تُشكّل الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة مناسبة لإعادة سرد الحكاية، لاسيّما وأنّ واشنطن مولعة بالسرديات الكبرى. مع احتفالها بهذه الذكرى، ارتبطت الروايات التي قدّمها القادة الأمريكيون بحسابات السياسة الانتخابية الراهنة بقدر ارتباطها بالسردية الوطنية الكبرى.
فقد واجه الرئيس دونالد ترامب اتهامات من اليسار بتحويل الأنظار إلى نفسه، فيما اتهم اليمين رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني بالافتقار إلى الحسّ الوطني. لكن التركيز على السياسة الداخلية، حتى مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، يتجاهل الدلالة الرئيسية لهذه المناسبة، خصوصاً وسط تساؤلات مثيرة للجدل عن الكيفية التي غيّرت بها حرب ترامب المصيرية مع إيران موقع الولايات المتحدة في العالم.
واصل ترامب وممداني، في خطابي الرابع من يوليو، تقليداً أمريكياً قديماً يقوم على التنافس حول تعريف روح الأمة وهويتها. ولم يقدّم أي منهما رؤية جديدة لمكانة الولايات المتحدة في العالم، كما لم يحدّدا الدروس المستخلصة من الحرب مع إيران هذا العام، لكن خطابيهما عكسا استمرار الجدل حول معنى هذه الذكرى ورمزيتها.
تحدّث ترامب في «الناشونال مول» عن إرث نضال الولايات المتحدة من أجل الاستقلال، وتوسّعها، وبنائها صناعات قوية. وروّج لسردية الانتصار على الشيوعية، مستخدماً إياها لمهاجمة الديمقراطيين التقدّميين الذين فازوا في الانتخابات التمهيدية الأخيرة. في المقابل، قدّم ممداني الولايات المتحدة بوصفها أرضاً للفرص، حيث يتشارك حتى المواطنون المجنّسون حديثاً، على حدّ تعبيره، «القدرة على تحديد معنى أمريكا».
واختصر خطابا الرابع من يوليو سرديتين متنافستين للولايات المتحدة: الأولى توظّف السياسة الخارجية لإبراز القوة الأمريكية، والثانية تشدّد على الترابط العالمي وضبط النفس.
لحظة قوة أم لحظة هزيمة؟
بدا خطابا ترامب وممداني، للوهلة الأولى، موجّهين إلى الداخل الأمريكي. لكن الطريقة التي وصف بها كل منهما علاقة الولايات المتحدة بالعالم شكّلت الأساس الذي قامت عليه سرديته. فقد أشاد ترامب بسجلّه في السياسة الخارجية، متحدثاً عما اعتبره نجاحات عسكرية في فنزويلا وإيران، وواضعاً إياها إلى جانب الحروب التي خاضتها الولايات المتّحدة في السابق، ومنها الحرب العالمية الثانية، ومستحضراً تقليد تكريم المحاربين القدامى.
وانتقد كثيرون الإدارة الأمريكية لافتقارها إلى هدف واضح من الحرب على إيران، لكن هذا النقد يغفل أن ترامب لم يكن معنياً بما حقّقته الحرب بقدر ما كان معنياً بإظهار القوة نفسها. وقد رأى مؤيدوه أن «الحرب أثبتت أن الولايات المتحدة ما تزال مستعدة وقادرة على خوض عمليات عسكرية واسعة النطاق».
في المقابل، قدّم ممداني صورة مختلفة للولايات المتحدة في العالم، ركّز فيها على طبيعتها كمجتمع من المهاجرين، ولا سيما في مدينة نيويورك التي تضمّ جاليات من مختلف أنحاء العالم. وتعكس هذه الرؤية بلداً يرتبط بالعالم بعلاقات وثيقة. كذلك، لم يشر ممداني مباشرة إلى الحرب على إيران، التي ينظر إليها كثيرون باعتبارها هزيمة استراتيجية، لكنه انتقد التدخلات العسكرية المكلفة وما تفرضه من أعباء على دافعي الضرائب.
في المقابل، لم يستغل معارضو الرئيس هذه الذكرى لشرح ما تعنيه الحرب على إيران لمكانة الولايات المتحدة في العالم. لكن المناسبة تزامنت مع تحوّل لافت في الرأي العام الأمريكي، وقد أسهمت الحرب في تغذيته، وتجسد ذلك في تبدّل مواقف الناخبين، من مختلف الاتجاهات السياسية، تجاه العلاقة مع إسرائيل. ولا بّد من القول أن ممداني يُعبّر عن شريحة متنامية من الناخبين تشكّك في المساعدات العسكرية لإسرائيل، وتُعرب عن قلقها من تواطؤ الولايات المتحدة مع حجم الخسائر المدنية التي تسبّبت بها إسرائيل في غزة.
هذا التحوّل لا يقتصر على اليسار. حيث تتزايد الأصوات التي تعيد النظر في العلاقة مع إسرائيل داخل الأوساط اليمينية أيضاً. وإذا استمرّ هذا الاتجاه، فقد يصبح أحد أبرز تداعيات الحرب على إيران. ومع ذلك، سيكون من المبكر افتراض أن التشكيك الأمريكي في العلاقة مع إسرائيل سيتحول إلى موقف سائد لا يواجه معارضة تُذكر. وبالمثل، وعلى الرغم من تنامي الرفض الشعبي في الولايات المتحدة لـ«الحروب الأبدية»، تطرح الحرب الحالية سؤالاً أساسياً عما إذا كان هذا الرفض سيتحوّل إلى تغييرات فعلية في السياسات الأمريكية.
رفض «الحروب الأبدية»
تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأمريكيين تنظر إلى الحرب مع إيران نظرة سلبية. ومع ذلك، يرفض ترامب اعتبار مخاوف «الحروب الأبدية» منطبقة عليه، ويتمسّك بعقيدته القائمة على تحقيق السلام عبر إظهار القوّة. لكن الانقسامات داخل معسكره تبدو واضحة، إذ يسعى مسؤولون، مثل نائب الرئيس جيه دي فانس، إلى الدفاع عن الحرب على إيران، مع الحرص في الوقت نفسه على الحفاظ على صورتهم كمعارضين للتدخلات العسكرية الخارجية.
تتوقّف أهمّية هذا الرفض على الكيفية التي يُصاغ بها. فعندما يقتصر النقاش على الكلفة المادية للحرب على الأمريكيين، يضيق إطار الجدل. وقد ردّ ترامب بالتأكيد بأن الأعباء الاقتصادية التي تتحمّلها البلاد مؤقّتة، وأن الحرب على إيران حدّت من الخسائر البشرية الأمريكية. كما برّر الحرب باعتبارها مرتبطة بقيم سامية، مثل ضرورة التضحية والدفاع عن الحرية.
وقد تجد هذه المقاربة التي ترتكز على القيم صدى لدى شريحة من الرأي العام. لكن ينبغي للخطاب المقابل أن يوسّع النقاش ليشمل ما تعنيه هذه الحرب لدور الولايات المتحدة في العالم، وألاّ يكتفي بالإشارة إلى أن الحرب على إيران لا تخدم المصالح الأمريكية وتضرّ بالمواطنين اقتصادياً. بل وحتى الآن، أخفق معظم القادة السياسيين في تقديم رواية واضحة عن الدروس التي كشفتها الحرب، ومنها وهم الاعتقاد بأن التفوّق العسكري يضمن إخضاع الخصوم، ومخاطر تبرير الحروب الواسعة تحت شعار «الدفاع الوقائي»، والكلفة التي تدفعها الولايات المتحدة على مستوى سمعتها الدولية.
إنّ هذا العجز في مراجعة الذات ليس جديداً. إذ، لطالما شكّلت طريقة تناول القادة لإخفاقات بلادهم أكثر القضايا إثارة للانقسام السياسي. يبرز هنا الفارق بين سرديتي ترامب وممداني في كيفية التعامل مع العلاقة بين نجاحات الولايات المتحدة وإخفاقاتها. من جهته، دعا ترامب إلى استعادة الشعور بالفخر، مؤكداً أن «القوة الأمريكية ليست شيئاً ينبغي الخجل منه»، ومُوحياً بأن خصومه يرون الولايات المتحدة دولة ضعيفة. أما ممداني، فرأى أن أي رواية صادقة عن الولايات المتحدة يجب أن تعترف بتناقضاتها، وأن تتناول فرصها وإخفاقاتها معاً.
لذا، تقع على عاتق القيادات السياسية مسؤولية صياغة الرواية التي تشرح ما الذي ينبغي للولايات المتّحدة أن تتعلّمه من الحرب على إيران، مع إدراك أن السرديات المؤثّرة لا تقوم على الاختيار بين تمجيد القوّة أو الدعوة إلى ضبط النفس. وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ السردية الأمريكية تزخر بموضوعات وطنية وتحفيزية مشتركة يستدعيها السياسيون باستمرار. في هذا السياق، يتشابه خطابا ترامب وممداني بصورة لافتة، إذ شدّد كلاهما على أنّ الحرية والفرص لا تُمنح، بل يجب النضال من أجلها.
من هذا المنطلق، يمكن القول أن الرجلان استعادا صدى خطاب الرئيس جيرالد فورد في الذكرى المئوية الثانية لتأسيس الولايات المتحدة عام 1976، حين دعا الأمريكيين إلى البناء على إنجازات القرنين السابقين للفوز بحريتهم وتوسيعها. وكان فورد أيضاً أكثر تحفظاً في حديثه عن الحروب السابقة، فوصف الحرب الأهلية الأمريكية، التي اندلعت قبل قرن من ذلك، بأنها «مأساة». وسيكون من المؤسف أن يتجاوز القادة الأمريكيون الحرب على إيران باعتبارها مجرد أزمة أخرى من بين أزمات عديدة، من دون التوقف ملياً عند ما تعنيه جيداً لفهم الولايات المتحدة لنفسها ولمكانتها في العالم.