في هذه الصورة التي نشرتها البحرية الأمريكية في 6 فبراير 2026، تبحر حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن (CVN 72) من فئة نيميتز بجانب المدمرة الصاروخية الموجهة يو إس إس فرانك إي. بيترسن جونيور (DDG 121) من فئة أرلي بيرك وسفينة الشحن الجاف يو إس إن إس كارل براشير (T-AKE 7) من فئة لويس وكلارك في بحر العرب، في 6 فبراير. (وكالة الصحافة الفدنسية)

التحولات الاستراتيجية في أمن الخليج: من التفاوض والردع إلى الانخراط في المواجهة

تُعيد المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران تشكيل المنظومة الأمنية الخليجية، إذ إن التحول نحو تصعيد تدريجي وحروب هجينة يضع دول الخليج في قلب الأزمة التي تُهدد أمن الطاقة، واستقرار الملاحة البحرية، وبُنى الردع الإقليمية

18 مارس، 2026
جاسم محمد الكواري

شهدت البيئة الأمنية في منطقة الخليج خلال السنوات الأخيرة إعادة تشكّل عميقة في أنماط التفاعل الاستراتيجي، الذي يتمحور حول التحركات المتبادلة، ويعتمد على عوامل حاسمة لا تقتصر على الجانب العسكري والحقائق المادية فحسب، بل تشمل التصورات العامة للقادة، والقدرة على التحمّل، والتأثير في المعنويات، وإنهاك الاقتصاد، فضلاً عن الدفاع النشط والمناورة المستمرة ومواصلة الاشتباكات. وفي هذا السياق، انتقلت منطقة الخليج من مرحلة الضغط المنضبط وإدارة الردع المتبادل، إلى نمط أكثر تعقيداً يقوم على الاشتباك العسكري المحدود في ساحات متعددة، وباستخدام أدوات معينة.

 

 وقد برز هذا التحوّل مع التصعيد الذي رافق المواجهات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية، بما فيها من ضربات متبادلة، استهدافات لعدد من البنى التحتية في دول الخليج، وتكثيف عمليات تهديد الممرات البحرية الاستراتيجية في الخليج العربي ومن أهمها مضيق هرمز.  بالإضافة إلى ذلك، أسهمت التغيرات الطارئة على بنية صناعة القرار في طهران بإعادة صياغة التوازنات في النفوذ بين المؤسسات السياسية والعسكرية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أنماط إدارة التصعيد وسقف العمليات.

 

 تُشير التطورات الراهنة أن الصراع لا يتخذ شكل حرب تقليدية شاملة بقدر ما يميل إلى نموذج تصعيد تدريجي عالي التكلفة يمزج بين عمليات عسكرية محدودة، وضغوط اقتصادية تشمل مجال الطاقة، وحروب سيبرانية ومعلوماتية متداخلة.

 

في هذا الإطار، أصبحت دول الخليج جزءاً أساسياً من مسرح العمليات المتأثر بالصراع، وذلك بحكم تموضعها الجغرافي في قلب منظومة الطاقة العالمية، وشراكاتها الاستراتيجية العسكرية في ظلّ وجود قواعد ومنشآت عسكرية، وارتفاع مستويات الارتباط بين اقتصاداتها مع أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

 

 

 

أولاً: من التهدئة التكتيكية إلى التصعيد العملياتي

 

في المراحل الأولى من الأزمة، ظهرت مؤشرات عابرة على سعي واشنطن لخفض التصعيد، إلا أن ذلك جاء في شكل ترتيبات تكتيكية تهدف إلى كسب الوقت بدلاً من كونها مساراً صلباً نحو التهدئة. ترافق ذلك مع محاولات محدودة للتفاوض، استهدفت أساساً كبح جماح الأزمة بدلاً من حلها. غير أن التطورات اللاحقة كشفت أن تلك التهدئة المؤقتة كانت غطاءً لإعادة تشكيل مسرح العمليات واستكمال متطلبات الحشد العسكري على المستويات الجوية والبحرية والاستخباراتية؛ إذ شهدت المنطقة انتشاراً أمريكياً واسع النطاق وصفته بعض التحليلات بأنه الأكبر منذ حشد ما قبل حرب العراق عام 2003، مع تموضع منصات قادرة على تنفيذ ضربات سريعة وعميقة في العمق الإيراني والإقليمي. وقد عزز هذا النمط من الانتشار فرضية أن الوجود العسكري لم يُستخدم حصراً كوسيلة لزيادة الضغط العسكري والدبلوماسي، بل كان استعداداً عملياتياً استباقياً لاستخدام القوة ضمن استراتيجية تصعيد مدروسة.

 

 

ثانياً: التحول من الردع إلى الاستخدام المباشر للقوة

 

أفضى الانتقال من التلويح بالقوة إلى توجيه ضربات مباشرة داخل العمق الإيراني، وما قابله من ردود إيرانية على مواقع وقواعد أمريكية وأهداف في دول الجوار الخليجي، إلى إعادة رسم الخط الفاصل بين الردع والاستخدام الفعلي للقوة. وقد أظهرت هذه الجولة من التصعيد أن المسار التفاوضي الذي سبقها كان جزءاً من إدارة التصعيد أكثر من كونه مساراً لإنجاز تسوية نهائية، حيث استخدمت واشنطن أدوات الردع التقليدية، مثل حشد القوات والتحذيرات العلنية، لتبرير الانتقال إلى عمليات عسكرية محدودة وانتقائية. وبناءً على ذلك، تحول إطار الردع من وسيلة لضبط السلوك إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على الاستخدام التدريجي للقوة، مما دفع المنطقة إلى دوامة من التصعيد القائم على الضربات غير المتماثلة والتوسع التدريجي في الأهداف، دون الوصول بعد إلى مرحلة إعلان الحرب الشاملة.

 

 

 

ثالثاً: مضيق هرمز كأداة ضغط استراتيجية مركّبة

 

برز مضيق هرمز في قلب هذه الأزمة بوصفه ركيزة رئيسية في تعزيز معادلة الردع الاقتصادي والاستراتيجي؛ إذ يُعدّ من أهم ممرات عبور النفط والغاز عالمياً، حيث تدفق عبره في عام 2024 قرابة 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من سوائل البترول، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن نحو ربع تجارة النفط البحرية تمر عبر هذا الشريان الضيق. وبالتالي فإنّ أي تهديد بتعطيل الملاحة فيه يُعدّ مصدراً لضغط واسع النطاق على الأسواق، بسبب هذا الحجم من الاعتماد العالمي عليه، لا سيّما على مستوى رفع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة حساسية الأسعار للصدمات، وإرباك سلاسل الإمدادات التي تعتمد عليها الاقتصادات الصناعية الكبرى، خصوصاً في آسيا التي تستقبل النسبة الأكبر من صادرات النفط والغاز العابرة للمضيق.

 

وعليه، تسعى إيران من خلال توظيف مضيق هرمز كورقة ضغط  إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة كأداة ردع غير مباشرة، لتعويض قدرتها المحدودة على خوض مواجهة تقليدية واسعة النطاق مع القوى الكبرى، وفرض تكاليف على المجتمع الدولي مقابل التصعيد المستمر.

 

 

 

رابعاً: هيكلية اتخاذ القرار في إيران وتأثيراتها على مسار الصراع

 

تُعد التحولات التي أصابت بنية القيادة السياسية والأمنية في إيران مفتاحاً لفهم التطورات في مسار الصراع، -بما في ذلك اغتيال إسرائيل للمرشد الأعلى علي خامنئي في اليوم الأول للهجوم- إذ يؤدي استهداف الشخصيات المحورية ومراكز القوة إلى إعادة تنظيم أدوار المؤسسات العسكرية والسياسية. وعادة ما تؤدي الهجمات المباشرة على مراكز صنع القرار إلى لحظات من الارتباك المؤسسي قد تسمح بصعود تيار أكثر تشدداً، لا سيما داخل الحرس الثوري الإيراني والمؤسسات الأمنية المرتبطة به، ما يفسر التفاوت بين الخطاب السياسي الإيراني الذي ركز في بعض مراحله على طمأنة دول الخليج وإعلان تجنب استهدافها المباشر، وبين نمط العمليات الذي امتد عملياً إلى مدن ومنشآت خليجية مدنية وعسكرية.

 

ويمكن تفسير هذا التناقض إما باعتباره جزءاً من تكتيكات التضليل الإعلامي وإدارة السرديات، أو كمؤشر على تزايد استقلالية القرار العسكري في بعض الأذرع التنفيذية، بحيث تصبح الاستجابة الميدانية أكثر تحرراً من الحسابات الدبلوماسية التقليدية.

 

 

خامساً: نمط جديد من الحروب في الخليج

 

تدل مسارات التصعيد الراهنة على أن المنطقة تنزلق تدريجياً إلى نمط من الحروب المركّبة أو الهجينة، حيث تتكامل الأدوات العسكرية التقليدية مع أدوات سيبرانية واقتصادية وإعلامية في إطار مسرح عمليات واحد متعدد الأبعاد. فإلى جانب الضربات الصاروخية والمسيّرة والعمليات الجوية المباشرة، تتصاعد عمليات الحرب السيبرانية الموجهة ضد شبكات الطاقة والمؤسسات المالية والاتصالات، التي شهدت دول الخليج على إثرها موجة متزايدة من الهجمات الإلكترونية التي طالت البنوك وشركات الطيران ومنصات الخدمات الحكومية.

 

 كما يترافق ذلك مع حرب معلوماتية تستهدف تشكيل الرأي العام وإعادة تأطير سرديات الشرعية والتهديد، فضلاً عن ممارسات تعطيل الملاحة البحرية، مثل التحرش بالسفن وعمليات التخريب المحدودة واحتجاز الناقلات، وهي ممارسات سبق أن وُثّقت في الخليج ومضيق هرمز وتعد من السمات الجوهرية للحرب الهجينة في الإقليم.

 

 

 

سادساً: ديناميكيات التصعيد وانخفاض وتيرة الضربات

 

على الرغم من التراجع النسبي في وتيرة الضربات الإيرانية المباشرة بعد الموجة الأولى المكثفة في بداية الحرب، فإن هذا الانخفاض لا يمكن قراءته ببساطة بوصفه مؤشراً على انتهاء التصعيد، بل قد يعكس انتقالاً مدروساً من مرحلة الصدمات المكثفة إلى مرحلة الاستنزاف طويل الأمد. في هذا السياق، يمكن فهم إعادة توزيع منصات الإطلاق وتخفيف كثافة الضربات على أنها محاولة لتقليص قابلية الأصول العسكرية للاكتشاف والاستهداف، إلى جانب الحذر في إدارة مخزون الذخائر بعيدة المدى في ضوء اتساع جبهة المواجهة وتعدد مسارح العمليات.

كما يتقاطع هذا التحول مع ترتيبات داخلية متصلة بإعادة توازن مراكز القرار داخل النظام الإيراني بعد الضربات التي طالت قياداته العليا، بما يفرض أنماطاً أكثر تعقيداً في حسابات المخاطر والفرص لدى صانع القرار.

 

 

 

سابعاً: التداعيات المباشرة على المنظومة الأمنية الخليجية

 

في هذا السياق، أصبحت دول الخليج في قلب دائرة النار، سواء من خلال استضافة قواعد أمريكية وأجنبية شكلت أهدافاً لجزء من الضربات الإيرانية، أو عبر تعرض مدنها وعدد من منشآت الطاقة والمطارات لأضرار مباشرة أو تهديدات صاروخية ومسيّرة. وتشمل المخاطر الراهنة جملة من التحديات، من بينها: إمكانية استهداف البنية التحتية للطاقة والموانئ والمنصات البحرية، وارتفاع مستوى التهديد الذي يطال حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، واتساع نطاق الهجمات السيبرانية التي تستهدف الأنظمة المالية والطاقة والاتصالات، مع ما يترتب على ذلك من تأثيرات على الاستقرار الاقتصادي والمالي. وتنعكس هذه التطورات على موقع الخليج في الاقتصاد العالمي من خلال اضطراب سلاسل الإمداد للطاقة والتجارة، وارتفاع كلفة المخاطر البحرية غير النظامية في الممرات الاستراتيجية، وهو ما يدفع دول المجلس إلى إعادة تقييم ترتيباتها الدفاعية وعلاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية على حد سواء.

 

 

 

ثامناً: السيناريوهات المحتملة لمسار الصراع

 

يمكن، في ضوء المعطيات الحالية، استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الصراع في الخليج. يتمثل السيناريو الأول، والأرجح في المدى المنظور وفق أغلب القراءات، في استمرار التصعيد التدريجي المستمر، مع الحفاظ على مستوى من الضربات المحدودة والضغوط الاقتصادية والبحرية، ضمن إطار يجنّب الأطراف كلفة الانزلاق إلى حرب تقليدية شاملة. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تصعيد غير مقصود ينتج عن خطأ في الحسابات أو ضربة نوعية كبيرة تؤدي إلى تجاوز خطوط حمراء غير معلنة، بما قد يفتح الباب أمام توسع أفقي للصراع إلى جبهات جديدة وانخراط أوسع لقوى دولية وإقليمية. بينما يقوم السيناريو الثالث على تهدئة تكتيكية مؤقتة تسمح للأطراف بإعادة التموضع وترميم قدراتها، من دون تفكيك البنى والأدوات التي تشكل مصدراً لزيادة الضغط المتبادل، ما يبقي حالة «اللاحرب واللاسلم» سمة مهيمنة على المشهد الإقليمي.

 

 

 

تاسعاً: آفاق إعادة بناء منظومة الأمن الخليجي

 

تفترض التحولات الراهنة أن أمن الخليج لم يعد قابلاً للإدارة وفق مقاربات وطنية منفردة أو عبر الاعتماد الأحادي على المظلة الأمنية الأمريكية، بل أصبح أقرب إلى قضية أمن إقليمي جماعي يتطلب إعادة هندسة لمنظومة الردع والدفاع المشتركة. في هذا الإطار، تميل بعض التحليلات إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال دول الخليج من نموذج «الاعتماد الأمني» إلى نموذج «المواءمة المشروطة»، بحيث تستمر الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة مع توسيع هوامش الانفتاح على شركاء دوليين آخرين، بالتوازي مع تطوير قدرات ذاتية في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، والأمن السيبراني، وحماية الممرات البحرية.

 

وستشكل قدرة دول الخليج على بلورة تصور جماعي للأمن الإقليمي، يوازن بين متطلبات الردع ومقتضيات الاستقرار الاقتصادي والانخراط في النظام الدولي للطاقة، عنصراً حاسماً في رسم ملامح الاستقرار ومستقبل الترتيبات الأمنية في الخليج خلال العقد القادم.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد:

المؤلف

محلل أمني متخصص
جاسم محمد الكواري هو محلل أمني متخصص في قضايا الأمن الوطني والإقليمي. حاصل على ماجستير في الدراسات الأمنية والاستراتيجية من معهد الدوحة للدراسات العليا. تتركز اهتماماته البحثية على تحليل التهديدات المعاصرة، والتقديرات الاستراتيجية، والديناميكيات الأمنية في منطقة الخليج.