في الثامن عشر من مارس 2026، استهدفت غارة جوية إسرائيلية منشآت معالجة الغاز في عسلوية، وهي المركز البري لمعالجة أكبر حقل غاز طبيعي في إيران وركيزة الإمدادات المحلية. وأكد محافظ عسلوية أنه “تم إخراج المنشآت من الخدمة” للسيطرة على الحرائق، دون الكشف الفوري عن حجم الخسائر في الإنتاج. وقد أقرّت مصادر عسكرية إسرائيلية بأن العملية استهدفت تحديداً البنية التحتية للغاز في إيران. تُمثّل هذه الضربة تصعيدًا خطيرًا في حرب تجاوزت بالفعل الأهداف العسكرية التقليدية. فلم يكن الهجوم مجرد استهداف لمنشأة طاقة، بل كان استهدافاً متعمداً لأكبر حقل غاز طبيعي في العالم، وهو مكمن مشترك بين إيران وقطر، يمثل شريان الحياة لجزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.
حقل الشمال
يقع حقل الشمال المعروف بـ “بارس الجنوبي” في الجانب الإيراني تحت المياه الخليجية، ممتداً عبر الحدود البحرية بين قطر وإيران. ويُعدّ بمثابة عملاق جيولوجي يحتوي على نحو 51 تريليون متر مكعب من الغاز القابل للاستخراج. على الجانب الإيراني، ينتج “بارس الجنوبي”نحو 730 مليون متر مكعب يومياً، وهو رقم قياسي تحقّق قبل أسابيع فقط في فبراير 2026. ويلبي هذا الإنتاج 70% من الاستهلاك المحلي الإيراني، حيث يغذي محطات الكهرباء، وأنظمة التدفئة، والمجمعات البتروكيماوية التي تدعم ما تبقى من الاقتصاد الإيراني الخاضع للعقوبات.
كذلك، يكتسب الجانب القطري من هذا الحقل أهمية محورية لا تقلّ عن الجانب الإيراني، إذ يُشكل حقل الشمال أساس صناعة الغاز الطبيعي المسال في قطر، التي تصدر نحو 77 مليون طن سنوياً، ما يقارب خُمس الإمدادات العالمية. تُسهم هذه الصادرات في تشغيل شبكات الطاقة في آسيا، وفي تدفئة منازل أوروبا، وتوفير الإيرادات التي جعلت من قطر لاعباً فاعلاً بارزاً على الساحة المالية. ولا يقتصر الأمر على الجوار الجغرافي فحسب، بل يتصل هذا الحقل جيولوجياً بين البلدين، ما يعني أن الضغط الذي يحمله هذا الخزان المشترك، وديناميكيات الاستخراج، والتداعيات البيئية هي أمور مشتركة وعابرة للحدود.
التصعيد أمر واقع
تأتي الضربة الإسرائيلية في سياق أزمة طاقة اندلعت بالفعل جراء الحرب الدائرة حالياً. ففي الثاني من مارس 2026، تسبّب هجوم إيراني بمُسيرات على مجمع “راس لفان” للغاز الطبيعي المسال في قطر باضطرار “قطر للطاقة” تعليق الإنتاج مؤقتاً، مما أدى إلى قفزة فورية بالأسعار القياسية في آسيا وأوروبا بنسبة تتراوح بين 40% و50% على التوالي.
منذ تلك الهجمة، بدأت شركات التأمين بالانسحاب من السوق. فقد فرضت “لويدز اوف لندن” وكبرى شركات إعادة التأمين استثناءات لمخاطر الحرب على البنية التحتية للطاقة في الخليج، بينما تضاعفت أقساط التأمين على السفن العابرة لمضيق هرمز بعشر مرّات. لقد تجاوز هذا الهجوم خطوة حذّر منها الخبراء طويلاً، إذ تحوّل الصراع الإقليمي إلى أزمة إمدادات عالمية. فبينما استهدفت الهجمات السابقة “المصبّ” مثل مرافئ التصدير والتخزين، استهدف هجوم “عسلوية” منشآت المنبع، وهي الأصول التي تُبقي نظام الطاقة قائماً أساساً. وبالنظر إلى وتيرة التصعيد، يبدو أن العالم مُقبل على “سيناريوهات كارثية”.
الرهان الإسرائيلي وأولوية الأهداف
يُشكّل استهداف “بارس الجنوبي” جزءاً من استراتيجية إسرائيلية تتصاعد بشكل تدريجي وصلت إلى مرحلتها الثالثة حالياً، من خلال ضرب شريان الحياة الاقتصادي لإيران، في رسالة واضحة مفادها أن لا خطوط حمراء، حتى عندما يتعلق الأمر بأهداف قد تُسرّع التداعيات الاقتصادية التي تحاول طهران نفسها استخدامها كورقة ضغط.
ويصف الاستراتيجيون الإسرائيليون “أولوية الأهداف” بأنها تبدأ بالمنشآت النووية، فأنظمة الإيصال العسكرية، ثم البنية التحتية الاقتصادية. تسعى إسرائيل من خلال ضرب “محفظة إيران” إلى تقويض قدرة النظام على تمويل آليته العسكرية.
يهدف هذا النهج إلى إحداث صدمة بالنسبة إلى الخصم، من خلال تعطيل سلسلة القيادة، وخلق حالة من الفوضى تبطئ قدرة النظام على الرد. كما تسعى الضربات إلى توليد ضغط داخلي عبر انقطاعات الكهرباء، وإغلاق المصانع، وتعطّل التدفئة، بما يضاعف الضغط العسكري الخارجي. وتفترض الاستراتيجية الإسرائيلية أن الفوضى الداخلية، رغم ما تحمله من معاناة مدنية وعدم استقرار إقليمي، تُمثل تكلفة محسوبة لإضعاف النظام ودفعه نحو الانهيار.
بهذا المنطق، يُصبح الاقتصاد العالمي مجرد “ضرر جانبي” ، إذ تُدرك إسرائيل أن استهداف “بارس الجنوبي” قد يفتح باب التصعيد وفق معادلة “الطاقة مقابل الطاقة”. يضع هذا الرهان الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة العالمي وحياة المدنيين على المحكّ، من أجل خلق فوضى سياسية مواتية قبل أن تتحول إلى كارثة شاملة.
الردّ الإيراني وتوسيع نطاق حرب الطاقة
كانت إيران قد هددت سابقًا باستهداف بنية الطاقة في الخليج إذا تعرضت منشآتها لهجوم. بعد الضربة الإسرائيلية لحقل “بارس الجنوبي”، بدأت هذه التهديدات بالفعل على أرض الواقع. فخلال ساعات، حذرت وسائل إعلام إيرانية من هجمات وشيكة على منشآت في المنطقة بما في ذلك مصفاة “سامرف“ ومجمع الجبيل في السعودية، وحقل “الحصن“ في الإمارات، ومجمعات راس لفان ومسيعيد في قطر. وبعد وقت قصير، تعرضت منشأة الغاز المُسال القطرية لهجوم وأصيبت “بأضرار واسعة” بحسب “قطر للطاقة“.
تؤكد هذه التطورات أن الصراع يتجه نحو معادلة “الطاقة مقابل الطاقة“، حيث تصبح البنية التحتية الحيوية الهدف الرئيسي. في الوقت نفسه، تبقى قدرة إيران على مواصلة التصعيد غير مؤكدة. فمنذ اندلاع الحرب، نفذت إسرائيل آلاف الضربات داخل إيران، ما أضعف أجزاء من بنيتها العسكرية وسلسلة قيادتها، وتراجعت وتيرة إطلاق الصواريخ مقارنة بالمراحل الأولى. لكن هذه القيود لا تلغي الرهان. فما تزال إيران قادرة، حتى الآن، على تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز. ومع فقدان النظام لأبرز قياداته وتصاعد الضغوط الداخلية وتضرر شريانها الاقتصادي، يصبح السلوك غير المتوقع أكثر ترجيحًا.
أسواق الطاقة تحت وقع الصدمة
مع الارتفاع الذي تشهده أسواق النفط والغاز ، فمن المؤكد أن تصعيد الأزمة سيزيد من تدهور وضع البنية التحتية للطاقة. فقد أدى تعطل عسلوية وحده إلى توقف معالجة ما يقارب 100 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا، ما يعادل 14% تقريبًا من إنتاج حقل جنوب بارس.
يؤثر هذا التعطيل بشكل مباشر على المواد الخام لقطاع البتروكيماويات الإيراني، وقد يزيد من الضغط على إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى تركيا. والأهم من ذلك، أن أي اضطراب مستمر في حقل الشمال القطري سينعكس سلبًا على سوق الغاز الطبيعي المسال في العالم. إذ تُسهم قطر بنحو 20% من الإمدادات العالمية، مما يجعل الحقل أحد أهم أصول الطاقة في العالم.
ومن المرجح جدًا أن يؤدي استمرار أزمة الطاقة العالمية إلى ركود تضخمي، وهو عبارة عن صدمة تُصيب الإمدادات، مع ارتفاع حاد في التضخم، واضطراب في الأسواق المالية، ما يُعيد إلى الأذهان واقعة حظر النفط العربي عام 1973، ولكن تداعيات الأزمة الحالية ستتفاقم بسبب ترابط سلاسل التوريد العالمية بإحكام في عصرنا هذا، ونتيجة هشاشة الميزانيات العمومية السيادية في الأسواق الناشئة.
كارثة بيئية محتملة
تُعدّ المخاطر البيئية الناجمة عن تفجير حقل جنوب بارس هائلة. إذ تعمل آبار هذا الحقل تحت ضغوط تتراوح غالبًا بين 300 و400 بار. وقد يؤدي تضرر رؤوس الآبار أو البنية التحتية تحت السطحية إلى انبعاثات غاز الميثان غير المنضبطة التي قد تستمر لأسابيع. ونظرًا لأن قدرة الميثان على إحداث الاحتباس الحراري تفوق قدرة ثاني أكسيد الكربون بـ 86 ضعفًا على مدى 20 عامًا، فإن أي انفجار واحد قد يُعادل انبعاثات سنوات لاقتصاديات صناعية.
بالإضافة إلى ذلك، تُطلق منشآت البتروكيماويات المحترقة مركبات سامة، بما في ذلك الديوكسينات وسيانيد الهيدروجين والجسيمات الدقيقة، التي قد تنتشر عبر مياه الخليج الضيقة. ولأن الخليج شبه مغلق ذو دوران محدود للمياه، فقد يستمر هذا التلوث لسنوات، مما يُؤدي إلى انهيار مصائد الأسماك وإلحاق الضرر بالنظم البيئية الساحلية في جميع أنحاء المنطقة.
وهنا، تصبح البيئة أداة ضغط استراتيجية بحد ذاتها. فالخطر البيئي ليس ثانوياً، بل أداة استراتيجية في هذا الصراع. فمن جهة، تُدرك إيران أن تلوث المياه المشتركة يؤثر على موقع الخليج العربي. في حين تدرك إسرائيل أن الأضرار البيئية تُضعف ما تبقى من القدرة الاقتصادية لإيران. وتشير هاتان المقاربتان إلى اتجاه مستمر نحو التصعيد.
صعوبة الموقف القطري
تجد قطر نفسها في موقف استثنائي وصعب للغاية. ففي غضون ساعات من الهجمة الإسرائيلية على الحقل، وصف د. ماجد بن محمد الأنصاري مستشار رئيس مجلس الوزراء المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية، هذه الخطوة بأنها “خطيرة وغير مسؤولة“، مؤكدًا أن “حقل بارس الجنوبي امتداد لحقل الشمال القطري“.
هذا ليس مجرد تصريح دبلوماسي تقليدي، بل اعتراف بحقيقة جيولوجية ومصيرية مشتركة. فقطر لا تستطيع الاصطفاف مع إيران، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع تحمّل تدمير هذا الحقل المشترك.
وهنا تتراوح خيارات قطر بين الاحتجاج الدبلوماسي، وتعديل أسواق الغاز، وممارسة ضغط غير مباشر على واشنطن، وهي خيارات قد تحدد ما إذا كان الصراع سيبقى ثنائيًا أم سيتحول إلى مواجهة خليجية أوسع. أما الانفجارات التي تُسمع في سماء الدوحة، فتشير إلى أن الجغرافيا، لا السياسة، هي التي ستفرض مسار التطورات المقبلة.
تطوّر السيناريوهات بشكل كارثي
يُمثل الهجوم الإسرائيلي على “بارس الجنوبي” عسكرة مباشرة للبنية التحتية للطاقة العالمية ضمن صراع إقليمي أرخى بظلاله علو استقرار الأسواق العالمية. فما كان يُنظر إليه سابقاً من قبل خبراء الطاقة كسيناريو نظري لأسوأ الاحتمالات، بات اليوم أمراً واقعاً، فيما تمضي عقارب الساعة سريعاً.
في الساعات والأيام المقبلة، قد تؤدي الهجمات الانتقامية الإيرانية إلى إخلاء منشآت إقليمية، وإثارة حالة من الذعر في أسواق التأمين، وسترتفع أسعار الغاز الطبيعي المسال. وإذا استمر إغلاق مضيق هرمز على مدى أيام أو أسابيع ستتفاقم اضطرابات الشحن، وستشعر الأسواق والاقتصاديات بوطأة التداعيات. أما إذا طال أمد الحرب لعدّة أشهر، فقد تنهار الاستثمارات في قطاع الطاقة الإقليمي، ويتفاقم القلق المحتمل من حدوث أزمة نووية.
لم يعد الخطر في ساحة المعركة فقط. فعندما يصبح أكبر حقل غاز في العالم هدفًا عسكريًا، ستمتد التداعيات حتمًا إلى ما هو أبعد بكثير من حدود المنطقة. ومن الدوحة حيث يرتبط هذا الحقل البحري مباشرة بالبنية التحتية المشتعلة عبر الخليج، لم يعد مسار التصعيد مجرد احتمال نظري، بل واقعاً يتشكّل بالفعل.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.