منذ بدء التصعيد الإسرائيلي الأخير في 2 مارس 2026، نزح أكثر من مليون شخص داخل لبنان. وخلال أيام قليلة، صدرت أوامر تهجير غير قانونية وواسعة النطاق شملت كامل جنوب لبنان، وأجزاء من البقاع، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي مناطق تمثل مجتمعة نحو 14 في المئة من مساحة البلاد.
وجد لبنان نفسه عاجزاً عن استيعاب حجم الصدمة. فمن بين إجمالي النازحين، لم يتمكّن سوى نحو 136 ألف شخص من الحصول على مأوى ضمن مراكز إيواء جماعية نظمتها الدولة، يبلغ عددها قرابة 663 مركزاً، معظمها مدارس مكتظة أصلاً وتفوق قدرتها الاستيعابية. أما الغالبية، فاضطرت للاعتماد على ترتيبات غير رسمية، أو على المجتمعات المضيفة، أو على مواردها المحدودة.
تشكّل الكارثة الإنسانية المتفاقمة في لبنان اليوم أزمة مزدوجة: أزمة حجم وأزمة مساءلة. فهي تعكس تداخل سياسات التهجير المتعمدة التي تنتهجها إسرائيل مع إخفاقات الحوكمة في لبنان، إلى جانب تراجع الاستجابة الدولية، وهي عوامل سبقت هذا التصعيد الراهن.
سياسة إسرائيلية متعمّدة للتهجير
تنطوي أزمة النزوح المستمرة على بعد إنساني ، وكذلك على تداعيات قانونية وسياسية عميقة. فمنذ 2 مارس، فرضت إسرائيل أوامر تهجير جماعية شملت جنوب لبنان، من دون توفير ضمانات للمرور الآمن، ما أجبر مئات آلاف السكّان على مغادرة منازلهم خلال وقت وجيزة. وبالنظر إلى نطاق هذه الأوامر وطريقة تنفيذها، فإنها ترقى إلى تهجير قسري وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني.
وزاد من قسوة ظروف النزوح أن الغارات الإسرائيلية استهدفت جميع الجسور الرئيسة التي تربط البلدات والقرى الواقعة جنوب نهر الليطاني ببقية الأراضي اللبنانية، ما أدى إلى عزل مناطق بأكملها وحرمان نحو 150 ألف مدني ممن بقوا في منازلهم من الوصول إلى المساعدات الإنسانية.
وتشير تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين إلى أهداف ذات طابع إقليمي أكثر منها أمنية. فقد أعلن وزير الدفاع إسرائيل كاتس أن السكان الشيعة الذين نزحوا لن يُسمح لهم بالعودة إلى جنوب الليطاني قبل استيفاء الشروط الأمنية الإسرائيلية، مضيفاً أن «جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود… سيتم تدميرها». وكان وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أكثر صراحة، إذ اعتبر أن الليطاني هو «الحدود الإسرائيلية الجديدة». وتلا ذلك توجيه من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتوسيع العملية البرية في جنوب لبنان. وتكشف هذه المواقف مجتمعة عن منطق إقليمي يحكم هذه الحملة.
في المقابل، أقرّ الرئيس اللبناني جوزاف عون بأن الإجراءات الإسرائيلية «ترسّخ واقع الاحتلال» و«تمدّده داخل الأراضي اللبنانية». أما رئيس الحكومة نواف سلام، فقد ركّزت استجابته على تقييد الدور العسكري لحزب الله. غير أن هذا التركيز يغفل أكثر من 15,400 خرق إسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في نوفمبر 2024 مع حزب الله.
وفي ظل هذا السياق من الانتهاكات المنهجية غير المعالجة، يجد أكثر من مليون نازح أنفسهم في مواجهة دولة تفتقر إلى القدرة السياسية والنفوذ الكافيين لفرض وصول المساعدات إلى الجنوب أو لمساءلة المسؤولين عن التهجير. كما تثير الإجراءات الراهنة، بما في ذلك انسحاب الجيش اللبناني من عدد من القرى الحدودية ومناطق في الجنوب، تساؤلات جدية عن مدى التزام الدولة بضمان حق العودة، وهو حق منصوص عليه في المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي ومكرّس في القانون الدولي الإنساني. ومن دون ضمانات باستعادة لبنان السيطرة على هذه المناطق، يبقى من اختار البقاء بلا حماية، فيما يظل النازحون من دون مسار واضح للعودة إلى قراهم.
فجوة الحماية في لبنان
لا يرتبط قصور استجابة لبنان على حجم النزوح، بل أيضاً باختلالات بنيوية مزمنة. إذ تفتقر البلاد إلى إطار قانوني خاص بالنازحين داخلياً، فضلاً عن غياب بنية تحتية مخصّصة للإيواء، وهو ما كان من شأنه أن يضمن حقوق النازحين، ويحدد استحقاقاتهم الرسمية في مجالات المأوى والمساعدة والحماية، ويُخضع أداء الدولة للمساءلة. أما وحدة إدارة مخاطر الكوارث، المكلّفة بتنسيق الاستجابة للطوارئ، فتعتمد إلى حد كبير على التمويل الخارجي، وتفتقر إلى الصلاحيات القانونية والموارد اللازمة لمواجهة أزمة بهذا الحجم.
وتتفاقم هذه القيود في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة، ولا سيما الانهيار المالي والنقدي عام 2019، الذي أضعف بشكل حاد قدرات الدولة. كما لم يتعافَ لبنان بعد من تصعيد عام 2024 مع إسرائيل، الذي خلّف أضراراً مادية تُقدّر بنحو 6.8 مليارات دولار. وحتى قبل التصعيد الحالي، حذّر مسؤولون من أن تشغيل مراكز الإيواء وتقديم الدعم للنازحين يتطلّب نحو 250 مليون دولار شهرياً، وهي كلفة تفوق بكثير إمكانات الدولة.
وكما حدث في عام 2024، امتلأت مراكز الإيواء سريعاً. فمن بين 399 مركزاً افتتحتها السلطات اللبنانية خلال الأيام الثلاثة الأولى من تصعيد مارس، بلغت 357 مركزاً طاقتها الاستيعابية القصوى بحلول 6 مارس. وقد سعت حكومة سلام إلى الاستجابة ضمن حدود إمكاناتها من خلال فتح المدارس والمباني العامة، إلا أن عبء تأمين المأوى انتقل في معظمه إلى النازحين أنفسهم.
عملياً، اعتمد لبنان منذ سنوات على نظام حماية هجين، تشارك فيه منظمات المجتمع المدني، ووكالات الأمم المتحدة، والشبكات غير الرسمية، والمبادرات المحلية، إلى جانب جهات غير حكومية توفر خدمات الرعاية والحماية. وقد اضطلع حزب الله تاريخياً بهذا الدور في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع. وفي الأزمة الحالية، عادت منظمات المجتمع المدني والمبادرات القاعدية لتؤدي دوراً محورياً في دعم النازحين، لا سيما أولئك العالقين في الجنوب، حيث تواجه الدولة والمنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إليهم.
ويضم النازحون سوريين وفلسطينيين ولاجئين من جنسيات أخرى، إضافة إلى عمال مهاجرين، معظمهم مستبعدون من الاستجابة الوطنية للأزمة. وعلى الرغم من أن ذلك لا يشكل سياسة معلنة، تشير تقارير إلى حصر مراكز الإيواء المدرسية بالمواطنين اللبنانيين، مع رفض لاجئين ومهاجرين على أساس الجنسية. ولم يتمكن سوى عدد محدود من العمال المهاجرين النازحين من إيجاد مأوى في الكنائس، فيما يتلقى الفلسطينيون مساعدات محدودة عبر وكالة الأونروا. وبصورة عامة، يظل اللاجئون والعمال الأجانب في وضع «شديد الهشاشة» إزاء تداعيات الحرب، ما يعكس نمطاً أوسع من الحماية المجزأة، حيث يُحدد الوصول إلى المساعدة وفق الجنسية والوضع القانوني لا مستوى الهشاشة.
ومع ذلك، لا يُستثنى المواطنون اللبنانيون أنفسهم من الضغوط، إذ تعتمد القوى الأمنية إجراءات تدقيق أمني للنازحين عند مراكز الإيواء وعلى طرق النزوح، ما يضيف أعباءً إضافية على فئة تواجه أصلاً نظام حماية غير كافٍ. وتأتي هذه الممارسات في ظل تصاعد التوترات الاجتماعية بين النازحين والمجتمعات المضيفة، نتيجة إرهاق هذه المجتمعات، وتصاعد الخطاب المعادي للنزوح، ووقوع احتكاكات محلية تنذر بتعميق الانقسامات الاجتماعية والطائفية داخل المجتمع اللبناني.
تراجع الاستجابة الدولية
لطالما تمكّن التمويل الإنساني الدولي من الحدّ في فجوة الحماية بلبنان. فحتى خلال حرب عام 2024، أسهمت مساهمات المانحين الخارجيين في سد ثغرات أساسية في آليات الاستجابة الإنسانية للدولة. غير أن هذا التمويل شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، ولا سيما من جانب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. وفي الوقت نفسه، تواجه الدول الخليجية، التي شكّلت تاريخياً مصدراً رئيسياً للمساعدات الثنائية، ضغوطاً اقتصادية وأمنية خاصة بها في ظل الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل إيران. وعلى الرغم من استمرارها في تقديم الدعم الإنساني للبنان، لا يرقى هذا الدعم إلى مستوى التعويض عن انحسار التمويل الغربي. وحتى 28 مارس 2026، لم يُموّل سوى 29 في المئة من نداء الطوارئ العاجل الخاص بلبنان.
يقع أكثر من مليون نازح في لبنان عند تقاطع ثلاثة عوامل متداخلة: سياسات عسكرية متعمّدة، وتآكل قدرات الدولة، واستجابة دولية آخذة في الانحسار، في وقت يظل فيه الوصول إلى مأوى لائق وحق العودة إما غير مضمونين أو مُقوَّضين فعلياً. وستكون هناك حاجة إلى دعم إقليمي ودولي لإنهاء الحرب وتمكين لبنان من التعامل مع تداعياتها، غير أن غياب المساءلة الفعلية وعدم إحداث تحول جدي في السياسات وآليات الحماية، يهدّدان بتحويل أزمة النزوح في لبنان إلى واقع دائم.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.