كيف استعادت دمشق شمال شرق سوريا، وماذا يعني الاندماج اليوم؟

بعد تعثّر المفاوضات، شنّت الحكومة المركزية السورية حملة عسكرية لفرض شروطها بالإكراه على قوات سوريا الديمقراطية بهدف تحقيق الإندماج، ويبدو أنها نجحت في ذلك.

4 فبراير، 2026
أوزغي غينج

شكّلت سوريا الممزّقة والمنهكة بالحرب مسرحاً لتحوّلات جيوسياسية دراماتيكية خلال العام الماضي، قادتها تطورات عسكرية مفصلية وسريعة. ففي ديسمبر 2024، اجتاحت قوّة تقودها هيئة تحرير الشام شمال غرب سوريا، وأنهت حُكم نظام الأسد الذي امتدّ لنصف قرن في أسابيع قليلة. وبعد أكثر من 12 شهراً، أطلقت الحكومة السورية الجديدة هجوماً خاطفاً أدّى عملياً إلى تفكيك سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات القيادة الكردية على جزء واسع من شمال شرق البلاد، وهي التي كانت تُسيطر، بدعم أمريكي، لأكثر من عقد.

 

لم يبدأ هذا التحوّل الأخير مع الهجوم المفاجئ في يناير الماضي، بل كان نتاج تعثّر مسار الاندماج الوطني الذي أُطلق في مارس 2025 بعد وصوله إلى طريق مسدود بسبب خلاف جوهري حول طبيعة إعادة التوحيد. فقد قُرئ اتفاق 10 مارس، الذي وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، على نطاق واسع باعتباره مساراً لإدارة مرحلة انتقالية. إذ نصّ على دمج في القطاع الأمني، وتسليم مرحلي لملفات إستراتيجية من بينها: المعابر الحدودية، والبنية التحتية للطاقة، وملف معتقلي تنظيم داعش، إضافة إلى ترتيب سياسي لاحق يهدف إلى تسوية الحقوق وقضايا المواطنة. لكنّ هذا الإطار كان هشّاً منذ بدايته، فالطرفين كانا يتعاملان مع مشكلات مختلفة جذرياً. لقد نظرت دمشق إلى الاندماج باعتباره وسيلة لاستعادة سيادة الدولة المركزية على كامل الأراضي السورية، ولا سيما من ناحية احتكار استخدام القوة، وتوحيد سلسلة القيادة العسكرية. في المقابل، فهمته قسد على أنه صفقة لتعزيز اللامركزية في بنية الحُكم، مع الحفاظ على بعض الحقوق الذاتية، وعلى قواتها العسكرية بوصفها تشكيلات متفردة داخل المنظومة العامة.

 

انتهت مهلة التنفيذ المحدّدة ضمن إطار الاندماج من دون التوصل إلى حل بنهاية عام 2025، فتضاءل هامش المناورة السياسية، وبات اللجوء إلى الإكراه المسار الأكثر ترجيحاً للخروج من حالة الجمود. وعندما استشرفت دمشق أنّ ميزان القوى قد انقلب بشكل حاسم لمصلحتها، شرعت في إعادة تعريف عملية الاندماج نفسها. وبدلاً من طرح التحدّي بوصفه مسألة لبناء دولة عادلة وشاملة، أُعيد تأطيره كحاجة ملحّة لفرض سيادة الدولة المركزية الإقليمية بالقوة.

 

أَطلق هذا التحوّل الاستراتيجي نُقطة فصل حاسمة مطلع يناير 2026. فقد أسهمت سلسلة اجتماعات رفيعة المستوى عُقدت في دمشق وباريس بضغط الجدول الزمني بدلاً من ترسيخه بشكل مُتزن، حيث أعلنت الحكومة السورية موقفها علناً على هيئة إنذار صريح: الاندماج أو القتال. والأهم أن واشنطن لم تعارض هذا التوجّه، بل ألمحت إلى استعداد متزايد للعمل على ذلك عبر الدولة السورية ورئيسها الانتقالي، بدلاً من الحفاظ على دور منفرد لقوات سوريا الديمقراطية ضمن النظام السوري في مرحلة ما بعد الحرب. في هذا السياق، انتهت محادثات الاندماج في دمشق يوم 4 يناير دون تحقيق اختراق ملموس. وبعد أيام قليلة، اندلعت اشتباكات في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، الخاضعين لسيطرة قسد وقوى الأسايش، ما رسّخ الانطباع بأن مسار الاندماج قد انزلق نهائياً من حيّز التفاوض إلى منطق فرض الأمر الواقع.

 

في منتصف يناير، وسّع الجيش السوري والفصائل المتحالفة معه نطاق عملياته في الشمال والشرق، مستولياً على مناطق ذات غالبية عربية من بينها الرقة ودير الزور، في وقتٍ انسحبت فيه قسد تحت ضغط عسكري متصاعد. وزاد من وطأة هذا الضغط انشقاق عشائر عربية عن قسد، ما كشف عن هشاشة الائتلاف الذي نشأ في لحظة مفصلية. ونتيجة لذلك، تقلّصت رقعة قسد الجغرافية على نحو ملحوظ باتجاه القلب الكردي في «روجافا»، حيث أعادت القيادة والقوات المتبقية التموضع في شمال الحسكة ومدينة القامشلي.

 

مع استنزاف العُمق الإستراتيجي لقسد وارتفاع كلفة التصعيد الإضافي، أعاد الطرفان ضبط حساباتهما. وأُوقف القتال بوساطة أمريكية بناءً على اتفاق مؤلف من 14 نقطة تضمّن تنازل غير مشروط عن الرقة ودير الزور، ورسم مساراً جديداً لعملية الاندماج. وعملياً، جرى تعليق إطار اتفاق 10 مارس، واستُعيض عنه بشروط أكثر تشدّداً فُرضت على قسد.

 

في هذا الإطار، وصف المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك هذه التطورات بأنها فرصة كبرى تنسجم مع تحوّل واشنطن في كيفية إدارة الملف السوري لتكون عبر دمشق. في الوقت نفسه، تحرّكت الحكومة المركزية لتعزيز شرعيتها في الأوساط الكردية السورية. ففي 16 يناير، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 13 لعام 2026، منح فيه الجنسية لأكراد مكتومي القيد، ومعترفاً باللغة الكردية كـ«لغة وطنية»، مُعلناً عيد نوروز، عيد رأس السنة وبداية الربيع، عطلة وطنية رسمية. تلا ذلك خطوات تنفيذية في 26 يناير، حيث أصدرت وزارة التربية السورية تعليمات لتطبيق مناهج اللغة الكردية وتدريب الكوادر التعليمية. جاءت هذه الإجراءات لتؤكد منطق المسارين المتوازيين: ضمّ قسري للسيطرة على الأرض، يُقابله اعتراف انتقائي بالحقوق تُديره الدولة من أعلى.

 

وعلى الرغم من تمديد الهدنة الأولية التي استمرت أربعة أيام مرّتين متتاليتين بهدف تسهيل نقل معتقلي تنظيم داعش إلى العراق بتنسيق أمريكي، ظلّ التوتر في تصاعد مع مواصلة الحكومة السورية حشد قواتها حول المناطق الكردية المتبقية، مقابل تشديد قسد خطوطها الدفاعية. وقد أدّى هذا التطويق إلى موجة «إعادة إحياء الصدمة» في أوساط المجتمعات الكردية، مستحضراً ذكريات حصار كوباني في عامي 2014 و2015 على يد تنظيم داعش، الذي كاد أن ينتهي آنذاك بإبادة كاملة.  وفي عام 2026، عكست الضغوط العسكرية المتزايدة بالنسبة إلى الأكراد خطر المحو الديمغرافي والسياسي في مرحلة ما بعد الحرب. غير أن هذا الخوف الحاد من الإقصاء الذي عايشته المجتمعات المحلية وتردّد صداه عالمياً عبر احتجاجات الجاليات الكردية وتعبئتها أَسهم، في المقابل، بتعزيز الحضور الجماعي والقدرة على الصمود والتفاوض.

 

في ظل هذا الوضع غير المستقر، أعلن الطرفان في 30 يناير التوصّل إلى اتفاق شامل يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار والبدء في عملية اندماج مرحلية. وقد نص الاتفاق على وقف الأعمال العدائية، وسحب القوات من خطوط التماس، ونشر وحدات أمنية تابعة لوزارة الداخلية في الحسكة والقامشلي، مع دمج قوى الأسايش المحلية ضمن هياكل الدولة. على الصعيد العسكري، أشار الاتفاق إلى وضع وحدات مختارة من قسد تحت القيادة السورية، بينما تنتقل الأسلحة الثقيلة والمعابر والحدود وحقول النفط والطرق الرئيسة إلى سيطرة الدولة. إدارياً، تُدمج المؤسسات الذاتية في أجهزة الدولة مع الإبقاء على الكوادر المدنية. كما يلتزم الاتفاق بتسوية الحقوق المدنية والتعليمية للأكراد، وتسهيل عودة المهجّرين، والإدارة المشتركة للمعابر والمطارات. ويمثّل هذا الاتفاق تسوية تفاوضية لحالة الجمود، تتضمّن تنازلات متبادلة، مع إعطاء الأولوية لمبدأ السيادة إلى الدولة السورية.

 

 

كيف انقلب مسار الاندماج؟

 

عند التعمّق في التحوّل الذي طرأ على مقاربة الحكومة السورية في يناير، يتّضح أن الانعطاف نحو توطيد السيطرة بالقوة استُلهمت من النموذج التركي في نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وأُتيحت عبره، وذلك من خلال ممارسة ضغط حاسم لإعادة تشكيل ميزان القوى على الأرض، ثم التفاوض من موقع القوة. وقد تبنّت دمشق هذا المنطق بالكامل على الرغم من هشاشتها البنيوية وحاجتها الملحّة إلى اكتساب الشرعية. وبدلاً من أن تؤدي هذه الهشاشة إلى قدر من ضبط النفس، عمدت الحكومة إلى ترسيخ موقعها عبر الاستخدام الحاسم للقوة.

 

في المقابل، اتّضح أن أوراق الضغط التي امتلكتها قوات سوريا الديمقراطية من السيطرة على النفط والحدود إلى ملف المعتقلين، هي أصول إستراتيجية غير منطقية، لا تكتسب فاعليتها إلا بقدر ما تحصل عليه من رعاية خارجية، ومن إبقاء الائتلاف المحلي متماسكاً. في هذه الحالة، انهار الركنان معاً: فواشنطن أشارت بوضوح إلى رعايتها المحدودة، فيما تآكلت التحالفات العشائرية الداخلية لـ”قسد” تحت ضغط التطويق الإقليمي المنسّق.

 

على خطّ مواز، زاد الموقف التركي من تعقيد الافتراضات الخطّية، حيث افترض الكثير أنّ مسار السلام الكردي الداخلي في أنقرة سيُقيّد سياستها تجاه سوريا. لكنّ ما حدث أظهر العكس، حين شجّعت أنقرة المقاربة الجديدة لدمشق. وبقي موقف التيار المتشدّد فيها ثابتاً: منع امتداد حزب العمال الكردستاني إلى سوريا، والإصرار على حلّ قسد ونزع سلاحها. لم تكن هذه الأصوات «صقورية» فحسب، بل كانت تستند إلى قراءة نمط إقليمي مألوف تنصهر فيه السيادة والوحدة، وتُساوى فيه اللامركزية بالتقسيم، ويؤطر الاعتراف الجماعي كحالة مشروطة تمنحها الدولة وتبقى تحت حمايتها، لا كحقّ مُنتزع بشقّ الأنفس.

 

خلاصة الأمر، لم ينته المشروع السياسي الكردي في سوريا بقدر ما تم التضييق عليه قسراً. فالانكماش السريع لسيطرته الإقليمية في الشمال الشرقي يشير إلى انتقاله من فترة أُتيح له فيها الفرصة الأكبر إلى فترة يجد نفسه فيها مقيداً أكثر، لكنه لا يزال مُهماً في مرحلة المفاوضات المبنية على أساس الحقوق.  كذلك، تبقى مسألة اختزال الحكم الذاتي الكردي في صلاحيات إدارية محلية، والترتيبات الأمنية الموضعية، والضمانات الثقافية مساحات للتنازع على أرض الواقع خصوصًا وأن اللاعبين الأكراد  أعادوا معايرة مواقعهم بديلاً عن الانهيار، وحافظوا على الأطر المؤسسية وقنوات التفاوض التي تجعل حضورهم غير قابل للتجاهل وكذلك حقوقهم.

 

 

الآن ماذا؟

 

قنّن اتفاق 30 يناير قناة التفاوض التي صمدت أمام التصعيدات في ذلك الشهر، واستبدل استقلالية قسد بشروط السيادة التي طرحتها دمشق. من الناحية المثالية، يمكن أن يتطوّر هذا المسار ليُصبح اندماجاً قائماً على الحقوق، تُثبّتُ فيه المناطق الكردية عبر حوكمة خاضعة للرقابة بضمانات ذات مصداقية، وتحويل مركز الثقل من بسط السيطرة الأمنية إلى  الأمن الإنساني وإعادة الإعمار التي يُمكن أن تكتسبها المجتمعات المحلية.

 

غير أن الحفاظ على هذا التوازن الهش يتطلّب أيضاً انضباطاً سردياً. فتصوير العملية بوصفها نصراً كاملاً أو هزيمة كاملة ينطوي على مخاطر إثارة أحقاد مستقبلية. وبديلاً عن ذلك، ينبغي فهم المرحلة الانتقالية والتواصل على أساس أنها حفظاً متبادلاً للوحدة من خلال استعادة السيادة دون محو الوجود السياسي الكردي، وصون الحقوق الكردية دون تقسيم إقليمي. ويشكّل هذا التماثل السردي عاملاً أساسياً للاستقرار في سياقات ما بعد النزاع.

 

في الجوهر، لا يمكن للاتفاق الذي تم مؤخرًا إلا أن يكون جسراً. فالهدوء يبقى مؤقّتاً دون إطار دستوري يُرسّخ الحقوق الثقافية، والحكم المحلي، والمشاركة السياسية ضمن قانون مُلزِم. والاندماج دون دَسترة ليس حلاً بقدر ما هو إدارة للمسألة. سيُحكم على النظام السوري في مرحلة ما بعد الحرب وفقاً لقدرته على تحويل الضغط القسري إلى تسوية سياسية تجد من يدافع عنها في المكوّنات المجتمعية دون العودة إلى السلاح، ولن يكون الحُكم على مدى فعاليته في إعادة بسط السيطرة المركزية لأن الارتداد إلى العنف ليس حتمياً، بل خيار سياسي، وبالإمكان تفادي العنف.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد: سوريا

المؤلف

زميلة زائرة
أوزغي غينج هي زميلة زائرة في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. وكانت سابقاً مديرة البحوث في مركز دراسات السياسة العامة والديمقراطية في مدينة إسطنبول التركية. وشغلت قبل ذلك منصب مديرة برنامج تحقيق الديمقراطية في المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية. وكانت أيضاً خبيرة أولى في مجال الحوكمة الديمقراطية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وفي مؤسسة التعليم… Continue reading كيف استعادت دمشق شمال شرق سوريا، وماذا يعني الاندماج اليوم؟