سيطرت حركة «أنصار الله»، المعروفة بالحوثيين، خلال أيام قليلة على كامل الساحل الغربي لليمن وجزره الرئيسية، في تطور مقلق وإن لم يكن مفاجئاً. وعزّزت هذه السيطرة قبضة إيران وحلفائها الإقليميين على اثنين من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، باب المندب ومضيق هرمز، ما منحهم أوراق ضغط إضافية على خصومهم وعلى حركة الملاحة الدولية.
يكتسب توقيت هذا التقدّم أهمية خاصة، إذ يأتي فيما تعيد المنطقة ترتيب موازينها. فالحرب مع إيران، والمفاوضات الأمريكية-الإيرانية، والنقاشات الناشئة بشأن أمن الممرات البحرية وإدارتها، تخلق حوافز جديدة وتوسّع تصورات الأطراف لما يمكن تحقيقه. ويبدو أن الحوثيين يريدون تحسين موقعهم قبل أن تفضي هذه السيولة إلى جمود جديد، والأهم قبل أن تتوصل واشنطن وطهران إلى ترتيبات قد تطال اليمن من دون مشاركتهم.
تنطوي التحولات الكبرى في البيئة الاستراتيجية بطبيعتها على مخاطر. فهي تغيّر نظرة الأطراف إلى التهديدات، وتبدّل اصطفافاتها، وتشجّع بعضها على اختبار حدود قوته، فيما تدفع البعض الآخر إلى بناء تحالفات لاحتواء المخاطر. وما قد يراه الوسطاء فرصة نادرة للحوار، قد يراه المتحاربون فرصة عابرة للدفع بأجنداتهم بقوّة أكبر قبل أن تستقر المعادلات الجديدة. ومع إعادة جميع الأطراف حساباتها، يزداد أيضاً خطر أن يسيء أحدها قراءة خصومه، أو أن يبالغ في تقدير مدى توافق أهدافه مع أهداف حلفائه.
في هذا السياق، تمثّل التطورات العسكرية الجارية في اليمن أحد تجليات هذه الديناميكية بعد سنوات من الجمود النسبي. ومن المرجح أن يستمر هذا الاضطراب لبعض الوقت قبل أن يتشكل توازن جديد، ولذلك لا يزال من المبكر تحديد من بالغ في التمدّد أو أخطأ في حساباته. وتختلف الظروف الحالية في جوانب مهمة عما كانت عليه في ديسمبر ويناير، عندما أعقب التقدّم السريع للمجلس الانتقالي الجنوبي في شرق اليمن تراجع بالسرعة نفسها. لكن تلك التجربة أظهرت كيف يمكن لمكسب يبدو حاسماً أن ينقلب سريعاً وعلى نحو غير متوقع.
استيلاء الحوثيين على هذه المناطق لم يفاجئ المراقبون الذين تابعوا استعداداتهم خلال الأشهر الماضية. فمنذ ستة أشهر على الأقل، أعلنوا علناً أنهم يستعدون لمعركة، فيما جرت عمليات واسعة للتعبئة والتجنيد. لكن ذلك لا يستبعد انقلاباً سريعاً في الموازين. ولا يمكن أن يحدث مثل هذا الانقلاب إلا إذا توافر شرطان على الأقل: قوة منافسة على الأرض ذات قيادة متماسكة، واستراتيجية عسكرية مرنة، وعقيدة عسكرية توجّهها وتوحّدها؛ ودعم كبير وموثوق يصل في الوقت المناسب من قاعدة واسعة من الحلفاء، قبل أن يتحصّن الحوثيون في الجبال، ويقطعوا خطوط الإمداد، ويثبّتوا سيطرتهم.
ربما لم تنجح الحكومة اليمنية في التقدير السليم حين رتّبت أولوياتها وأعطت دعم الحلفاء وزناً أكبر. فبدلاً من أن تركّز بما يكفي على تعزيز قدراتها الداخلية، نجحت في تسويق حجّتها التي كانت محقّة فيها والتي تمحورت حول ضرورة استقرار اليمن لاستقرار المنطقة والاقتصاد العالمي. وقد تبنّت قوى دولية وإقليمية هذه الحجة، ودعم الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والسعودية جهود تقوية الحكومة. لكن يبدو أن الحكومة قرأت هذا الدعم كما لو أنه التزام من تلك القوى بأن تخوض معركتها بالنيابة عنها، وتفهم تضاريسها المحلية، وترتّب استراتيجيتها العسكرية.
لهذا تجاوزت خسارة الحكومة المركزية اليمنية حدود الهزيمة العسكرية. فالتراجع في ساحة الحرب أمر مألوف، لكن الخسارة الأشد أثراً كانت سياسية. فقد شاهد اليمنيون الذين ظلوا متمسكين بأمل استعادة جمهوريتهم وإعادة قدر من الأمن إلى بلادهم قيادة تتفكك، وخطوط اتصال تنقطع، وقوات تنسحب في فوضى. وأظهرت مقاطع مصوّرة جنوداً فارّين عند بوابات عدن ويُجبرون على تسليم أسلحتهم قبل الدخول. وقد يصعب على الحكومة بعد ذلك استعادة صدقيتها لدى أنصارها وحلفائها.
أما الحوثيون، فتنظر إليهم القوى الإقليمية أساساً بوصفهم تهديداً ينبغي احتواؤه. وتمنحهم هذه النظرة هامشاً لتخفيف الضغط عن أنفسهم، سواء عبر خفض التصعيد مؤقتاً أو إظهار قدر من ضبط النفس. فدول المنطقة لا تزال حريصة على الحد من دائرة التهديدات الآخذة في الاتساع، بعدما بات تحمّل كلفتها أكثر صعوبة.
لكن من دون تغيير أساسي في ميزان القوى العسكري، قد يعيد أي تدخل خارجي إنتاج دورة مألوفة، حيث تدفع المسيّرات والقوة الجوية الحوثيين من السهول الساحلية المكشوفة نحو الجبال الممتدة بمحاذاة الساحل، ثم يعودون إليها لاحقاً. وهكذا قد يتقدّم خط الجبهة ويتراجع وفق ما تفرضه الجغرافيا أكثر من أي عامل آخر.
يصعب تثبيت السيطرة على سهل تهامة الساحلي من دون السيطرة على الجبال المشرفة عليه وتأمين خطوط الإمداد التي تربط تعز أو عدن بالساحل. ولهذا اشتد القتال على مناطق مثل جبل النار وحيس، وعلى المرتفعات الموازية لساحلي الخوخة والمخا والمشرفة عليهما. ولهذا أيضاً اكتسب السيطرة على معسكر خالد بن الوليد، أحد أكبر المنشآت العسكرية في اليمن والمتمركز على امتداد هذه الدفاعات الطبيعية، أهمية خاصة. والحوثيون أبناء بيئة جبلية، وقد راكموا خبرتهم القتالية في المرتفعات الوعرة شمال البلاد، لذلك تناسبهم المعارك الجبلية أكثر، فيما يكشفهم القتال على الساحل. وقد تبقى الجبهة عرضة للتقدم والتراجع من دون نتيجة حاسمة ما لم تتوافر الظروف اللازمة لتغيير ميزان القوى العسكري.
لماذا المخا؟ ولماذا الآن؟
منذ توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة في 17 يونيو، أظهر الحوثيون ثقة متجددة ورفعوا سقف مطالبهم تجاه السعودية. لكن يبدو أن الهجوم الأخير يتجاوز السعي إلى انتزاع تنازلات من الرياض. فقد تحركوا قبل الانتخابات النصفية الأمريكية، وقبل أن تتوصل واشنطن وطهران إلى أي ترتيب يمكن أن يمضي من دونهم، لأنهم يريدون أن يكونوا طرفاً في أي صفقة قد تنشأ.
كما تحركوا في لحظة استراتيجية مواتية. فقد أظهرت السعودية قدرتها على تحمّل قدر كبير من الضغط قبل اللجوء إلى عمل عسكري واسع من جانب واحد، فيما لا يزال اتفاق مكة للدفاع المشترك والتحالف البحري الناشئ بحاجة إلى وقت قبل أن يدخلا حيز التنفيذ. ولذلك أتاحت العملية الخاطفة للحوثيين وإيران فرصة لتغيير الوقائع على الأرض قبل أن تترسخ هذه القيود.
هذا يفسّر أيضاً لماذا لم ينجر الحوثيون بسهولة إلى الجبهات الأخرى التي حاولت الحكومة تنشيطها، ومنها الجوف والبيضاء. فقد ركّزوا على المخا، ولم تصرفهم عنها حتى مأرب، الغنية بالنفط والغاز والتي طالما سعوا إليها، ولا مدينة تعز، على الرغم من أن السيطرة عليها كانت ستفتح الطريق إلى المخا لكنها كانت ستستغرق وقتاً أطول بكثير. وعلى خلاف التوقعات، اختاروا جبهة شديدة التحصين تدافع عنها «المقاومة الوطنية» المجهزة والمدربة جيداً، على الرغم من إدراكهم أن السيطرة على هذا الساحل ستثير قلق قوى دولية من الولايات المتحدة إلى الصين.
يصعب تفسير هذا التحرك بمعزل عن رغبة الحوثيين في ضمان حضورهم في أي صفقة أمريكية-إيرانية كبرى، وعن مسعى إيران في الوقت نفسه إلى فرض نسختها الخاصة من «الضغط الأقصى» على إدارة ترامب قبل الانتخابات النصفية. وقد تراهن طهران وحلفاؤها على أن المناخ السياسي في واشنطن سيقيّد أي رد واسع أو يؤخره، فيما تواصل دول الخليج تفضيل خفض التصعيد والاحتواء، بما في ذلك في المفاوضات المتعلقة بمستقبل هرمز.
في هذا الإطار، يكتسب توقيت إعلان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، اعتزام طهران توسيع المنطقة البحرية المقيّدة في مضيق هرمز أهمية خاصة أيضاً. وإذا قُرئ هذا الإعلان إلى جانب معركة المخا، فقد يشير إلى أن الحوثيين رأوا فرصة لمحاكاة وضع إيران في هرمز وتحقيق عائد مالي من إدارة الممر البحري. فالسيطرة على باب المندب لا تمنحهم فقط القدرة على تعطيل حركة العبور بدرجة كبيرة، وهي قدرة أثبتوها بالفعل في 2023 و2024، بل قد تمنحهم أيضاً موقعاً في صدارة أي ترتيبات لإدارة الممرات البحرية تنشأ عن الحرب. ومن هذه الزاوية، قد تُرسي نتائج مفاوضات هرمز سابقةً تنسحب على باب المندب، فيما قد تُمهّد السيطرة الأخيرة على هذه المناطق لذلك.
تكمن خطورة هذه اللحظة في أن سيولتها تزيد احتمال سوء التقدير. فبالنسبة إلى الحكومة اليمنية ومن علّقوا عليها آمالهم، لم يتحقق بعد وعد استعادة الجمهورية. كما دفعت التطورات الحالية فرص إطلاق عملية سياسية يمنية إلى مزيد من التراجع، وأفضت إلى أزمة إنسانية واسعة جديدة. أما الحوثيون وإيران، فقد يكون شعورهما بأن الفرصة مفتوحة على مصراعيها مضللاً بالقدر نفسه، إذا استدعى الإفراط في التمدّد رداً لا يستطيعان تحمّله. لكن تغيراً واحداً قد يدوم أكثر من سواه وهو تآكل حرية الملاحة في الممرات المائية الحيوية في المنطقة. فباب المندب، شأنه شأن هرمز، يواجه خطر التحول من مجرد ممر يمكن تعطيله في زمن الحرب إلى ممر تصبح فيه حركة العبور مشروطة على نحو متزايد.