في الأشهر التي أعقبت الردّ الإسرائيلي الغاشم وغير المتوازن على هجمات السابع من أكتوبر، حذّر الدبلوماسيون والمراقبون الدوليون مراراً من أن الحرب قد تمتدّ إلى ما هو أبعد من غزة لتُزعزع استقرار المنطقة بأسرها. كذلك، نبّهت الحكومات والمنظّمات الدولية إلى أن استمرار العنف وتفاقمه، سيعبر الحدود وسيجرّّ دول الجوار إلى المواجهة.
وقد أشارت طريقة إدارة إسرائيل للحرب منذ بدايتها إلى هذا المسار تحديداً. فقد توسّعت العمليات العسكرية تدريجياً عبر جبهات متعددة، وترافقت مع خطاب واسع عن إعادة تشكيل النظام الإقليمي. بل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صرّح بأن إسرائيل ستعمل على «تغيير وجه الشرق الأوسط». ومع اتساع نطاق العمليات والخطاب المصاحب لها، بدا واضحاً أن الصراع لن يبقى محصوراً ضمن نطاق ضيّق.
أثبتت تلك التحذيرات صوابها ودقّتها لما ستشهده المنطقة في ما بعد. فالحملة العسكرية التي بدأت لتدمير غزة سرعان ما امتدت إلى المنطقة، حيث جرّ حزب الله لبنان إلى مواجهات مستمرة ومتصاعدة، وأصبحت سوريا ساحة نشطة للضربات، وامتدت العمليات الإسرائيلية بوتيرة متزايدة ، فتجاوزت النطاق الجغرافي المباشر لبلاد الشام وصولاً إلى البحر الأحمر، ما أدخل الحوثيين في اليمن وغيرهم من الفاعلين المتحالفين مع إيران خارج نطاق الدول في دائرة المواجهة.
في نهاية المطاف بلغ التصعيد ذروته في مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران تمثّلت في حرب استمرت اثني عشر يوماً في يونيو 2025، وكانت من أخطر التصعيدات التي شهدتها المنطقة منذ عقود.
قبل بلوغ الأزمة الحالية مرحلتها الراهنة، ظهر الطابع الإقليمي كإحدى السمات البارزة لهذا الصراع. فإسرائيل عملياً أسقطت بشكل شبه كامل الخطوط الحمراء في اختيار أهدافها سواء على مستوى العمليات أو النطاق الجغرافي، وقد تجسّد ذلك في الضربة الجوية غير المسبوقة التي استهدفت قطر، وأثارت على الفور ردود فعل دبلوماسية من مختلف أنحاء العالم.
وعلى الرغم من مرور ثمانية أشهر تفصل بين حرب الاثني عشر يوماً، والحرب التي نشهدها اليوم بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، فإن الصراعين مترابطان ارتباطاً وثيقاً، وهذا ما بيّنتهُ الدروس التي استخلصها صنّاع القرار في طهران. ففي حين أظهرت إيران في السابق قدراً من الحذر وضبط النفس وميلاً نحو خفض التصعيد إقليمياً رغم هجومها على قاعدة العديد في قطر؛ إلا أنّها استخدمت هذه المرة استراتيجية متعمّدة للردّ على الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية المتكررة تقوم على الردّ والتصعيد في المنطقة. إذ لم تقتصر ضرباتها الصاروخية ومُسيّراتها على إسرائيل فحسب، بل طالت أيضاً الدول الخليجية المجاورة لها.
قد يكون الهدف من الردّ الإيراني إظهار حزم طهران وقدرتها على المواجهة، إلا أنّ نتائجه الإستراتيجية تبقى موضع شك كبير. فمن خلال استهدافها لدول خليجية أمضت أعوام في تحسين علاقاتها معها بحذر، تكون الجمهورية الإسلامية قد أضعفت التقدّم الدبلوماسي في علاقاتها مع محيطها ، وقوّضت مسار التهدئة الإقليمية الذي كان قد بدأ يتشكّل.
يطرح هذا الواقع معضلة إستراتيجية آنية أمام الحكومات الخليجية. فمع سقوط الصواريخ الإيرانية في المنطقة وما تخلّفه من دمار على مختلف الأصعدة، يتزايد الضغط على هذه الحكومات من أجل الردّ على تلك الهجمات. غير أن السؤال المركزي الذي تحتاجُ دول الخليج للإجابة عليه لا يتعلق بكيفية الردّ على الاعتداءات الإيرانية، بل إذا كان انخراطها في الحرب سيخدم مصالحها الإستراتيجية الخاصة في نهاية المطاف أم سيصبّ في مصالح أطراف أخرى. في نواحٍ كثيرة، قد يتوقف مستقبل ميزان القوى في الشرق الأوسط على هذا القرار.
تحوّلات شهدتها المنطقة
يرتبط التصعيد الحالي في المنطقة بسياق أوسع مما يبدو عليه. ففي السنوات التي سبقت اندلاع الصراع مرّت المنطقة بتحوّل هادئ لكّنه بالغ الأثر. فعلى مدى سنوات كثيرة من العقد الماضي، افترضت الرؤية الإستراتيجية الإسرائيلية للشرق الأوسط أن الدول العربية، ولا سيما في الخليج، ستصطفُ إلى جانبها في مواجهة إيران. ومن منظور إسرائيل، كانت طهران تُمثّل العقبة الرئيسة أمام تحقيق الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية، وأنّ قيام تحالف واسع لمواجهة طهران سيُسهم في إعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يخدم المصالح الإسرائيلية.
غير أن المنطقة سارت في اتجاه مختلف. فبدلاً من تعميق المواجهة مع طهران، أدركت الدول الخليجية الكلفة الباهظة للتصعيد، وبدأت تميل بصورة متزايدة إلى تبنّي إستراتيجيات تقوم على الدبلوماسية والوساطة وخفض التوتر. وهكذا أخذت العلاقات بين عدد من العواصم الخليجية وإيران تتحوّل تدريجياً من العداء العلني إلى نوع من التعايش الحذر، مع توسّع قنوات الحوار وتراجع حدّة التوتر. في الوقت نفسه، شهدت علاقاتها مع عدد من الفاعلين الإقليميين الرئيسيين، من بينهم قطر والسعودية ومصر وتركيا، تحسناً بعد سنوات من التنافس والانقسام. وأسهمت هذه المصالحات تدريجياً في خلق بيئة إقليمية أكثر تماسكاً، كما عزّزت القدرة الدبلوماسية الجماعية لدول المنطقة.
كذلك شكّلت حرب غزة نقطة تحوّل كبرى، إذ سرّعت من هذه الديناميكيات. فقد تبنّت الدول الخليجية مواقف دبلوماسية قوية تدين العمليات الإسرائيلية، وعملت على حشد ضغط دولي من أجل وقف إطلاق النار وتقديم المساعدات الإنسانية. وبدأ يتشكّل قدر متزايد من التنسيق السياسي في مختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي، بما في ذلك سردية مشتركة ترى في إسرائيل التهديد الأكبر للاستقرار بالمنطقة. تُعتبر هذه التطورات بالنسبة إلى إسرائيل مقلقة للغاية. فبدلاً من أن تتوجه الدول نحو مزيد من التطبيع والاصطفاف في مواجهة إيران، اتجهت دول المنطقة نحو موقف سياسي أكثر استقلالاً وتنسيقاً، وهو ما قد يقيّد طموحات إسرائيل الإقليمية.
التصعيد والفرصة الإستراتيجية
في هذا السياق، أدخلت الحرب الحالية ديناميكية إستراتيجية مختلفة جذرياً عما كانت عليه في السابق. قرار إيران بتوجيه ضرباتها إلى عدد من الدول الخليجية، انطوى على خطر استحداث الظروف التي طالما سعت إسرائيل إلى تحقيقها: مواجهة مباشرة بين الخليج وإيران. وإذا دخلت الدول الخليجية الحرب عسكرياً عبر تنفيذ ضربات انتقامية والانخراط في مواجهة طويلة الأمد، فلن يبقى الصراع في جوهره مواجهة إسرائيلية–إيرانية، بل سيتحوّل إلى حرب إقليمية أوسع تصبح فيها الدول الخليجية أطرافاً رئيسة.
ومن منظور إسرائيل، قد يشكّل هذا السيناريو مكسباً إستراتيجياً. فمواجهة طويلة بين إيران والدول الخليجية من شأنها أن تستنزف موارد الطرفين معاً، وفي الوقت نفسه تعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة.
كلفة التصعيد
تتجاوز مخاطر التصعيد ساحة المعركة. فقد شكّل الاستقرار، والتوسع الاقتصادي، والاندماج في الاقتصاد العالمي عوامل نهضة الخليج على مدار العقدين الماضيين، ونجحت مدن مثل دبي والدوحة والرياض في ترسيخ مكانتها كمراكز عالمية للتجارة والمال والاستثمار. لكن الحرب الإقليمية الدائرة اليوم تهدّد هذه الأسس، وقد تؤدي إلى تحويل الانتباه والموارد بعيداً عن البيئة الجيوسياسية الأوسع التي أتاحت للخليج تعزيز قوته ونفوذه.
في هذا السيناريو، قد تجد الدول الخليجية نفسها تحوّلت من مركز إقليمي صاعد ومؤثر، إلى لاعب في ساحة المعركة الرئيسية في صراع لن تُحسم نتائجه الاستراتيجية في المنطقة، بل خارجها. ناهيك عمّا ستُشكله مسألة عدم تكافؤ الحوافز الإستراتيجية بين الأطراف المعنية من خطورة إضافية. فبالنسبة إلى إسرائيل، وإيران بشكلّ أقلّ، يُوضع هذا الصراع في إطار وجودي وحضاري. وغالباً ما تفتقر الحروب التي تُصوَّر بهذه الطريقة إلى سقف واضح للتصعيد. في مثل هذه الحالات يصبح تحمّل الفوضى، والاضطراب الاقتصادي، وعدم الاستقرار لفترة طويلة، كلفة مقبولة من أجل تحقيق نتائج إستراتيجية حاسمة.
في المقابل، تعمل الدول الخليجية وفق حسابات مختلفة جذرياً. فما قد تعتبره الأطراف التي تخوض مواجهة وجودية تكلفة محتملة، قد يحمل أضراراً أكبر بكثير على المجتمعات والاقتصادات الخليجية.ولا تقتصر تداعيات ذلك على المنطقة وحدها. إذ لا يزال الخليج يشكّل محوراً أساسياً لأسواق الطاقة العالمية، وممرات التجارة البحرية، وتدفقات المال والاستثمار. وأي حرب إقليمية طويلة تؤدي إلى زعزعة استقرار الخليج ستكون لها ارتدادات واسعة على الاقتصاد العالمي. لذا، فإن ضمان عدم تحوّل المنطقة إلى مركز لمواجهة عسكرية ممتدّة ليس مصلحة خليجية فحسب، بل مصلحة عالمية أيضاً.
القيمة الإستراتيجية لضبط النفس
في ضوء هذه الوقائع، تُواجه الدول الخليجية خياراً صعباً لكنه بالغ الأهمّية. ففي حين، يبدو الردّ العسكري على الهجمات الإيرانية الخيار الأقرب للمنطق نظراً لامتلاك هذه الدول حقاً مشروعاً في الدفاع عن نفسها، بالإضافة إلى ما قد تواجههُ من ضغط شعبي قوي للردّ، إلا أنّ الاستراتيجية تتطلب كبح جماح اللحظات الانفعالية في كثير من الأحيان. فإذا دخلت الدول الخليجية هذه الحرب بصورة مباشرة، تكون بذلك قد خاطرت بجعل المنطقة الساحة الرئيسة لصراع طويل الأمد بما فيه من نتائج غير متوقعة وربما مدمّرة.
أما إذا أعطت الأولوية لضبط النفس والدبلوماسية والصبر الإستراتيجي، فإنها تحتفظ بالقدرة على التأثير في البيئة الإقليمية الأوسع. ومن المهم التأكيد أن ضبط النفس لا يعني الضعف، بل يعكس فهماً أعمق للعبة الإستراتيجية الكبرى التي تتكشّف في الشرق الأوسط. فمن خلال رفض الانجرار إلى حرب أوسع مع إيران، تستطيع الدول الخليجية الحفاظ على استقرارها الاقتصادي، وصون مرونتها الدبلوماسية، ومنع أطراف أخرى من فرض مسار الصراع.
مستقبل المنطقة
إن القرار الذي ستتخذه الدول الخليجية الآن قد يكون حاسماً لمستقبل الشرق الأوسط. ففي حال اندلعت أي حرب إيرانية- خليجية ستلتهم الإقليم وتخرجه من هذا الصراع أكثر ضعفاً. إذ ستتضرّر مراكزه الاقتصادية، ويتفكّك تماسكه السياسي، وتتقلّص استقلاليته الإستراتيجية. أما إذا نجحت دول الخليج في مقاومة التصعيد والعمل على احتواء الصراع، فستحتفظ المنطقة بقدرتها على التأثير في النظام الإقليمي لما بعد الحرب. ومن خلال إعطاء الأولوية لضبط النفس، تستطيع هذه الدول الحفاظ على قدرتها على استخدام نفوذها الاقتصادي والمالي والدبلوماسي للضغط باتجاه خفض التصعيد.
كثيراً ما توّلد الأزمات انطباعاً بأن التحرّك الفوري هو الخيار الوحيد الممكن. غير أن أكثر القرارات الإستراتيجية تأثيراً تكون في كثير من الأحيان تلك التي تُتخذ بضبط النفس. وقد يبدو أحياناً أن المنطقة تقف على بعد خطوات قليلة من مأزق إستراتيجي حاسم. لكن الردّ الأكثر قوّة قد يكون ببساطة رفض الوقوع في الفخّ. بعبارة أخرى، إنّ الخطوة الوحيدة الرابحة هي ألاّ تلعب.