تُعدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر مناطق العالم هشاشة أمام تغيّر المناخ. وقد حدّدها الفريق الحكومي الدولي المعني بتغيّر المناخ منذ سنوات كإحدى البؤر المناخية الساخنة في ظل شحّ المياه الحادّ، وارتفاع درجات الحرارة، وهشاشة المناطق الساحلية وأحواض الأنهار الكبرى، ومنها النيل ودجلة والفرات. لكن مستوى الهشاشة لا يتوزّع بالتساوي بين دول المنطقة كذلك الموارد المالية والمؤسسية المتاحة لمواجهتها.
وفي هذا السياق، تنشأ مفارقة أساسية في العمل المناخي بالمنطقة: كلما ازدادت هشاشة الدولة، ازدادت حاجتها إلى التمويل. لكن قدرتها المالية والمؤسسية هي التي تحدّد غالباً ما إذا كانت ستتمكن من الحصول على هذا التمويل واستخدامه. فعلى الرغم من تصميم الأُطر الدولية المخصصة لمساعدة الدول الهشّة على التخفيف من تأثير تغيّر المناخ والتكيّف معها، إلا أنّ حكومات هذه الدول عاجزة عن الوصول إلى التمويل، إلا إذا أعدّت استراتيجيات موثوقة، وطوّرت مشاريع قابلة للتمويل، وتعاملت مع آلياته المعقّدة، وأدارت موارده، وأثبتت قدرتها على التنفيذ. وهذا ما يمنح الدول الأخرى التي تمتلك هذه القدرات فرصة أكبر لجذب مزيد من الاستثمارات المناخية.
هذا ما يوسّع الفجوة بين دول الخليج الغنية والبلدان الأكثر هشاشة في بلاد الرافدين والمشرق، إذ تحكمها القدرات المتاحة أكثر مما تحكمها درجة التعرّض للمخاطر المناخية. فالسعودية والإمارات تمتلكان الموارد المالية، والمؤسسات الحكومية، ورأس المال الاستثماري اللازم لتمويل مشاريع الطاقة المتجددة واحتجاز الكربون وغيرها من المبادرات المناخية الكبرى، بالتوازي مع برامج تنويع اقتصادهما. في المقابل، يواجه العراق والأردن ضغوطاً مناخية حادّة، لكنهما يفتقران إلى كثير من الموارد المالية والمؤسسية اللازمة للتعامل معها بفاعلية.
يظهر هذا التفاوت بوضوح في التزامات الدول بموجب اتفاق باريس لعام 2015. فعلى الورق، تضع المساهمات المحدّدة وطنياً دول المنطقة ضمن الإطار المناخي الدولي نفسه، لكن قدرتها الفعلية على الوفاء بهذه الالتزامات تختلف بدرجة كبيرة. فالدول التي تمتلك قدرات مالية وإدارية واسعة تستطيع إدماج التزاماتها المناخية في استراتيجياتها الوطنية للتنمية وتمويلها محلياً. أما البلدان التي تعاني من قيود مالية حادّة، أو عدم استقرار سياسي، أو نزاعات، أو انعدام كبير للأمن في الموارد، تتوقف عملية تنفيذ التزاماتها في الغالب على الدعم خارجي الذي يصعب الحصول عليه.
تباين في القدرات
تُظهر دول الخليج مزايا القدرة المالية والمؤسسية. فقد تعهّدت المملكة العربية السعودية بتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2060 فيما رفعت الإمارات طموحاتها المناخية مراراً وقدّمت أهدافاً أكثر شمولاً لخفض الانبعاثات. كما استثمرت هاتين الدولتين بكثافة في الطاقة المتجددة والتقنيات منخفضة الكربون ضمن برامج تهدف إلى تنويع اقتصادهما على نطاق أوسع.
لكن استراتيجياتهما المناخية ما زالت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باقتصاديهما القائمين على النفط والغاز. فالسعودية تواصل مقاومة الجهود الدولية الرامية إلى التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، فيما تُخفّض الإمارات انبعاثاتها بالتوازي مع توسيع إنتاج النفط والغاز. تُثير هذه التناقضات أسئلة مشروعة عن مدى طموحهما المناخي لكنها تكشف أيضاً الفارق الأساسي في المنطقة، فهاتين الدولتين لا تحتاجان إلى الاعتماد بشكل أساسي على التمويل المناخي الدولي لتحويل استراتيجيتها إلى مشاريع. فكلتاهما تمتلك رأس المال والمؤسسات والخبرات التقنية والشركات المدعومة من الدولة اللازمة لتنفيذ الاستثمارات المناخية واسعة النطاق.
في المقابل يكشف العراق والأردن الوجه الآخر لهذه المعادلة. فعلى الرغم من الاختلاف الكبير بينهما، إذ يُعد العراق منتجاً رئيسياً للنفط بينما يفتقر الأردن إلى الموارد، يواجه البلدان صعوبة في وضع التزاماتهما المناخية موضع التنفيذ. لذلك تتمثل مشكلتهما المشتركة في محدودية القدرة المالية والمؤسسية أكثر من مشكلة امتلاكهما المحروقات أو غيابها بالتزامن مع تعرّضهما لضغوط بيئية شديدة.
وفي حين يلتزم العراق ضمن مساهماته المحددة وطنياً بخفض انبعاثاته بنسبة 22 في المئة بحلول عام 2035، على أن تكون نسبة الخفض غير المشروط 5 في المئة مما يجعل تحقيق معظمه رهناً بالحصول على الدعم الدولي. يتعهّد الأردن بإجراء خفض كبير في الانبعاثات، وبالتالي يبقى جانب واسع من هذه الالتزامات مشروطاً بتوفر الدعم الخارجي.
إذن المشكلة تتجاوز حدود التمويل، فالبلدان يواجهان ضغوطاً مناخية لا يمكن معالجتها بالسياسات المحلية وحدها. إذ تأتي نحو 60 في المئة من المياه العراقية من خارج حدوده، وخصوصاً من تركيا، مع تفاقم أزمة المياه العراقية نتيجة السدود المقامة في أعالي الأنهار وتراجع التدفقات. أما الأردن، فيواجه ندرة مائية هيكلية أشد، حيث يجري تحويل معظم التدفق التاريخي لنهر الأردن قبل أن يصل إلى أراضيه.
تكشف هاتان الحالتان خللاً في البنية الدولية للعمل المناخي القائمة على التزامات وطنية. فالعراق والأردن يستطيعان وضع أهدافهما الطموحة، لكن حكومتيهما لا تملكان سيطرة كاملة على الموارد اللازمة لتحقيقها، ولا على الظروف السياسية والأمنية التي تزيد هشاشتهما وتضعف قدرتهما على تحويل التعهّدات إلى مشاريع فعلية.
كذلك، تبيّن المقارنة أن الفجوة الإقليمية لا يمكن اختزالها في الثروة النفطية. فالعراق يمتلك موارد هيدروكربونية هائلة، لكنه أقل قدرة بكثير من السعودية والإمارات على تمويل السياسات المناخية وتنفيذها، فيما يكاد الأردن يخلو من هذه الموارد. وعلى الرغم من اختلاف بنيتيهما الاقتصاديتين، يواجه البلدان عقبات متشابهة. فالفرق بين منطقة الخليج وأجزاء واسعة من بلاد الرافدين والمشرق يتجاوز مسألة امتلاك الموارد، ويشمل قدرة الدولة على تحويل مواردها والدعم الخارجي الذي تتلقاه إلى عمل مناخي فعلي.
الهشاشة وحدها ليست المعيار
تظهر فجوة القدرات نفسها بشكل واضح أيضاً في الوصول إلى التمويل المناخي. فقد صُمّمت آليات دولية مثل «صندوق المناخ الأخضر» و«صندوق الخسائر والأضرار» لتوجيه الموارد إلى البلدان النامية التي تواجه آثاراً مناخية حادّة. لكن الأهلية الرسمية للحصول على الدعم لا تعني تلقائياً الحصول عليه، ولا القدرة على استخدامه بفاعلية. فمن أجل الحصول على التمويل المناخي الدولي، تحتاج الحكومات والمؤسسات المنفّذة إلى تحديد المشاريع، وإعداد التقييمات التقنية، واستيفاء شروط الممولين، وإنشاء أنظمة للمراقبة، والتنسيق بين الوزارات والشركاء الدوليين، وإثبات قدرتها على إنفاق الأموال بفاعلية. ومن الطبيعي أن يطلب المانحون والمستثمرون ما يثبت قدرة المشاريع على النجاح، لكن هذه الشروط تمنح الدول ذات المؤسسات الأقوى أفضلية منذ البداية.
هكذا تنشأ حلقة تُعيد إنتاج نفسها. فالدول ذات المؤسسات الأقوى تستطيع إعداد مشاريع موثوقة وقابلة للاستثمار، وجذب التمويل، وتنفيذ المشاريع بنجاح، ثم بناء سجل يجعل الحصول على استثمارات جديدة أسهل. أما الدول ذات المؤسسات الأضعف، فتُواجه صعوبة في إعداد المشاريع واستيعاب التمويل، حيث يزداد تردّد المموّلين في تخصيص موارد إضافية لها. وبذلك تُحدّد الهشاشة حجم الحاجة إلى التمويل المناخي، لكن القدرة المؤسّسية هي التي تُحدّد غالباً ما إذا كانت هذه الحاجة ستتحوّل إلى استثمار فعلي.
ويصبح الاختلال أشد وضوحاً في التمويل المناخي الخاص. فالمستثمرون التجاريون يفضّلون بطبيعتهم الأسواق التي تتمتع بأطر تنظيمية مستقرة، وشركاء موثوقين، ومشاريع قابلة للتمويل، وعوائد مقبولة. تمنح هذه الشروط الاقتصادات الأقوى والدول ذات الحوكمة الأفضل أفضلية واضحة. لذلك، تواجه البلدان الأكثر هشاشة مناخياً، والتي تعاني عدم استقرار سياسي أو ضعفاً مالياً أو بيئات تنظيمية غير مستقرة، صعوبة في جذب الاستثمارات الخاصة التي يُعوّل عليها بصورة متزايدة لتمويل التحول المناخي العالمي.
هنا تبرز أهمية التمييز بين التمويل المناخي العام والخاص، حيث من غير المتوقع أن يُوزّع المستثمرون الخاصون رؤوس أموالهم وفق درجة الهشاشة وحدها. فآليات التمويل المناخي الدولية أُنشئت جزئياً لأن قوى السوق لا تستطيع وحدها معالجة الهشاشة المناخية. لكن إذا انتهت هذه الآليات إلى تفضيل الدول التي أثبتت قدرتها على التنفيذ، فإنها قد تُكرّس أوجه عدم المساواة ذاتها التي أُنشئت أساساً للحد منها.
ردم الفجوة المناخية
لمعالجة هذه المشكلة، يجب ألا يقتصر دور التمويل المناخي على تمويل المشاريع، بل أن يشمل أيضاً بناء القدرات المؤسسية اللازمة لإعدادها وتنفيذها. ويعني ذلك في بلدان مثل العراق والأردن، دعم إعداد المشاريع، وتوفير الخبرات التقنية، وتعزيز المؤسسات الإدارية وأنظمة المراقبة والتنسيق بين أجهزة الدولة، إلى جانب تمويل البنية التحتية ومشاريع التخفيف من تغيّر المناخ.
وقد يكون الأجدى أن توظّف دول الخليج مواردها، بالتعاون مع المؤسسات متعددة الأطراف، لإنشاء آليات مخصّصة للتمويل الميسّر والمختلط تُعزّز قدرة المنطقة على مواجهة تغيّر المناخ. ويمكن للضمانات المدعومة خليجياً، ومرافق إعداد المشاريع، والقروض الميسّرة، والصناديق الإقليمية المخصصة للمناخ أن تتحمل جانباً من المخاطر السياسية والتنفيذية التي تثني المستثمرين عن الاستثمار، وأن تعزّز المؤسسات المحلية في الوقت نفسه.
هنا تستطيع دول الخليج الاضطلاع بدور إقليمي أكبر. فصناديق الثروة السيادية الخليجية، ومنها جهاز أبوظبي للاستثمار، والهيئة العامة للاستثمار الكويتية، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي، وجهاز قطر للاستثمار، تدير رؤوس أموال ضخمة. غير أن أهدافها التجارية تدفعها بطبيعتها نحو الفرص التي تحقق عوائد تنافسية. ولذلك، فإن مجرد مطالبتها بتحويل استثماراتها التجارية إلى العراق أو الأردن أو غيرهما من الدول المجاورة الأكثر هشاشة سيعيد إنتاج المشكلة نفسها التي تواجه التمويل المناخي الخاص.
أما الخيار الأكثر قابلية للتطبيق، فيتمثل في توظيف الموارد الخليجية بالتعاون مع المؤسسات متعددة الأطراف لإنشاء آليات للتمويل الميسّر والمختلط مخصّصة لتعزيز القدرة الإقليمية على مواجهة تغيّر المناخ. ويُمكن للضمانات المدعومة خليجياً، ومرافق إعداد المشاريع، والقروض الميسّرة، أو الصناديق الإقليمية المخصصة للمناخ أن تستوعب جانباً من المخاطر السياسية والتنفيذية التي تنفّر المستثمرين حالياً، وأن تُعزّز المؤسسات المحلية في الوقت نفسه.
من شأن هذا النهج أن يمنح القيادة المناخية الإقليمية أثراً أكبر من مجرد رفع سقف التعهدات. فدول الخليج لا تمتلك الموارد المالية فحسب، بل تمتلك أيضاً القدرة المؤسسية على تعبئة رأس المال، وتطوير المشاريع، وإدارة الاستثمارات الواسعة. وإذا وظّفت جزءاً من هذه القدرة إقليمياً، فقد تساعد في ردم واحدة من أبرز الفجوات المناخية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
تعترف أغلب الأطر الدولية للعمل المناخي بهذه الهشاشة بشكل صريح والمشكلة لا تكمن في تجاهلها. لكن الطريق من الهشاشة إلى التمويل لا يزال يمرّ إلى حد كبير بالقدرة المؤسسية. وما لم تُعالج منظومة العمل المناخي هذا التناقض، ستبقى الدول الأكثر قدرة على مواجهة تغيّر المناخ هي الأقدر أيضاً على جذب الموارد اللازمة لذلك، فيما تظل بعض الدول التي تواجه أخطر التداعيات الأقل قدرة في الحصول على الدعم الحقيقي الذي تحتاجه.