وضعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية مضيق هرمز في قلب معادلة الطاقة العالمية، ما أثار مجدداً مخاوف العواصم الأوروبية من هشاشة الاعتماد على مسارات إمداد أصبحت بمثابة رهينة للتوترات الجيوسياسية. ومع تراجع حركة ناقلات النفط عبر المضيق وارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 70 في المئة خلال الأسابيع التي أعقبت اندلاع الحرب، عادت الحكومات الأوروبية إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة.
في هذا السياق، برزت الجزائر مجدداً بوصفها أحد أبرز المستفيدين من التحولات الجيو-اقتصادية الراهنة. غير أن أهميتها الاستراتيجية لا ترتبط بقدرتها على تعويض صادرات الخليج المفقودة، بقدر ما تنبع من موقعها الجغرافي البعيد عن الاختناقات البحرية التي تربك الأسواق العالمية حالياً.
وقد عزّز ذلك من القيمة التجارية والاستراتيجية لموقعها داخل منظومة الطاقة الأوروبية، وفتح أمامها فرصة لتحويل الطلب المرتفع في المدى القصير إلى مكاسب أكثر استدامة. لكن هذه ليست المرة الأولى التي تجد فيها الجزائر نفسها أمام ظرف دولي مواتٍ. فقد شهدت البلاد محطات مشابهة سابقاً، من دون أن تنجح في تحويل العائدات الاستثنائية إلى نمو دائم في الإنتاج أو إلى إصلاحات هيكلية عميقة. وفي ظل المعطيات الداخلية الحالية، يبدو أن هذا السيناريو مرشح للتكرار مرة أخرى.
العائدات الاستثنائية
حققت الجزائر مكاسب تجارية مباشرة وملحوظة نتيجة إغلاق مضيق هرمز. فمع استقرار سعر خام برنت قرب مستوى 100 دولار للبرميل، والارتفاع الحاد في أسعار الغاز الأوروبية منذ اندلاع الحرب، ارتفعت عائدات الجزائر من المحروقات، التي تمثل أكثر من 90 في المئة من إجمالي إيرادات التصدير، بصورة لافتة. وتشير تقارير إلى أن شركة «سوناطراك» الحكومية سعت إلى استثمار زيادة الطلب عبر رفع أسعار أي كميات إضافية من الغاز الطبيعي المسال بنسبة تراوح بين 15 و20 في المئة، فيما رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الجزائري بنحو نقطة مئوية، واضعاً الجزائر ضمن أبرز المستفيدين من تداعيات الحرب.
تحاول الجزائر الحفاظ على هذا الزخم عبر تقديم نفسها كشريك طاقة أكثر استقراراً وموثوقية من دول الخليج، التي أصبحت خطوط إمدادها البحرية الرئيسية خاضعة عملياً لسيطرة البحرية الإيرانية، وارتفاع كلفة التأمين ضد مخاطر الحرب. وفي المقابل، يعمل خط «ترانسمد» الذي ينقل الغاز الجزائري إلى إيطاليا عبر تونس والبحر المتوسط، وخط «ميدغاز» الذي يربط الجزائر مباشرة بجنوب إسبانيا، بعيداً من المسارات البحرية المتأثرة بالأزمة، ما يمنحهما هامشاً أكبر من الاستقرار والأمان الجيوسياسي.
ولهذا السبب، سارع عدد من القادة الأوروبيين إلى تعزيز علاقاتهم مع الجزائر لضمان استمرار الإمدادات الحالية، وتوجيه أي كميات إضافية نحو أوروبا بدلاً من أسواق أخرى باتت أكثر تنافسية وشُحاً في هذا القطاع. من هذا المنطلق، زارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني الجزائر في 25 مارس، في ثاني لقاء لها مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون منذ تولّيها منصبها، فيما اجتمع وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بنظيره الجزائري في اليوم التالي مباشرة.
في هذا الإطار، زارت دوبرافكا شويسا المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، العاصمة الجزائر يومي 4 و5 مايو وعقدت اجتماعات رفيعة المستوى شملت مباحثات في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والهجرة، بما في ذلك جلسة عمل مع وزير الطاقة والمناجم، محمد عرقاب، ركزت خلالها على شراكة الطاقة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر.
كذلك، شهدت العلاقات الجزائرية-الإيطالية خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً. فقد أسفرت القمة الحكومية المشتركة التي عُقدت في روما في يوليو 2025 عن توقيع أكثر من أربعين اتفاقاً ثنائياً، فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 12.9 مليار يورو خلال العام نفسه، ووصلت الاستثمارات الإيطالية المباشرة في الجزائر إلى 8.5 مليارات يورو، ما جعل الجزائر الشريك التجاري الأول لإيطاليا في أفريقيا. كما استعادت العلاقات مع إسبانيا قدراً من الاستقرار بعد القطيعة الدبلوماسية التي اندلعت عام 2022 إثر دعم مدريد لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية، وهو الموقف الذي رفضته الجزائر بشدة. وتمتلك «سوناطراك» حصة بنسبة 51 في المئة في خط «ميدغاز»، ونحو 4 في المئة من أسهم شركة الطاقة الإسبانية «ناتورجي»، فيما شكّل الغاز الجزائري 29 في المئة من إجمالي صادرات إسبانيا من الغاز خلال الشهرين الأولين من عام 2026.
لكن تصوير الجزائر باعتبارها «صمام أمان» لأوروبا لا يعكس بدقة طبيعة دورها الحقيقي. فأهمية الجزائر في الأزمة الحالية لا تكمن في قدرتها على تعويض صادرات الخليج بالكامل، بل في ما توفره من أمن للإمدادات واستقرار لمسارات النقل. وتبرز الحالة الإيطالية أهمية هذا العامل بوضوح، إذ تعتمد إيطاليا على الغاز في أكثر من 40 في المئة من إنتاج الكهرباء، أي أكثر من ضعف متوسط الاتحاد الأوروبي البالغ 17 في المئة، فيما تؤمّن الجزائر نحو 30 في المئة من استهلاكها السنوي من الغاز.
ومع ذلك، فإن هذه العلاقات المتشابكة مرشحة للاستمرار حتى بعد انحسار الأزمة الحالية، غير أن تدفقات الغاز التي تقوم عليها هذه العلاقات تبدو مستقرة أكثر مما هي مرشحة للنمو. فعلى الرغم من تعهّد الجزائر بزيادة صادراتها خلال أزمة الطاقة الأوروبية التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، تراجعت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الجزائري من 37 مليار متر مكعب عام 2021 إلى 32 مليار متر مكعب عام 2024، ما يكشف استمرار القيود التي تحدّ من القدرة التصديرية للجزائر حتى في ظل ظروف جيوسياسية مواتية.
لذلك، وعلى الرغم من أن الجزائر بعيدة نسبياً عن مخاطر الاختناقات البحرية، تبقى قدرتها محدودة على تعويض الصادرات الخليجية المعطّلة. وتشير بعض التقديرات إلى أن الزيادة المحتملة في الإمدادات الجزائرية خلال عام 2026 قد تراوح بين 4 و8 مليارات متر مكعب فقط، وهي زيادة تبقى أقل بكثير من حجم النقص الناتج عن تراجع التدفقات الخليجية، بما في ذلك تأثير الضربة التي استهدفت منشأة رأس لفان القطرية، والتي أفقدتها نحو 17 في المئة من قدرتها التصديرية وأدت إلى إعلان حالات قوة قاهرة أثّرت في العقود الأوروبية.
يكشف ذلك عن مشكلة أعمق من مجرد قدرة الجزائر على الاستفادة من الطفرة الاقتصادية الحالية. بالنسبة إلى بلد راكّم قطاعه النفطي والغازي عائدات كبيرة على مدى سنوات من دون أن ينجح في تحويلها إلى زيادة مستدامة في القدرة الإنتاجية، يبقى السؤال الأهم ما إذا كانت الجزائر قادرة هذه المرّة على تحويل الفورة المالية الراهنة إلى مكاسب تدوم لما بعد الأزمة. تاريخياً، لم تؤدِّ الفوائض النفطية والغازية في الجزائر إلى نمو موازٍ في قدرات الاستخراج والإنتاج، ما أبقى الاقتصاد الجزائري رهينة تقلبات أسعار الطاقة، بدلاً من أن يستند إلى زيادات مستقرة في الإنتاج.
صعوبة في تحويل الفرصة على مكسب
لطالما واجه الظرف الجزائر صعوبة في تحويل ارتفاع الطلب الخارجي إلى نمو مستدام في الإنتاج بسبب قيود داخلية مزمنة، ولا يبدو أن الظرف الحالي سيشكّل استثناءً عن هذه القاعدة. إذ يعمل خط أنابيب «ترانسمد»، الذي تبلغ طاقته الاسمية 33.5 مليار متر مكعب، عند نحو 63 في المئة فقط من قدرته. وفي الوقت نفسه، بلغ الاستهلاك المحلي للغاز 53.3 مليار متر مكعب عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 59.5 مليار متر مكعب بحلول عام 2034، مدفوعاً بالاعتماد الكبير على الغاز في إنتاج الكهرباء، ما يعني تقلّص الكميات المتاحة للتصدير تدريجياً.
كما يستند هذا النمو في الطلب المحلي إلى نظام دعم واسع، إذ يقدّر صندوق النقد الدولي أن أسعار الغاز المحلية في الجزائر تُعدّ من بين الأدنى عالمياً، وكانت في عام 2023 أقل بأكثر من 90 في المئة من مستوى تغطية الكلفة الفعلية. وتكلّف هذه السياسة الدولة نحو 4 مليارات دولار سنوياً، فيما يبقى إصلاحها سياسياً شديد الحساسية بسبب تداعياته الاجتماعية المحتملة.
تزداد المشكلة تعقيداً بسبب تقادم البنية التحتية الخاصة بتسييل الغاز. فعلى الرغم من ارتفاع إنتاج الغاز بنسبة 5 في المئة في يونيو 2025، خسرت الجزائر نحو 230 مليون متر مكعب من عائدات التصدير نتيجة أعطال تقنية متكررة في منشآت أرزيو، ما أدى إلى تراجع صادرات الغاز الطبيعي المسال من 6.95 ملايين طن خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2024 إلى 5.6 ملايين طن خلال الفترة نفسها من عام 2025. أما على مستوى الإنتاج، فقد أدى الإفراط في الاستغلال وضعف الاستثمار في حقل حاسي الرمل، العمود الفقري للبنية التحتية التصديرية الجزائرية، إلى تراجع أداء المكامن وانخفاض معدلات الإنتاج. ويتوقع محللون في القطاع أن يبلغ إنتاج الغاز المتاح ذروته بحلول عام 2027 قبل أن يدخل مرحلة من الركود أو الاستقرار المحدود.
يبرز أيضاً تهديد تنظيمي طويل الأمد. وبحسب تقديرات البنك الدولي، احتلت الجزائر المرتبة السادسة عالمياً بين الدول الأكثر حرقاً للغاز في عام 2024، في وقت يستعد فيه الاتحاد الأوروبي لتطبيق لوائح جديدة خاصة بانبعاثات الميثان اعتباراً من عام 2030، ما سيؤدي إلى فرض قيود إضافية على واردات الغاز مرتفعة الانبعاثات، ويضع الغاز الجزائري أمام تحدٍّ جديد داخل السوق الأوروبية نفسها التي تسعى الجزائر إلى تعزيز موقعها فيها.
مع ذلك، شهد عام 2025 مؤشرات على عودة الاهتمام الدولي بقطاع الطاقة الجزائري. فقد حصلت شركات كبرى، مثل «إيني» الإيطالية و«توتال إنرجيز» الفرنسية و«قطر للطاقة» و«سينوبك» الصينية، على رخص استكشاف ضمن أول جولة تراخيص تنظمها الجزائر منذ عام 2014. كما أعلنت «سوناطراك» خطة استثمارية بقيمة 50 مليار دولار للفترة الممتدة بين 2024 و2028، خُصّص أكثر من 70 في المئة منها لعمليات الاستكشاف والإنتاج. وأسفرت جولة التراخيص لعام 2025 عن منح خمسة من أصل ستة رقع مطروحة، في نتيجة بدت أكثر إيجابية بكثير مقارنة بجولة عام 2014، التي لم يُمنح خلالها سوى أربعة رقع من أصل 31. وفي أبريل الماضي، أطلقت الجزائر جولة جديدة شملت سبعة رقع استكشافية، على أن تُوقّع العقود الخاصة بها بحلول يناير 2027.
لكن الشكوك لا تزال قائمة بشأن مدى تحوّل هذه الاتفاقات الأولية مع الشركات الأجنبية إلى استثمارات فعلية. كما تواجه «سوناطراك» حالة مزمنة من عدم الاستقرار الإداري، بعدما تعاقب على إدارتها ستة رؤساء تنفيذيين خلال العقد الماضي، وهو معدل تبديل مرتفع أضعف، على الأرجح، القدرة على التخطيط طويل الأمد وضمان استمرارية الرؤية. أما البيئة الاستثمارية الأوسع، فما تزال تعاني من اختلالات بنيوية مرتبطة بعدم استقرار القوانين والتنظيمات، إذ تشكو الشركات الأجنبية من تغيّر القواعد بصورة متكررة، ومن ثقافة بيروقراطية تتقدّم فيها الاعتبارات السياسية باستمرار على الحسابات التجارية والاقتصادية.
نافذة مفتوحة نحو الاستدامة
يُمثّل الظرف الحالي بالنسبة إلى الجزائر لحظة تتقاطع فيها الفرص مع القيود البنيوية، وهي معادلة واجهتها البلاد مراراً في السابق. فقد أتاح إغلاق مضيق هرمز للجزائر فرصة تحقيق عائدات مالية استثنائية، كما عزّز الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري بوتيرة متسارعة.
وتشير جولات التراخيص الجارية ومفاوضات الاستثمار إلى أن الجزائر تحاول، على الأقل، استثمار هذه اللحظة وتحويلها إلى مكسب اقتصادي وهيكلي طويل الأمد. لكن ما إذا كانت هذه الجهود ستقود فعلاً إلى تغيير مستدام يبقى أمراً غير محسوم. فالتجارب السابقة لا تمنح الكثير من أسباب التفاؤل: إذ لم تنجح فترات ارتفاع العائدات النفطية والغازية، في معظم الأحيان، في إحداث توسّع حقيقي في القدرات الإنتاجية أو دفع إصلاحات مؤسساتية عميقة. كما أن الضغوط المالية والتزامات الدعم الحكومي التي قيّدت المحاولات السابقة لا تزال قائمة حتى اليوم، إلى جانب الاختلالات البنيوية التي لطالما أعاقت تحقيق نمو مستدام في الإنتاج. صحيح أن الفرصة تبدو متاحة اليوم، لكن التجربة الجزائرية تُظهر أيضاً أن مثل هذه النوافذ لا تبقى مفتوحة طويلاً.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.