صورة صادرة عن المكتب الإعلامي للديوان الأميري الكويتي للدورة (45) للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي، 1 ديسمبر 2024، مدينة الكويت. (تصوير: الديوان الأميري الكويتي / وكالة فرانس برس)

ستٌّ أم ستٌّ في كتلة؟ 

بغضّ النظر عن تعدّد سرديات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما تسوّقه من مبرّرات وحجج. ما يهمّنا ليس من انتصر ومن خسر؟ بل في قراءة ما بعد الحرب. إذ نتساءل نحن الخليجيين: هل ستستمرّ دول الخليج في العمل كستّ دول لديها كتلة؟ أم سيتطور التعاون إلى كتلة موحدّة بداخلها ست دول قادرة على مواجهة نظام إقليمي يزداد اضطراباً؟

16 مارس، 2026
سلطان محمد النعيمي

لعلّ القارئ يتساءل، منذ الوهلة الأولى، عن ماهية هذا العنوان ودلالاته؛ وهو ما سيتجلّى من خلال السطور الآتية، التي ستكون محصلة لفهم دلالات هذا العنوان. 

 

ومع تجاوز الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يومها الخامس عشر، وبالرغم من الضبابية التي تحوم حول موعد انتهاء هذه الحرب؛ يتجلّى واضحًا استعداد كل طرف للتسويق لسرديته الخاصة المتعلقة بمفهوم الانتصار والهزيمة؛ حسب قراءة كل طرف على حدة؛ فالسردية الأمريكية ترتكز على فكرة تحقيق هدف استراتيجي، يتمثل في تدمير الجزء الأكبر من القدرات العسكرية الإيرانية، وإضعاف بنيتها الردعية، وطمس برنامجها النووي، وهو ما عبّر عنه دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، حين أشار إلى أن الولايات المتحدة دمّرت “مئة في المئة” من تلك القدرات، وأن جزءًا كبيرًا من المهمّة قد تمّ إنجازه قبل الموعد المحدد.  

 

أما السردية الإسرائيلية؛ فتركز على تحقيق إنجاز أمني غير مسبوق يتمثل في إبعاد التهديد الإيراني المباشر، وإعادة رسم معادلة الردع في المنطقة؛ بما يقلّص من قدرة إيران على تهديد إسرائيل في المدى المنظور. وفي المقابل ترتكز سردية النظام الإيراني على الصمود في وجه الضربات؛ وتقديم الحرب بصفتها مواجهة وجودية مع “تحالف خارجي”، مع تأكيد أن إيران –وتحديدًا النظام لا تزال تحتفظ بقدرتها على الرّد والمناورة السياسية. وقد ظهرت بعض ملامح هذه المقاربة في تصريحات عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، التي حدّد فيها شروط التفاوض، ووقف إطلاق النار. 

 

وبغضّ النظر عن تعدد هذه السرديات، وما تسوقه من مبرّرات وحجج؛ فإن ما يهمّنا اليوم ليس من انتصر ومن خسر وفق تعريف كل طرف، بل قراءة لما بعد الحرب؛ أي اليوم التالي لها، الذي لا يعني بالضرورة الوصول إلى حلول جذرية تنبثق منها حالة من الاستقرار والتعاون البناء في المنطقة، وهو ما تصادق عليه تصريحات من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي بأن ما يدور اليوم لا بدّ من أن يكون جذريًّا؛ لا أن يتم القيام مرة أخرى بعمل عسكري كل سنتين، ومن ثم؛ فإن هذه المنطقة في حال استمرار النظام الإيراني وفق نهجه الحالي– مرشحة لجولة، بل جولات أخرى من التصعيد، في ظل عامل آخر مهم جدًّا، وهو بقاء القضية الفلسطينية على ما هي عليه، واستمرار الممارسات الإسرائيلية، والتعنّت في الوصول إلى اتفاق جذري لحل الدولتين، الذي يبقي بدوره القضية الفلسطينية وقودًا للتنظيمات الإرهابية وأداة في يد من يحاول الاستمرار في التدخل بشؤون المنطقة. 

 

وسواء تحقق الاستقرار الذي ننشده؛ أم ظلت مؤشرات التصعيد قائمة؛ فإن منطقة الخليج ودوله العربية من المنطقي ألا تنتظر تفاعلات الآخرين ومخرجاتهم للاتساق معها، بل وجبت إعادةُ قراءة الموقف الخليجي تجاه مصير دوله ومستقبلها، ليس بصفتها خيارًا سياسيًّا عابرًا، بل بصفتها ضرورة استراتيجية للاستعداد لمرحلة إقليمية قد تكون أكثر تعقيدًا من سابقتها، في ضوء تغيرات جذرية تشهدها المنطقة على مستوى موازين القوة، ومعادلات الردع، وإعادة هيكلة واضحة لارتباط مصالح المنطقة بالعالم الخارجي.  

 

الواقعية بعيدًا عن العاطفة، واشتباكاتها مع قرارات لا تبنى وفق أسس متينة؛ لا بدّ من أن تكون الأساس في نظرتنا المستقبلية إلى دول الخليج. ولعلّي هنا أميّز بين المرتكزات الجوهرية، والعوامل المساعدة الأخرى على تعزيز تلك المرتكزات.

 

وبنظرة واقعية، نعم هناك مشتركات حقيقية وقوية جدًّا بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مثل الجوار الجغرافي، والعادات والتقاليد، والتاريخ المشترك، وشبكة واسعة من العلاقات العائلية والنسب، وجميعها مهمّة لا شكّ في ذلك، ولكن لنكون واقعيين أكثر في عالم شديد التغيّر والتعقيد، وتجلي مساحات الاستقطاب، وتقلبات التحالفات؛ فإن المصير المشترك بين دول الخليج لا بدّ من أن يكون المرتكز الأساسي في التعامل بينها؛ مستدركةً بأن ما يهدّد بانهيار أي نظام حكم في هذه الدول الست، وعقدها الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم؛ سينعكس مباشرة على بقية الدول.

 

ومع التسليم المطلق بهذا المصير المشترك؛ لا بدّ من أن ننطلق جميعًا إلى مفهوم التكامل في العلاقة، الذي يعني أن أي حراك من أي دولة خليجية باتجاه قضية معيّنة في السياسة الخارجية ما هو في الحقيقة إلا مكمّل لبقية الأدوار المختلفة، يرسم ملامح تحركه مركزية المصير المشترك، والسياسة الخارجية المشتركة 

 

وبالانتقال إلى مجال التكامل في المنظومة العسكرية والأمنية؛ فمن منّا في دول الخليج لم يتمنَّ أن يسمع في هذه الحرب الدائرة جملة “منظومة الدفاع الخليجي المشترك تتعامل بنجاح مع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية”؟ وبيانًا يخرج من قيادة العمليات الخليجية المشتركة يؤكد أن أي اعتداء على دولة خليجية هو اعتداء على الجميع؛ ليؤكد تكامل منظومة الرادارات والدفاع الجوي؛ لنرى لاحقًا تكاملًا وتخادمًا بين الصناعات العسكرية، والعمل معًا على “خلجنة” الصناعات العسكرية وفق تكامل عسكري يفرضه المصير المشترك. 

 

التكامل الاقتصادي، وتعزيز المشروعات الاقتصادية الاستراتيجية المشتركة داخل أراضي دول الخليج، ومشروعاتها المشتركة في الخارج، تضيف متانة أخرى للمصير المشترك؛ فالنظرة الواقعية تؤكد كيف يلعب العامل الاقتصادي دوره في القرار السياسي. 

 

وهنا نأتي لنربط الواقعية بعنوان هذا المقال، ونتساءل نحن الخليجيين: هل نحن ست دول لدينا كتلة، أم نحن كتلة بداخلها ست دول؟  

 

إن هذا المصير المشترك، ونظرتنا الواقعية له، يحتمان علينا أيضًا أن ننظر إلى تحالفاتنا، سواء الإقليمية أو الدولية، نظرة مبنية على الالتقاء مع الآخر وفق مصلحة استراتيجية عليا تربطها مصالح مشتركة؛ تلزم الآخر الحفاظ عليها انطلاقًا من أهمية هذه المصالح، وانعكاساتها على سياسته واقتصاده، وبالتالي فإننا نرى أن البعدين العربي والإسلامي في الجانب العاطفي، وتمحيصه بالواقعية، من العوامل المساعدة، ورهينة للعاطفة المتقلبة؛ خصوصًا إذا امتزجت بنوع من التناقضات، وتداخل البعد العربي مع الإسلامي لتحديد الموقف؛ كما يحدث الآن في الموقف تجاه الهجمات الإيرانية الغاشمة على دول الخليج، ومزج ذلك بالهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران، وهو ما يوحي حقيقة بضرورة أن تنظر دول الخليج؛ انطلاقًا من مصيرها المشترك؛ إلى أن عامل البعدين العربي والإسلامي ليس مسلًّمًا به حين تبنى التحالفات والمصالح المشتركة؛ بل بعدِّها مساعدة، وضرورة وضوح قواعد تلك التحالفات، وما يلقى على عاتقها. 

 

ولعلّ القارئ الكريم يطرح تساؤله الوجيه بأنه حتى المصالح متغيّرة، وهو محقٌّ في ذلك؛ غير أن هذه المصالح قابلة للقياس والمعالجة؛ وليست عوامل عاطفية من الممكن تغيّرها وتقلّبها إذا لم تكن محكومة بمصلحة الدولة، ومصير سياستها واقتصادها. 

 

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن دول الخليج تقف أمام لحظة تاريخية يمكن أن تتحول فيها فكرة المصير المشترك من مجرد إيمان بمبدأ إلى خطوات عملية على الأرض؛ فالعوامل الثقافية والحضارية المشتركة، من دين ونسب وقرب جغرافي، كما أسلفنا، تظل عناصر مهمّة تعزّز التقارب، ولكنها تبقى في نهاية المطاف عوامل مساعدة لغاية أكثر وضوحًا وأهمية: البقاء والازدهار الجماعي.

 

إن التاريخ الحديث للعلاقات الدولية يثبت أن التحالفات الأكثر صلابة هي تلك التي تُبنى على مصالح استراتيجية واضحة، لا على العواطف وحدها؛ فالدول تتقارب عندما تتقاطع مصالحها الجوهرية في الأمن والاستقرار والازدهار؛ لا عندما تكتفي باستحضار الروابط الرمزية. 

 

ولذا؛ فإن الدرس الأبرز، الذي يمكن لدول الخليج استخلاصه من هذه الحرب، يتمثل في ضرورة الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الكتلة الاستراتيجية؛ كتلة قادرة على توحيد الرؤية تجاه التحديات الأمنية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتنسيق المواقف السياسية في مواجهة الأزمات الإقليمية.

 

ومنذ أن استشعر القادة المؤسّسون في دول مجلس التعاون الخطر المحدق بمنطقتنا في الخليج أسّسوا مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981م، فهل بعد كل المخاطر التي واجهناها ونواجهها وسنواجهها نحن ستّ لدينا كتلة أم كتلة تضم ستّ دول؟  

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: السياسة الأمريكية الخارجية، العلاقات الإقليمية
البلد: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

المدير العام لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
سعادة الدكتور سلطان محمد النعيمي هو المدير العام لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبوظبي. يحمل درجة الدكتوراه في الفكر السياسي، وعمل في المجال الأكاديمي أستاذًا مشاركًا وعضو هيئة تدريس في جامعة أبوظبي . يتركز عمله على البحوث الاستراتيجية والسياسات العامة والشؤون الإقليمية والدولية، حيث يسهم في إثراء الحوار الفكري وتحليل السياسات في دولة الإمارات… Continue reading ستٌّ أم ستٌّ في كتلة؟