يُظهر هذا المنظر ناقلة النفط الخام بلاسا القادمة من بنما في بحيرة ماراكايبو في ماراكايبو، فنزويلا في 1 فبراير 2026. (وكالة الصحافة الفرنسية)

تحرّك ترامب في فنزويلا يختبرُ نظاماً نفطياً عالمياً جديداً

يُشير تحرّك واشنطن في الاستحواذ على النفط الفنزويلي ومسعاها إلى إعادة تشكيل قطاع الطاقة هناك إلى إعادة رسم ديناميات السوق العالمية. فقد تمنح هذه الخطوة الولايات المتحدة الأمريكية قدراً من التحصين أمام طفرات الأسعار، وتُقلًص هامش فرص استفادة الصين من الخام المخفّض، وتُرسّخ على نحو غير مباشر الدور المحوري للخليج بوصفه مُثبّتاً للسوق.

8 فبراير، 2026
بشار الحلبي

بعد شهر واحد على اختطاف إدارة ترامب للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، انكشفت ملامح نظام نفطي جديد، بالتزامن مع استمرار السلطات الأمريكية في مصادرة ناقلات نفط تابعة لما يُعرف بـ”أسطول الظلّ”، وهي سبع ناقلات على الأقل حتى الآن، تحمل صادرات فنزويلية خاضعة للعقوبات في إطار حملة ضغط انطلقت قُبيل عملية “العزم المطلق”.

 

في هذه الأثناء، أعلن الرئيس دونالد ترامب أنّ نحو 50 مليون برميل من الخام الفنزويلي نُقلت إلى الولايات المتحدة لمعالجتها وبيعها، على أن تتولّى الإدارة الأمريكية تحصيل العائدات وإعادة توزيعها. كما دعا ترامب المستثمرين من القطاع الخاص، وفي مقدّمهم شركات النفط الأمريكية، إلى تعبئة ما يصل إلى 100 مليار دولار لإعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي خلال فترة قد لا تتجاوز 18 شهراً. وعلى الرغم من الطموح الذي حمله هذا الخطاب، تبقى التحدّيات على أرض الواقع كبيرة جداً، إذ لم يتحرّك بعد رأس المال الخاص المتحفّظ بقوّة، فرفع العقوبات يستغرق وقتاً مع استمرار الضبابية في المشهدين السياسي والقانوني، وهذا ما يضع قطاع النفط الفنزويلي في حالة من الترقّب والانتظار.

 

وسط هذا الضجيج والالتباس المحيط بملف فنزويلا، يبرز السؤال الجوهري: ماذا الذي يحققه فعلاً التحرّك الأمريكي في فنزويلا، خصوصاً وأنّ الولايات المتحدة أصلاً هي أكبر منتج للنفط في العالم؟ وما هي انعكاسات هذا التحرّك على أسواق النفط العالمية، لا سيّما على منتجي الشرق الأوسط؟

 

قد تبدو عودة الولايات المتحدة لتكون نقطة ارتكاز نظام نفطي في نصف الكرة الغربي مصدر قلق بالغ لمنتجي النفط في الخليج العربي للوهلة الأولى. فامتداد نفوذ واشنطن على إنتاج يقارب 20 في المئة من إجمالي المعروض النفطي العالمي من كندا إلى غويانا وفنزويلا، يفتح احتمال ميل توازنات الطاقة العالمية نحو الغرب.

 

في حال حدث ذلك، هل تتراجع قدرة الخليج على إدارة السوق والتأثير في الأسعار والاحتفاظ بأوراقه الإستراتيجية؟ الإجابة هنا تحتاج إلى دقّة متناهية.

 

إنّ تحرّك واشنطن في فنزويلا لم يفضِ إلى سيطرة مركزية على النفط بقدر ما منحها القدرة على تحصين نفسها إستراتيجياً أمام الصدمات في الأسعار، وبوجه أي مخاطر جيوسياسية قادمة، في لحظةِ يتصاعد فيها التنافس بين القوى الكبرى، وتزداد فيها الأسواق هشاشةً. ولا تزال أيضاً القوة الأمريكية في أسواق النفط مشتّتة وذات طابع تجاري ومجزّأة سياسياً، حيث تخضع قرارات الإنتاج التي تتخذها مئات الشركات الخاصة لقيود الانضباط الرأس المالي، وتقلبات السوق، والضبابية التنظيمية ورقابة المساهمين، والاعتبارات الانتخابية. ومن الجدير بالذكر، أن واشنطن تُمارس نفوذها من خلال فتح المجال أمام شركات النفط الخاصة، واستخدام أدوات الترخيص والتنظيم، وتفعيل القنوات المالية، كما في حالة فنزويلا، ولا تتبع نُسق منتظم للإنتاج بخلاف تحالف أوبك بلس، وهذا فارق جوهري.

 

بالإضافة إلى ذلك، تفتقر الولايات المتحدة إلى الآن للأداة الضاغطة الأكثر أهمية في أسواق النفط، وهي القدرة الاحتياطية المُنسقّة القابلة للتشغيل عند الحاجة. فعلى الرغم من متانة إنتاج النفط الصخري الأمريكي، يظل هذا الإنتاج خاضعاً لمؤشرات الأسعار، ولا يمكن زيادته فجأة بإرادة سياسية، ولا وقفهُ لأسباب استراتيجية، ولا الاستمرار فيه بخسارة لتحقيق أهداف جيوسياسية. في المقابل، تتركز هذه القدرة إلى حدٍّ كبير في الخليج العربي، وفي المقام الأول بالمملكة العربية السعودية، تليها الإمارات العربية المتحدة. وعليه، يُفهم النظام النفطي الآخذ في التشكّل على نحو أدقّ، بوصفه تحكّم مزدوج في السوق، لا بوصفه صراعاً صفرياً بين الولايات المتحدة والخليج.

 

لكنّ اتجاه الولايات المتحدة للتمركز بشكل متزايد نحو التحكّم في سقف السوق والحدّ من ارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى وِفرة الإنتاج المحلي واتساع نفوذها في نصف الكرة الغربي، يَمنحاها القدرة على كبح طفرات الأسعار التي تفرض بدورها تكلفة سياسية مرتفعة، في نظام يتسم بالحساسية الشديدة تجاه التضخّم بين الدورات الانتخابية.

 

كذلك، يُعزّز التحكم في صادرات فنزويلا من مساعي واشنطن نحو طرح إمدادات إضافية من فنزويلا، ولاحقاً من غويانا، مع استمرار نمو طاقتها الإنتاجية، وليس عبر التلاعب بتدفّقات الإنتاج الأمريكي نفسها.

 

تاريخياً، شكّل هذا الدور جزءاً من التفاهم الضمني بين واشنطن والرياض والتنسيق بينهما، بهدف الحدّ من الضغوط التي قد يفرضها التضخّم أو للحدّ من تأثير التباطؤ في الاقتصاد العالمي. بالإضافة إلى ذلك، تَمنح هذه المقاربة واشنطن، بحسب ما يُتداول، إمكانية الوصول إلى أحد أكبر احتياطيات النفط الخام بالعالم، في وقت تُرجِّحُ فيه التقديرات نموّ الطلب على الهيدروكربونات لعقدين إضافيين على الأقل. مع ذلك، سيواصل الخليج رسم أرضية السوق عبر الانتاج والإدارة المدروسة للإمدادات التي تحول دون انهيار الأسعار التي قد تُزعزع الاستقرار وهو ما لا يقلّ ضرراً عن طفرات الأسعار نفسها.

 

إذن، تبقى الطاقة الاحتياطية، والضبط المنسّق للإنتاج، والقدرة على سحب البراميل من السوق بسرعة، أدواتٍ حاسمة لا يمكن تفعيلها على نطاق واسع إلا من قبل أوبك بلس، ولا سيما نواتها الخليجية العربية: المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، إلى جانب العراق وروسيا وكازاخستان. وفي مشهد جيو اقتصادي مُفتّت، يظلّ تحالف أوبك بلس مُثبّت النظام الأساسي. لتوضيح الصورة، نستحضر الدور الذي لعبه هذا التحالف خلال الجائحة في إدارة الأسواق، وتجنّب حدوث هبوطٍ حاد للاقتصاد العالمي، وهو ما يُعدُّ أحد أقوى أصوله الإستراتيجية.

 

نهاية الغموض

 

على مدى أكثر من عقد، اشتغلت أسواق النفط العالمية وفق بنية مزدوجة تتألف من السوق الظاهرة المنظّمة التي تتحدّد بمعايير برنت وغرب تكساس، وبحصص أوبك بلس، وبموازنات العرض الرسمية ومن سوق الظلّ التي شكّلتها العقوبات والمساومات الجيوسياسية. يُشير هذا الواقع إلى أنّ النفط لم يعد مجرد السلعة الأكثر حيوية للاقتصاد العالمي، بل غدا أيضاً عملة لبقاء الأنظمة يتم تداولها بخصومات حادّة ضمن دائرة ضيّقة من الدول المستعدّة لمواجهة الضغوط الغربية الهادفة إلى عزلها أو الالتفاف عليها.

 

من بين المستهلكين، كانت الصين المستفيد الأبرز من هذا النظام الموازي. فمن خلال شراء النفط الخام الخاضع للعقوبات من فنزويلا وإيران، ولاحقاً من روسيا، أمّنت بكين طاقة بخصومات كبيرة شكّلت أفضلية نسبية لها في مواجهة منافسها ضمن التنافس الحاصل بين القوى الكبرى، وتمكّنت من تقليص هوامش تعرّض أجزاء من اقتصادها لتقلّبات الأسعار العالمية، كما وسّعت نفوذها الجيوسياسي عبر توفير التمويل والغطاء الدبلوماسي والاصطفاف السياسي طويل الأمد. أمّا بالنسبة إلى منتجي النفط في الخليج، فقد مثّلت تجارة الظلّ سمة مزعجة لكن لا مفرّ منها في السوق، ولا سيما في ضوء ارتفاع الطلب على نفطهم من خلال الدور المحوري الذي تؤدّيه الصين.

 

غير أن هذا التساهل بدأ يتلاشى. ومع تشديد واشنطن ضغطها على بكين، تحوّلت فنزويلا إلى حالة اختبار لعقيدة أوسع، هدفها إعادة دمج النفط الخاضع للعقوبات قسراً ضمن قنوات تتحكّم بها الولايات المتحدة أو تصطف في مجالها. هذا النهج سيُضيّق المناورة أمام الصين في حال استمراره. فالخام الفنزويلي الذي كان يُباع بخصومات كبيرة، سيُسوَّق على نحو متزايد تحت إشراف أمريكي وبأسعار أقرب إلى المؤشرات العالمية.

 

أمّا النفط الإيراني، فيظل متاحاً في الوقت الراهن، غير أنّ توافره مستقبلاً بات يعتمد بدرجة أقل على ديناميات السوق وبدرجة أكبر على الحسابات السياسية في واشنطن. وتبدو إدارة ترامب مائلة إلى استهداف رأس النظام وفرض إكراه سلوكي، بدلاً من تفكيك سياسي شامل، في ضوء الدروس التي استُخلصت من تدخلات عسكرية سابقة. وفي حال تصاعد الضغط على طهران، قد يصبح وصول الصين إلى براميل النفط الإيراني أكثر غموضاً وأقل يقيناً.

 

فيما يتعلق بالخام الروسي، فإنّه مقيّد أصلاً بفعل العقوبات المفروضة عقب الغزو العسكري الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022. ومن المتوقع أن تشهد ديناميات السوق تحوّلاً حتى في حال إخفاق جهود إدارة ترامب في التوسّط لوقف إطلاق نار والتوصّل إلى تسوية سياسية في أوكرانيا، وعدم تخفيف العقوبات على روسيا. فإعادة إدماج الخام الفنزويلي وربما الإيراني وفق أسعار السوق من شأنها تقليص الضغط التنافسي الذي وفّر خصومات واسعة على النفط الروسي. بعبارة أخرى، لن تعود روسيا مضطرة إلى خفض أسعار نفطها بشكل كبير كي تنافس في السوق الموازية؛ إذ ستتقلّص الخصومات حتى مع استمرار العقوبات الرسمية.

 

لن توقف هذه الضغوط مجتمعةً تدفّقات النفط الخاضع للعقوبات بين ليلة وضحاها، وإنّما ستؤثر على الخصومات التي منحتها قيمتها الإستراتيجية أصلاً. وعليه، فإن الحقبة التي اعتمدت فيها الصين بثقة على إمدادات الطاقة الرخيصة بنيوياً والمحصّنة سياسياً بدأت تدخل في طورٍ من التآكل والضغط.

 

من جهة أخرى، يستعيد منتجو الخليج الذين نظرت إليهم بكين طويلاً بوصفهم خياراً واحداً بين خيارات عدّة، قدراً من الأهمية النسبية، ليس لأن البراميل المنتجة من قبلهم أقل تكلفة، بل لأنها موثوقة وقابلة للتوسّع  وواضحة في سياقها السياسي.

 

وبالنسبة إلى أوبك بلس، فإنّ تآكل سوق الظلّ سيُسهم في تلبية إحدى التحديات المُّلحة التي تواجهها وهي غياب الشفافية. فتراجع تأثير النفط الخاضع للعقوبات على تقويض الإمدادات الرسمية، قد يُمكّن التحالف من المناورة بشكل أوسع، شريطة إدارة عملية إعادة إدماج المنتجين المقيّدين من دون الإخلال باستقرار الأسعار.

 

مع ذلك، تطرح تحرّكات واشنطن أسئلة مهمّة عن التركيبة المستقبلية لأوبك بلس، من بينها ما إذا كانت فنزويلا ستظل ضمن أوبك على المدى المتوسط، وما إذا كان أي تحوّل سياسي في إيران قد يدفع إلى إعادة النظر في عضويتها على المدى المتوسط والطويل؟ فقد تُجبَر كراكاس على التكيّف مع التفضيلات التجارية والسياساتية التي تُرافق  عودة استثمارات شركات النفط الدولية المرتبطة بالولايات المتحدة بالحجم الذي يُناقش حالياً. وعملياً، قد تُفرض الشروط من الشركات نفسها ومن الحكومة الأمريكية التي تقف وراء هذه الاستثمارات أكثر من الحكومة الفنزويلية.

 

في سياق متصل، يتجه تركيز أوبك بتوجيه من قائدها الفعلي السعودية بشكل متزايد على العقدين إلى العقود الثلاثة المقبلة. إذ يعتقد منتجوها أن الطلب العالمي على النفط سيواصل نموّه ضمن هذا الإطار الزمني، وهم يستثمرون بناءً على ذلك في توسيع القدرة الإنتاجية وتعزيز الحصة السوقية. في المقلب الآخر، تُعاني صناعة النفط الغربية من قيود الانضباط الرأسمالي في قطاعات واسعة، ونضوب الموارد، وتدهور في البيئة الاستثمارية التي ترسمها سياسات المناخ بدرجة أكبر مما يرسمها أمن الطاقة.

 

هذا المشهد لا يعني إعادة ترتيب النظام النفطي العالمي بشكل نظيف أو وشيك أو دائم. فاستمرارية هذا الترتيب الناشئ يبقى رهناً باستدامة الإرادة السياسية في واشنطن وهي إرادة تظل معرّضة للتأثّر بالدورات الانتخابية، والاستقطاب الحزبي، والتجزؤ المؤسسي، والقدرة على الإنفاذ مع مرور الوقت وحدودها.

 

كذلك، فإنه من النادر ما تختفي أسواق الظلّ بالكامل، فهي تعيد التكيّف وتغيّر مساراتها وتُعيد تسعير قيمتها كلّما تبدّلت الإصطفافات السياسية وتقلّبت الضغوط الجيوسياسية. ومع ذلك، تكفي التحوّلات الجزئية في أسواق النفط لإعادة تشكيل سلوك المنتجين والمستهلكين على حدّ سواء. من هذا المنطلق، تكتسب فنزويلا أهمية أقل بوصفها أداة تحكّم، وأكثر بوصفها سابقة تُرسى في عالم تعود فيه القوة والمنافسة إلى تأدية دور حاسم في تشكيل النظام.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد:

المؤلف

مراسل أول لأسواق الطاقة في شركة أرجوس ميديا
مراسل أول لأسواق الطاقة في شركة أرجوس ميديا