تم إطلاع أعضاء فرقة العمل المشتركة 152 على طائرة شراعية استكشافية في المنامة، البحرين، في 23 يناير 2023. (القيادة المركزية الأمريكية)

الأمن الخليجي ووعود الحماية الخارجية

مع تعرّض الدول الخليجية لهجمات مباشرة، انكشفت حدود الضمانات الأمنية الخارجية التي طالما اعتمدت دول الخليج عليها، وظهرت القيمة الفعلية للقدرات الدفاعية التي راكمتها هذه الدول عبر شراكاتها الأمنية المتنوعة

5 أبريل، 2026
هنا الشهابي

منذ أواخر فبراير2026، ومع إطلاق الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضربات مشتركة على إيران ضمن عمليتي «الغضب الملحمي» و«زئير الأسد»، وجدت الدول الخليجية نفسها في حرب لم تختارها ولم تتقاطع أيضًا مع مصالحها. وفي الوقت نفسه، كانت هذه الدول قد عملت خلال سنوات طويلة على تنويع استراتيجياتها الأمنية بحذر، فعزّزت علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، ووسّعت قنواتها الدبلوماسية مع إيران وإسرائيل بدرجات متفاوتة، كما سعت إلى بناء شبكة أوسع من الشراكات الإقليمية والدولية.

 

إلا أن هذه المقاربة لم تمنع تعرّضها لهجمات إيرانية غير مسبوقة من حيث الحجم والكثافة، كما لم تؤدِ إلى تدخل مباشر من الشركاء الرئيسيين. وبدلاً من ذلك، اعتمدت الدول الخليجية بشكل أساسي على قدراتها الدفاعية المحلية التي طُوّرت على مدى عقود بدعم خارجي. وبالتالي، كشفت هذه الحرب خلاصة أساسية مفادها أن قيمة الشراكات ليست في وعود الحماية الخارجية بل في قدرتها على تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، ورفع مستوى الجاهزية، وتحسين الفاعلية القتالية.

 

 

ما بعد الضمانات الأمنية

 

خلال السنوات الأخيرة، سعت دول الخليج إلى تنويع شراكاتها بسبب الغموض الذي يكتنف التزام واشنطن بأمن المنطقة على المدى الطويل. وقد سرّع تركيز الولايات المتحدة على تقاسم الأعباء هذا التوجّه، وهو ما برز في استراتيجياتها الحديثة للدفاع والأمن القومي، وشجّع دول الخليج على تعميق العلاقات مع قوى أخرى مثل باكستان والهند وتركيا على الرغم من كونها جميعاً حليفة للولايات المتحدة.

 

جاء هذا الانفتاح محسوباً بعناية لتجنّب أي إشكالية مع الولايات المتّحدة، وذلك من خلال توسيع الشراكات الأمنية دون المساس بجوهر العلاقة الاستراتيجية معها. وقد أفضت هذه المقاربة إلى نتائج ملموسة، من بينها اتفاقية الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية عام 2025، وتوسّع التنسيق الأمني بين الإمارات والهند، وتعميق التعاون الأمني بين الدول الخليجية وتركيا.

 

غير أنّ الحرب الراهنة كشفت عن توتّر جوهري في الافتراضات التي قامت عليها هذه الاستراتيجية. فالتحالفات لا تُترجم بالضرورة إلى دعم مباشر في أوقات الأزمات، كما أنّ الرهان على التدخل الخارجي الراسخ طويلاً في التفكير الأمني الإقليمي أثبت محدوديته وعدم استدامته.

 

 

القيود الاستراتيجية

 

أحجم الشركاء الأمنيون الرئيسيون للدول الخليجية عن الانخراط المباشر في احتواء تداعيات الضربات الانتقامية الإيرانية، بفعل أولوياتهم الاستراتيجية واعتباراتهم الوطنية. وتبرز حالتا الولايات المتحدة وباكستان كمثالين دالين على هذه الديناميكيات.

 

 

الولايات المتحدة الأمريكية

 

تظلّ الولايات المتحدة الشريك الأمني الأكثر تجذراً في منظومة أمن الخليج، إذ شكّلت أنظمتها العمود الفقري للدفاعات الجوية، وأسهمت في تحقيق مُعدلات اعتراض تجاوزت 90 في المئة. ويعكس هذا الأداء عقوداً من الاستثمارات الخليجية في التسليح والبنية التحتية العسكرية الأمريكية، إلى جانب التدريب المكثّف، والتكامل العميق للأنظمة الأمريكية ضمن الهياكل الأمنية الإقليمية.

 

وعلى الرغم من مؤشرات استنزاف المخزونات العسكرية الأمريكية نتيجة الحرب، تواصل واشنطن دعم القدرات الأمنية في المنطقة. ففي 19 مارس، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن حزمة تسليح بقيمة 16.5 مليار دولار تشمل الإمارات والكويت والأردن. غير أنّ هذا الدعم يبقى محدوداً، إذ لم تستجب واشنطن للنداءات الخليجية المتكررة لتجنّب استهداف البنية التحتية المدنية في إيران، ما أبقاها عرضة لردود انتقامية مستمرّة.

 

يعكس ذلك الدور المزدوج الذي تؤديه الولايات المتحدة في هذه الحرب. فمن جهة، تشكّل أنظمتها العسكرية عنصراً حاسماً في الدفاع الخليجي. ومن جهة أخرى، أسهمت في تفجير الحرب وأظهرت تردّداً في إدارة تداعياتها الإقليمية، ما فاقم من وتيرة الأزمة التي تواجهها هذه الدول في الوقت الحالي.

 

 

باكستان

 

في العلاقات مع باكستان، شكّلت هذه الحرب أول اختبار فعلي لاتفاقية الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية الموقّعة عام 2025. والتي اتسمت بصياغة ملزمة نادراً ما تظهر في الشراكات الأمنية الإقليمية، ما عزّز التوقعات بإمكانية انخراط باكستان عسكرياً، وهو ما لم يتحقّق بعد.

 

يُجسّد هذا الحذر الحسابات الاستراتيجية المعقّدة في إسلام آباد، حيث تتداخل الضغوط السياسية والاقتصادية الداخلية، مع وجود الحاجة إلى إدارة العلاقة مع إيران، إلى جانب التحديات الأمنية المستمرة على الحدود. وعليه، يُرجّح أن يظل الدور الباكستاني دبلوماسياً، بما يتقاطع مع مواقف دول مثل مصر وتركيا. وهذا يؤكد أن التحالفات الرسمية تبقى محكومة بالمصالح الوطنية، وأن الالتزامات لا تحدّد بالضرورة سلوك الدول في النزاعات التي تتسم بالتوتر العالي.

 

 

تكيّف الخليج مع واقع استراتيجي جديد

 

تعكس الحرب مع إيران تحوّلاً متسارعاً في التفكير الاستراتيجي الخليجي. فالقيمة الفعلية للتحالفات لم تعد في الضمانات الأمنية، بل في ما توفّره من موارد وتكنولوجيا وتدريب وقدرة على تعزيز القدرة الذاتية على الدفاع. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى إعطاء الأولوية لشراكات تقوّي الجاهزية والمرونة.

 

كما كشفت الحرب عن اتجاهات محتملة لإعادة تشكيل طبيعة الحروب، أبرزها الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، نظراً لكلفتها المحدودة وسهولة إنتاجها. وقد برزت طائرات «شاهد» الإيرانية كعنصر رئيسي في هذا النزاع، مع إطلاق أكثر من 4,000 منها باتجاه الدول الخليجية منذ أواخر فبراير2026.

 

وعلى الرغم من امتلاك الدول الخليجية خبرة سابقة في التعامل مع الطائرات المسيّرة، فإنها لم تواجه هذا المستوى من الكثافة أو الشدّة في الهجمات الإيرانية. وقد فرض هذا التصعيد ضرورة التركيز على توظيف تقنيات متنوّعة وتراكم الخبرات العملياتية في مجال حرب المسيّرات.

 

في هذا السياق، برزت أوكرانيا كشريك ذي خبرة نتيجة تعاملها مع النسخة الروسية «غيران» من طائرات «شاهد». وقد بدأت الدول الخليجية بالفعل في الاستفادة من هذه الخبرة، عبر توقيع السعودية وقطر والإمارات اتفاقيات دفاعية مع كييف في أواخر مارس، بما قد يتيح دمج أنظمة منخفضة الكلفة، مثل منظومة «ستينغ» الاعتراضية، ضمن منظوماتها الدفاعية.

 

تعكس هذه التطورات درساً محورياً للحرب. ففي بيئة دولية تتسم بالتشظّي وعدم اليقين، يصبح تعزيز القدرات الذاتية شرطاً أساسياً لمواجهة التهديدات المتغيرة. ويتطلّب ذلك الاستثمار في سلاسل إمدادات مرنة، وبناء القدرات المحلية، وتطوير الصناعات الدفاعية. وستبقى التحالفات عنصراً محورياً، لكن قيمتها ستُقاس بمدى إسهامها في تعزيز قدرات الشركاء، لا بضمان التدخل المباشر.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: السياسة الأمريكية الخارجية
البلد: إيران، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

باحثة مساعدة
هنا الشهابي هي باحثة مساعدة في برنامج السياسة الخارجية التابع لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. حصلت على بكالوريوس العلوم في الشؤون الدولية مع تخصص في السياسة الدولية من كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون في قطر. وقد حصلت أيضاً على شهادة في الإعلام والسياسة بعد إتمامها برنامج مشترك بين جامعة نورث وسترن في قطر وجامعة جورج… Continue reading الأمن الخليجي ووعود الحماية الخارجية