأردن، وتوسعت لتشمل هجماتها تدريجياً البنى التحتية المدنية في هذه الدول. 

 

بدأت إيران هجماتها في دول الخليج على الرغم من المواقف التي أطلقتها عدد من دول مجلس التعاون التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية منذ سنوات، والتي أوضحت مراراً أنّها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوّي لشنّ أي عمليات هجومية ضدّ إيران، وذلك حرصاً منها على سياسة الحياد وعدم إعطاء طهران أي ذريعة للهجوم. مع ذلك، وجهّت إيران أسلحتها نحو جيرانها منذ الشرارة الأولى، في استغلال لموقعهم الجغرافي على مقربة منها، وموقعهم الاستراتيجي في الاقتصاد العالمي، وذلك بهدف الضغط على واشنطن لوقف حملتها العسكرية عليها. 

 

لكن استهدافات إيران لدول الخليج تعكس اليوم حالة من اليأس الاستراتيجي، حيث تُخاطر طهران بالنتيجة التي تسعى إلى تحقيقها، بل وقد تنقلب الأمور على عكس ما هو متوقعفبدلاً من أن تدفع إيران بدول الخليج للضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تُسهم الهجمات الإيرانية إلى الاصطفاف ضد إيران، وإلى تراجع قيمة الحياد والوساطة التي تنتهجها دول التعاون في هذا الصراع. وقد أطلقت عدد من الدول الخليجية بالفعل تهديداتها بالردّ العسكري على إيران في حال استمرت هذه الأخيرة بضرباتها. وحتى لو نجح نظام الجمهورية الإسلامية في النجاة من هذه الحرب، فإنه سيخرج منها بعزلة أكبر، وحلفاء أقلّ. 

 

ويبرز هنا التساؤل الذي يثير قلق المنطقة: إذا لم تعد سياسة الحياد خياراً مطروحاً لتوفير الحماية من الدخول في المواجهة، فما هي الدوافع التي ستُحرّك دول التعاون لمواصلة مساعيها نحو خفض التصعيد، أو التي ستدفعها لاتخاذ موقف دبلوماسي متوازن في الأزمات المقبلة؟  

 

 

التداعيات المترتبة على السيادة والاقتصاد والبنية التحتية المدنية  

 

 

تجاوزت الحملة الانتقامية الإيرانية رداً على أولى الهجمات الإسرائيلية-الأمريكية حدود التوقعات باستهداف الأصول العسكرية الأميركية لتُصيب البنى التحتية المدنية في مختلف أنحاء الخليج، حيث أطلقَت طهران مئات الصواريخ والمسيّرات، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن أربعة أشخاص وإصابة أكثر من مئة آخرين حتى الآن. وشملت الأهداف الإيرانية مطارات الكويت وأبو ظبي الدولية، وفنادق في دبي، ومبانٍ سكنية في البحرين. كما تعرّضت قطر والسعودية وعمان لسلسلة من الضربات المتكررة التي أوقعت إصابات وأضراراً مادية. وعلى الرغم من اعتراض الدفاعات الجوية الخليجية لمعظم الهجمات، فإن التصوّر الجماعي عن دول الخليج بوصفها ملاذاً آمناً” في المنطقة قد اهتزّ بعمق 

 

بالإضافة إلى ذلك، أدّعت قوات الحرس الثوري الإيراني أنها استهدفت ناقلات النفط في مياه الخليج، مع توجهها نحو نحو إغلاق مضيق هرمز، ما أدّى إلى تراجع الصادرات الخليجية من الطاقة إلى الأسواق الدولية، وتقويض الاقتصادات الإقليمية والعالمية على حد سواء. كذلك، أدّى إغلاق المجال الجوي في منطقة الخليج إلى تعطيل حركة السفر في الدوحة ودبي، وهما من أكثر مراكز الطيران ازدحاماً في العالم، في إشارة واضحة بالتكلفة الباهظة للتصعيد.  

 

تُمثّل هذه الممارسات تحدياً مباشراً لدول الخليج في سيادتها، مع ما يترتب عن ذلك من تداعيات متلاحقة مرتبطة بأمن المدنيين، وثقة المستثمرين، وبرامج التنويع الاقتصادي الواعدة التي تعمل دول المنطقة على تحقيقها. ويبدو أنه من خلال إضفاء طابع التسلّح على المكانة الجيو-سياسية المركزية لدول الخليج، تعمل إيران على ضرب المصالح الاقتصادية المشتركة كأداة للبقاء. ولكنها في الوقت نفسه، تقوّض مصداقيتها أمام جيرانها الذين قد تحتاج إليهم في نهاية الأمر 

 

 

أهداف استراتيجية أم خداع تكتيكي؟ 

 

من المرجّح أن تكون إيران قد اتخذت قرارها بانتهاك سياسة الحياد التي تنتهجها دول الخليج بسبب تزايد حالة اليأس السياسي لديها، إلا أنّ هذه الحالة تفاقمت بعد الضربة المدمّرة التي أّعلنت فيها مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدداً كبيراً من كبار المسؤولين. وقد يظّن صانعو القرار في طهران أن توسيع ساحة المعركة سيُجبر دول الخليج على أداء دور فاعل في كبج جماح الولايات المتحدة الأمريكية والضغط عليها لوقف العمليات العسكرية. لكنّ هذه الحسابات تُشكّل رهان سياسي شديد الخطورة على كافة الأطراف، بما في إيران أولاً.  فبدلًا من أن تعمد إيران إلى خلق أوراق ضغط جديدة، قد يدفع سلوكها السياسي هذا بدول الخليج إلى الاصطفاف مع الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة ما تعتبره عدواناً إيرانياً، وبالتالي تكون إيران قد أقصت بنفسها المساعي الخليجية المتواصلة نحو خفض التصعيد. 

 

إذ تنظر دول الخليج حالياً إلى الهجمات الإيرانية على أنها اعتداء غاشم وانتهاك سافر“، وقد ندّدت السعودية بها ، كما توعّدت بردّ عسكري سريع وحاسم في حال استمرارهاوفي هذا الإطار، أجرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مشاورات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في إشارة إلى تصاعد مستوى التنسيق

 

بين الجانبين. كذلك، تحدّث المندوب الدائم لمملكة البحرين لدى الأمم المتحدة، باسم المملكة ودول مجلس التعاون الست إضافة إلى الأردن وسوريا عن هذه الهجمات واصفاً إياها بأنها تُهدّد أمن المنطقة واستقرارها، مؤكداً حقّ هذه الدول في الدفاع عن نفسها. بالتوازي مع ذلك، أصدرت وزارات الخارجية في دول مجلس التعاون الخليجي بيانات منسّقة تدين الهجمات؛ كما أجرى وزير الدفاع السعودي اتصالات عاجلة مع نظرائه الإقليميين

 

والدوليين لبحث الاعتداءات الإيرانية والتأكيد على حق دول التعاون الكامل في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهتهاوقد أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال“، نقلاً عن مسؤولين في دول الخليج، بأن من بين السيناريوهات المطروحة البدء باستهداف مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل الأراضي الإيرانية. 

 

في هذا السياق، تُبيّن التجربة التاريخية أنّ الكفّة تميل إلى توحيد الصفوف على المستويات الأمنية أكثر مما تميل نحو التفتت، فقد سبق لدول مجلس التعاون أن نسّقت جهودها في مجال الأمن البحري واجراءاتها الدفاعية المشتركة للاستجابة لأي تصعيد إقليمي. ومع استمرار الهجمات الإيرانية، من المرجح ألّا تمل الكفّة نحو المواقف الوطنية المتفرقة، بل على العكس، قد تؤدي هذه الهجمات إلى بلورة الوحدة والتضامن الإقليمي، الذي تسعى إيران إلى تجنبّ حدوثه في الأساس 

 

 

موقف دول التعاون: سياسة الحياد تحت الضغط 

 

خلال السنوات الأخيرة ومع ارتفاع حدّة التوتر بين إيران والقوى الغربية، تبّنت دول مجلس التعاون عن سبق إصرار، سياسة تقوم على الموازنة والحياد والوساطة. وشدّدت بشكل مستمر في بياناتها على رفضها الانخراط في أي مواجهة عسكرية وذلك على الرغم من شراكاتها الأمنية الراسخة مع الولايات المتحدة، في موقف تداركت فيه أن الحرب الإقليمية ستكون كارثية على المستويين الاقتصادي والسياسي. 

 

وقد نجحت كلّ من عُمان وقطر على وجه الخصوص في بناء رصيد دبلوماسي من خلال وساطتهما المستمرة بين واشنطن وطهران، واستضافتهما جولات المحادثات بين الطرفين، وفتح قنوات التواصل الدبلوماسية وتيسيريها، وبذلتا جهوداً في درء مخاطر تحويل الأزمات المتكررة إلى مواجهات مفتوحة، عبر دورهما كوسيط فاعل.  

 

لكن فاعلية الواسطة تعتمد على الثقة المتوقع تقديمها من مختلف الأطراف المتفاوضة. ومما لا شكّ فيه أن امتداد التصعيد إلى أراضي الأطراف المحايدة والوسيطة، يُقوّض الركيزة الرئيسية التي تمكنّ الوسطاء من أداء دورهمومن خلال توسيع دائرة المواجهة لتشمل دول الخليج، عملت طهران على تقويض آليات الوساطة وأطاحت بالقيمة السياسية التي كانت تمنحها دول الخليج لها كأطراف وسيطة حيادية قادرة على تيسير التواصل بين جميع الأطراف دون انحياز. 

 

مع تحمّل دول الخليج لتداعيات التصعيد العسكري، فإنّ دورها كوسيط سيُصبح أكثر حساسية على المستوى الداخلي، وسيُصبح أيضًا مثيراً للشكوك على مستوى الأطراف المتنازعة. فقد تتراجع وتيرة الوساطة وجهودها تحت ضغط الرأي العام والضرورات الأمنية، لا سيّما في اللحظات التي تُصبح فيها هذه الضرورات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. في هذا السياق، تخاطر إيران بإضعاف ورقة القنوات الدبلوماسية التي وفّرت لها عبر التاريخ مسارات الخروج من الأزمات.  

 

 

المستقبل والخروج من الأزمة في خطر 

 

في حال خروج الجمهورية الإسلامية من الحرب الراهنة، فإنّ مكانتها الإقليمية ستكون أضعف مما كانت عليه في أي مرحلة من تاريخها الحديث. وستكون قد فقدت جزءًا من قيادتها العليا، مع تعرضها لأضرار واسعة في قدراتها العسكرية وبنيتها التحتية، وانحسار علاقاتها الإقليمية تحت وطأة الضغوط المستمرة. وفي هذا الإطار، لا يمكنها تحمّل المزيد من التباعد عن جيرانها في الخليج لا سيما تلك التي حافظت حتى الآن على قنوات اتصال مفتوحة، وامتنعت عن الانخراط في تحالفات منحازة إلى واشنطن، واستثمرت رصيداً سياسياً في مساعي خفض التصعيد. 

 

إنّ توجيه إيران نيرانها لجيرانها عبر استهدافها ليس فقط المنشآت العسكرية، بل أيضاً البنى التحتية المدنية والشرايين الاقتصادية، قد يفضي إلى انتزاع ما تبقّى من رصيد الثقة الذي جعل من إدارة الأزمات بهدوء خياراً ممكناً في السابق. 

 

وضعت هذه الهجمات القواعد التي تقوم عليها العلاقات الدبلوماسية في الشرق الأوسط أمام تحدٍ خطير. فإذا أصبحت الدول التي أعلنت بوضوح رفضها المشاركة في أي مواجهة تُعامل كأهداف محتملة أو مشروعة، فإن الأساس الاستراتيجي للتعامل بينها يتعرض لاهتزاز كبير، وتضيق فرص الحوار والتوازن الدبلوماسي إلى حدٍ غير مسبوق. وفي حال تراجع المسار السياسي، قد يصبح البديل هو الانزلاق نحو مواجهة عسكرية أوسع، بما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على استقرار المنطقة وأمنها، وعلى حاضرها ومستقبلها على المدى البعيد. 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. 

 

القضية: منافسة القوى العظمى
البلد: إيران، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، فلسطين، قطر

المؤلف

المدير العام
 خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتميّز الدكتور خالد الجابر بخبرة واسعة وبمسيرة مهنية وأكاديمية طويلة في مجال التواصل السياسي وشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما شغل خلال مسيرته مناصب قيادية في عدد من مراكز الفكر والمؤسّسات البحثيّة، من بينها مركز الشرق للدراسات والبحوث، وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة “ذا… Continue reading رهان إيران الإقليمي وانعكاساته على مستقبل أمن الخليج