انتقلت «اتفاقية مكَّة للدفاع المشترك»، التي أُعيدت تسميتها مؤخراً بـ«حلف مكَّة الدفاعي»، سريعاً من حيز الإعلان السياسي إلى الاختبار العملي. ففي 5 أكتوبر، اتفقت باكستان والسعودية وتركيا على تنفيذ التزاماتها في مجال الدفاع المشترك، والاستعداد للنشر السريع للقوّات والقدرات المتفق عليها في السعودية. وجاء القرار في ظلّ تصاعد هجمات حركة «أنصار الله» اليمنية، والمعروفة على نطاق واسع باسم الحوثيين، على المدن السعودية والمطارات ومنشآت الطاقة، فضلاً عن مخاوف من استهداف المواقع المقدّسة.
لا لبس في وقوف باكستان إلى جانب السعودية، لكن السؤال هو: كيف تحافظ باكستان على مكانتها باعتبارها شريكاً أمنياً موثوقاً من دون أن تنجرّ إلى حرب إقليمية مفتوحة الأمد بين أطراف متنازعة في المنطقة؟. ولذلك، يتعين على إسلام آباد تحويل مصداقيتها العسكرية إلى قدرة إستراتيجية أكبر على المبادرة والتأثير في مسار الأحداث. ويعني ذلك أن تدافع باكستان عن الأراضي السعودية، وتحافظ في الوقت نفسه على قنواتها الدبلوماسية مع إيران، وتمنع تحوّل الخليج إلى ساحة أخرى للصراع بين الهند وباكستان.
من الأهمّية الإستراتيجية إلى القدرة على المبادرة والتأثير
تتعامل باكستان اليوم مع مستنقع الشرق الأوسط بثقة أكبر ممّا كانت عليه قبل عامين. فقد أظهرت الأزمة التي استمرّت أربعة أيام بين الهند وباكستان في مايو 2025 قدرة إسلام آباد على امتصاص الضغوط، والردّ عسكرياً بقوة، ودفع القوى الخارجية إلى التعامل مع التصعيد في شبه القارة الهندية بوصفه مشكلةً إستراتيجيةً خطيرةً وملحّةً. صحيح أنّ ذلك لم ينهِ الخصومة المريرة بين البلدين، لكنه غيّر نظرة الخارج إلى القدرات الباكستانية، كما غيّر نظرة صانعي القرار في إسلام آباد إلى قدرتهم على المبادرة وهامش المناورة المتاح لهم.
أحسنت باكستان استثمار هذه الثقة وهذا الهامش حين قادت مساراً دبلوماسياً في ذروة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. وأثمرت جهودها في التوصّل إلى وقف مؤقّت لإطلاق النار في أبريل، ومن ثمّ إبرام «مذكّرة تفاهم إسلام آباد» في يونيو. ومن خلال نقل الرسائل بين طهران والرياض وواشنطن، أظهرت قدرتها على أداء دور موثوق كميسّر ووسيط بين أطراف متباعدة. ونجحت القيادة الباكستانية في تحويل أدائها العسكري إلى رصيد من النفوذ والثقة، فوسّع هذا الأداء العسكري هامش حركتها السياسية.
يحوّل حلف مكَّة هذا المسار إلى إطار مؤسّسي. فهو ليس «ناتو إسلامياً»، كما وصفه البعض، وهذه المقارنة تحجب أكثر ممّا تفسِّر. فالحلف لا يفترض تطابق تصوّرات أعضائه للتهديدات، ولا ينبغي أن يعني الانضمام إليه مشاركة تلقائية في كلّ صراع يخوضه أحد الأعضاء. وتكمن أهمّيته في التشاور، وتعزيز قدرة القوّات على العمل المشترك، والتعاون في الصناعات الدفاعية، وإرسال رسائل ردع جماعية. كما تمنح الأمانة العامّة الدائمة للحلف في السعودية، التي يرأسها حالياً أمين عام باكستاني، إسلام آباد دوراً مؤسّسياً أكثر وضوحاً واستمراريةً، بدلاً من دور يقتصر على مناسبات متفرقة بحسب الظروف.
وتشير هذه التحوّلات إلى أنّ باكستان تنتقل من موقع الدولة التي يُنظر إليها أساساً بوصفها متلقية للدعم المالي الخليجي إلى موقع المساهم في توفير الأمن الإقليمي. لكن أن تصبح طرفاً لا غنى عنه في توفير هذا الأمن لا يعني أن تتحمّل التزامات بلا حدود. وسيخدمها الحلف على نحو أفضل إذا أتاح تقاسم الأعباء بين أعضائه من دون أن يقيّد استقلال قرارها الإستراتيجي.
بين الدفاع المشترك والتورّط الإقليمي
يُسلّط التصعيد الحالي بين السعودية والحوثيين الضوء على الفارق الجوهري بين الدفاع المشترك وخوض حرب جماعية. والتحدّي أمام باكستان هو الحفاظ على هذا الفارق.
للسعودية الحقّ في حماية أراضيها وسكّانها ومواقعها المقدّسة ومطاراتها ومنشآتها للطاقة وخطوط الملاحة البحرية. وبمقدور باكستان مساعدتها في ذلك عبر التعاون الاستخباراتي، والتدريب العسكري، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتعزيز الأمن البحري، ونشر قوّات داخل الأراضي السعودية بمهام محدّدة وواضحة. ومن شأن هذه التدابير مجتمعةً أن ترفع كلفة أي اعتداء وتعزّز الردع. والأهمّ أنّها تختلف عن المشاركة في عمليات هجومية داخل اليمن أو التحوّل إلى طرف مقاتل في مواجهة أوسع مع إيران.
واجهت باكستان خياراً مشابهاً عام 2015، حين رفض برلمانها المشاركة في التدخّل الذي قادته السعودية في اليمن، مع تأكيد التزامها بالدفاع عن الأراضي السعودية والمواقع المقدّسة. وقد عُدّ هذا التمييز أحياناً نوعاً من التردّد، لكنه عبّر عن مبدأ إستراتيجي منطقي يقوم على الجمع بين التزام دفاعي موثوق وضبط نطاق هذا الالتزام.
ومن منظور باكستان، لا بُدّ من رسم حدّ فاصل بين الدفاع المشترك والانخراط المباشر وذلك لأسباب متعدّدة، وفي مقدّمتها إيران. فإيران ليست دولة بعيدة عنها، إذ تشترك معها في حدود طويلة، كما تجمعهما هواجس أمنية ومصالح تجارية وقنوات تواصل صمدت على الرغم من فترات التوتّرات الحادّة. واستثمرت باكستان أيضاً وقتاً ورصيداً سياسياً في الوساطة بين إيران وخصومها. لذلك، قد تؤدّي مشاركتها المباشرة في عمليات هجومية ضدّ الحوثيين إلى قطع قنوات التواصل التي تتيح لها الوصول إلى طهران، وتحويلها من طرف قادر على أداء دور موثوق في خفض التصعيد إلى طرف مقاتل.
يمكن تجنّب هذا المسار، لا سيّما أنّ الوساطة تتطلّب الثقة وإمكانية التواصل مع الأطراف، لا الحياد بالضرورة. تستطيع باكستان، إذاً، إدانة الهجمات على السعودية، وإبلاغ طهران بخطوطها الحمراء الواضحة، والضغط عليها لكبح جماح الحوثيين، وفي الوقت نفسه معارضة نشوب حرب من شأنها زعزعة استقرار الخليج أكثر فأكثر. وبهذه الطريقة، تستطيع باكستان الحفاظ على مرونتها الإستراتيجية من دون الوقوع في تورّط يقيّد خياراتها. ولكن ذلك لن يكون سهلاً. إذ يتطلّب وضوحاً بشأن الظروف التي تستدعي التحرّك والأهداف وهياكل القيادة وترتيباتها والمدة، وقبل كل شيء التفويض السياسي. وبعبارة أخرى، لا تعزّز المشاركة التلقائية مصداقية حلف مكة. بل ما يعزّزها هو اقتناع الخصوم بأنّ أي هجوم سيواجه بردّ منسّق، فيما تزداد مصداقية الحلف أيضاً حين يعرف الشركاء أن هذا الردّ سيقتصر على الأغراض الدفاعية.
الهند وحلف مكَّة: منطقان إستراتيجيان منفصلان
وفي ضوء تقدير باكستان لتهديداتها الأمنية، تتسم توقعاتها من شريكيها في الحلف بالواقعية، وتنأى بنفسها عن منطق المحصلة الصفرية. فهي لا ترى في الاتفاقية دليلاً على أنّ السعودية اختارت باكستان على حساب الهند، ولم تنضمّ إلى الحلف أملاً في الحصول على دعم سعودي أو تركي في مواجهة مستقبلية مع نيودلهي. وينبغي التشديد على أنّ الحصول على هذا الدعم ليس ما يحكم عضويتها في الحلف، ولا ما تقوم عليه مقاربتها لأكبر تهديد أمني خارجي تواجهه.
فعلاقة السعودية بالهند واسعة وراسخة مؤسّسياً. وقد تجاوز حجم التجارة الثنائية 41 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026. فيما يمتدّ التعاون بين البلدين إلى الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والدفاع. لذلك، ستواصل السعودية علاقاتها مع الهند وباكستان معاً. وإسلام آباد تدرك ذلك، ولم تسعَ إلى علاقة حصرية معها.
والأهمّ أنّ باكستان لا تحتاج إلى تحالف خليجي لإدارة خصومتها مع الهند. فقد أظهرت أزمة مايو 2025 بوضوح أنّها تمتلك القدرة العسكرية والإرادة السياسية والحنكة اللازمة لإدارة التصعيد والدفاع عن نفسها بمفردها. كما ستتحدّد ملامح أي أزمة مستقبلية بين الهند وباكستان أساساً بقدرات البلدين وإرادتهما وتوازن الردع بينهما، لا بالتوقّعات المعقودة على مساعدة أو تدخّل عسكري من الخارج.
تؤكّد هذه الحسابات والتوقّعات الواقعية أنّ حلف مكَّة ليس محاولة لتدويل التنافس الباكستاني مع الهند عبر استجلاب دعم السعودية وتركيا. فأهدافه مختلفة، وتشمل تعزيز الدفاع المشترك في الشرق الأوسط، وتحسين التنسيق العسكري وقدرة القوّات على العمل المشترك، وحماية الدول الأعضاء من الهجمات الخارجية، وبناء إطار إقليمي أكثر مصداقيةً لتقاسم الأعباء.
ومع ذلك، قد تكون للحلف تداعيات غير مباشرة على الهند. فهو يوسّع الحضور الدبلوماسي لباكستان ونفوذها، ويعزّز مكانتها بوصفها مزوّداً للأمن الإقليمي، ويفنّد الاعتقاد بإنّها معزولة أو هامشية إستراتيجياً. لكن أياً من ذلك لا يعني أنّ حلف مكَّة صُمِّم كتكتل موجّه ضد الهند.
غياب المظلّة النووية
الإجابة عن المسألة النووية واضحة لا لبس فيها. فباكستان لم تقدّم حلف مكة بوصفه إطاراً لتوفير مظلة نووية، ولا يعني انضمامها إلى الاتفاقية أنّها وسّعت نطاق ردعها النووي ليشمل السعودية أو أي عضو آخر. وكان موقف إسلام آباد في هذه المسألة واضحاً. وعلى أي حال، لا تستند الضمانات النووية إلى التكهنات أو الرمزية أو الخطاب السياسي، بل تتطلّب صياغة عقيدة صريحة وإعلانها، والتزامات واضحة، وآليات موثوقة للقيادة والتنفيذ. ولم تعتمد باكستان مثل هذه العقيدة، ولم تنشئ أطر القيادة اللازمة لتطبيقها.
لا ينفي ذلك أنّ مكانة باكستان كدولة نووية تضيف، بطبيعة الحال، ثقلاً إستراتيجياً إلى أي شراكة دفاعية تشارك فيها. لكن هذا الثقل الإستراتيجي لا يحوّل الشراكة تلقائياً إلى حلف نووي. وعليه، يبقى حلف مكَّة إطاراً للدفاع المشترك، له سياقه الإقليمي الخاص وأهدافه المُحدّدة.
أفضل رهان لباكستان
تراهن إسلام آباد على قدرتها على تعميق علاقاتها مع الخليج من خلال هذا الترتيب الأمني من دون أن ينتهي هذا الرهان إلى أحد إخفاقين محتملين. فقد ينهار حلف مكَّة بسبب عجز أعضائه عن إثبات مصداقية ردعهم العسكري الجماعي، أو قد تنجرّ باكستان إلى انخراط عسكري مفتوح الأمد تسعى أصلاً إلى تجنّبه. وفي الوقت نفسه، عليها الحفاظ على قنواتها الدبلوماسية وعلاقاتها السياسية القائمة، مع تقبّل أنّ السعودية وشركاء خليجيين آخرين قد يواصلون تعزيز علاقاتهم مع خصمها الرئيسي.
ولتحقيق ذلك، ينبغي لباكستان أن تحافظ على دورها المحوري وفاعليتها والتزامها، من دون أن تبدو منحازة بالكامل أو متخلية عن حرية خياراتها الإستراتيجية. وعملياً، يعني ذلك أن تسهم في جعل استهداف السعودية أكثر صعوبةً وكلفةً، وأن تعمل في الوقت نفسه على تقليص احتمالات اندلاع حرب إقليمية أوسع.
وهذا لا ينتقص من التزام باكستان، بل يجعله أكثر مصداقيةً.