22 يناير 2026. (تصوير: زيد العبيدي / أ ف ب)

الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق والسيادة المُتنازع عليها

يضع انسحاب قوّات التحالف بقيادة الولايات المتّحدة حدّاً لأحد أسباب الخلاف المزمنة في العراق، لكنه كشف عن معركة أعمق حول من يملك السلطة لاستخدام القوّة.

12 أكتوبر، 2026
زيدون الكناني

في 30 سبتمبر 2026، غادرت آخر قوّات التحالف بقيادة الولايات المتّحدة قاعدة أربيل الجوية في شمال العراق، مختتمة بذلك أحدث فصول الوجود العسكري في البلاد الذي بدأ مع غزو عام 2003، وتوقّف لفترة وجيزة عام 2011، ثم استؤنف عام 2014 لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية».

 

احتفت بغداد بالانسحاب، وأعلنت واشنطن النصر، وابتهجت الفصائل المتحالفة مع إيران، فيما ساد القلق في إقليم كردستان. هذه المواقف تعكس حسابات مختلفة بشأن ما سيؤول إليه العراق في غياب الولايات المتّحدة التي أدّت في آنٍ واحد دور الحكم بين الأطراف، والهدف للهجمات، والضامن الأمني.

 

لقد حسم هذا الانسحاب خلافاً مزمناً حول السيادة العراقية، لكنه وضع خلافاً آخر في الواجهة: الدولة تحتكر القوة رسمياً، لكن قدرتها على احتكارها فعلياً تبقى موضع سؤال. ويزداد هذا السؤال إلحاحاً بعد ثمانية أشهر على اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية -الإيرانية، التي زجّت العراق مراراً ولا سيّما إقليم كردستان في الصراع الإقليمي. يأتي ذلك في ظلّ سعي رئيس الوزراء علي الزيدي إلى إخضاع المجموعات المسلّحة لسيطرة الدولة بحلول 30 يونيو 2027، وبعد تأجيل الموعد الذي كان مقرّراً في الأصل أن يتزامن مع الانسحاب الأمريكي.

 

 

من الانسحاب إلى السيادة

 

جاء الانسحاب تنفيذاً لخطّة من مرحلتين اتفقت عليها إدارة جو بايدن عام 2024 مع رئيس الوزراء آنذاك محمد شياع السوداني، والتزم بها الرئيس دونالد ترامب في إطار تعهّده بإنهاء ما وصفه بـ«الحرب التي لا تنتهي». وبحلول يناير 2026، كان مستشارو التحالف قد غادروا مناطق العراق الخاضعة للحكومة الاتحادية، فيما بقيت قوّات في أربيل لدعم العمليات في سوريا. وعلى الرغم من إطلاق الولايات المتّحدة الحرب على إيران في 28 فبراير، أكد الزيدي في يوليو أن القوّات الأمريكية المتبقية ستغادر بحلول نهاية سبتمبر.

 

أنهى الانسحاب انتشاراً عسكرياً ضمّ نحو 1,500 عنصر، ومعه منظومات الدفاع الجوّي التي رافقته، فيما سيستمر التعاون في مجالي التدريب والاستخبارات. واحتفت بغداد بالمناسبة بإعلان أربعة أيام عطلة وطنية تحت اسم «أيام السيادة»، لتُؤكد أن قرار الحرب والسلام يعود إلى الدولة، لا إلى الجيوش الأجنبية أو الفصائل. وفي الجمعية العامة للأمم المتّحدة، تعهّد الزيدي بأن يبقى السلاح بيد المؤسّسات الدستورية، وأن تتحوّل علاقات العراق مع الدول الغربية من التعاون العسكري إلى التعاون الاقتصادي.

 

لكن خطاب السيادة يتجاوز الرمزية، فهو يشكّل أيضاً ركناً أساسياً في استراتيجية الزيدي لمواجهة الفصائل المسلّحة التي لطالما بررت احتفاظها بترساناتها بالوجود الأمريكي. وكما قال السفير الأمريكي السابق دوغلاس سليمان، يبني رئيس الوزراء حجّته على أن هذه المجموعات لم تعد بحاجة إلى أسلحتها.

 

يبدو أن بعض الفصائل مستعدة لقبول هذا المنطق. فقد دُمجت «سرايا السلام» رسمياً في يونيو، فيما توصّلت «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي» إلى تفاهمات مع الحكومة. كما وافق زعيم منظمة «بدر» هادي العامري من حيث المبدأ على خضوع السلاح لسيطرة الدولة، لكنه استبعد أي مواجهة مع «المقاومة».

 

لكن فصائل أخرى لا تزال ترفض هذا المسار. فقد أعلن زعيم «كتائب حزب الله» أبو حسين الحميداوي أن «المقاومة انتصرت في هذه الجولة»، وعلّق العمليات باستثناء استهداف «الطائرات المعادية»، إلى أن تمتلك الدولة دفاعات جوّية. ونفى الحميداوي التوصّل إلى أي اتفاق مع الزيدي بشأن نزع السلاح، فيما تواصل «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» رفض تسليم «سلاح المقاومة». وعلى الرغم من إقراره، من حيث المبدأ، بأن قرار الحرب والسلام ينبغي أن يكون «واحداً، أو متفقاً عليه على الأقل»، فإنه يتمسّك عملياً بالوضع القائم، ويرفض نزع السلاح، بما يبقي استخدام القوة خارج احتكار الدولة. وفي غضون ذلك، وصف الحرس الثوري الإيراني الانسحاب بأنه «انتصار تاريخي».

 

وبذلك، يُضعف الانسحاب الحجّة السياسية الرئيسة للفصائل من دون أن ينهي قدراتها العسكرية أو قدرتها على استخدامها. وتُشير تقارير إلى أنها لا تزال على أهبة الاستعداد للحرب إلى جانب الحرس الثوري الإيراني. مع ذلك، قدّمت الولايات المتّحدة والميليشيات المتحالفة مع إيران ضمانات لرئيس الوزراء بالامتناع عن مهاجمة بعضها بعضاً لمدة 90 يوماً بعد الانسحاب، بهدف منع تدهور الوضع في المدى القريب. يمنح هذا الواقع بعضاً من الوقت، لكنه لا يحلّ المشكلة.

 

 

الفجوة الأمنية

 

يضع إقليم كردستان اختباراً آخر لسيادة بغداد. فإذا كان إصرار الحكومة الاتحادية على أن الأمن واستخدام القوّة من اختصاص الدولة حصراً، ينبغي لها أيضاً أن تثبت قدرتها على حماية الأراضي والسكّان الخاضعين لسلطتها. وهذا ما يشكّك فيه الأكراد، إلى جانب السنّة وأحزاب سياسية شيعية أخرى غير مرتبطة بإيران.

 

فتداعيات انسحاب التحالف لم تظهر في أي منطقة عراقية بالسرعة التي ظهرت بها في إقليم كردستان، حيث تعرّض الإقليم منذ أواخر فبراير، لأكثر من 1,000 هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، واعترضت منظومات «باتريوت» و«سي-رام» الأمريكية المتمركزة في أربيل عدداً كبيراً منها. أما الآن، فلم تعد هذه المنظومات موجودة.

 

وقد وصف رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني في حديث إلى صحيفة «فايننشال تايمز»، ترك الإقليم من دون دفاع بأنه «مخزٍ»، فيما حذّر مسعود بارزاني من فراغ أمني يعيد إلى الأذهان الظروف التي سبقت صعود تنظيم «الدولة الإسلامية» بعد الانسحاب الأمريكي عام 2011.

 

وبحكم هيكل الدولة، لا تستطيع أربيل إدارة دفاعاتها الجوّية بمفردها، لأن المجال الجوي العراقي من اختصاص الحكومة الاتحادية. وفي الوقت نفسه، اختفت الشراكة مع الولايات المتّحدة التي شكّلت طويلاً ضمانة في مواجهة بغداد، وانتهى أيضاً الدعم المالي الذي كان التحالف يقدّمه لقوات البيشمركة، وهي القوّات الأمنية الداخلية التابعة لحكومة إقليم كردستان.

 

ويضع ذلك أربيل في موقع صعب. فالانسحاب الأمريكي قد يعزّز سلطة الحكومة المركزية، لكنه يزيد في الوقت نفسه اعتماد حكومة الإقليم على الدولة العراقية في أمنها. وردّت أربيل باستكمال دمج القوّات المتنافسة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وبالضغط على بغداد لمعالجة شكاوى قديمة، من رواتب البيشمركة التي تقل عن نصف رواتب الجيش العراقي، إلى التأخّر في شراء منظومات الدفاع الجوّي. وبات الإقليم اليوم أكثر عرضة للمخاطر من أي وقت منذ عام 2014، وأكثر ارتباطاً ببغداد من أي وقت منذ عام 2003.

 

تُعدّ طريقة تعامل بغداد مع هذا الوضع مهمّة للغاية. فالحكومة الاتحادية تملك الآن نفوذاً أكبر على موازنات الإقليم ورواتبه ودفاعه الجوّي. وإذا استخدمت هذا النفوذ لتعميق الاندماج الاتحادي، فقد تعزّز ادعاءات الدولة بالسيادة. أما إذا استخدمته أداةً للإكراه، فقد تعيد إحياء المظالم التي انتهت عام 2017 إلى مواجهة حول استفتاء استقلال إقليم كردستان.

 

 

سيادة من دون ضامن

 

في غياب الوجود الأمريكي، الذي منح الفصائل المتحالفة مع إيران قضية تستند إليها، والأكراد راعياً، وبغداد ثقلاً موازناً لطهران، يُعاد التفاوض على موازين القوة من داخل العراق ومن خارجه.

 

وعلى الرغم من انسحاب القوات العسكرية الأمريكية، لم يتبدّد نفوذ واشنطن. فهي لا تزال تملك أدوات ضغط كبيرة على بغداد بسبب سيطرتها على عائدات النفط العراقية. فمنذ غزو عام 2003، تُحفظ عائدات النفط العراقي في حساب تابع للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، فيما يشكّل النفط نحو 90 في المئة من موازنة الدولة.

 

وعندما طلبت بغداد من القوّات الأمريكية مغادرة البلاد عام 2020، أفادت تقارير بأن واشنطن هدّدت بقطع وصول العراق إلى هذه الأموال، فتراجعت بغداد. وفي وقت سابق من هذا العام، أوقفت الولايات المتّحدة شحنات الدولار للضغط على بغداد بشأن المجموعات المتحالفة مع إيران، وشمل ذلك شحنة بنحو 500 مليون دولار من الأوراق النقدية كانت على متن طائرة، ومنعت وزارة الخزانة الأمريكية وصولها. واستؤنفت الشحنات في يونيو، لكن واشنطن أشارت إلى أنها لا تزال قادرة على فرض عقوبات بسبب الميليشيات الموالية لإيران.

 

الانسحاب لا يعني تلقائياً نشوء فراغ تملؤه إيران، ولا سيّما أن طهران نفسها لا تزال تحت ضغط الحرب والعقوبات. لكنه يزيل أحد القيود الرئيسة التي تشكّل في ظلها التوازن السياسي العراقي بعد عام 2003. فضلاً عن ذلك، يبقى العراق شديد التأثر بالضغوط الخارجية الناجمة عن الصراع الدائر خارج حدوده.

 

وهذا يجعل ترجمة ادعاء بغداد بامتلاك السيادة الكاملة إلى سيطرة فعلية أمراً بالغ الصعوبة. فعلى الرغم من أن القوّات الأمنية العراقية راكمت عقداً من الخبرة القتالية في مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية»، تبقى الخيارات القسرية المتاحة للحكومة محدودة في مواجهة أقوى المجموعات المسلّحة المتحالفة مع إيران. وكما ترى لهيب هيجل من «مجموعة الأزمات الدولية»، فإن دفع الزيدي إلى مواجهة مباشرة مع هذه الميليشيات يهدّد بجرّ الحكومة إلى معركة يُرجح ألا تتمكّن من كسبها.

 

ولا يزال العراق يفتقر إلى قدرات دفاع جوّي فاعلة، فيما لم تُسلَّم بعد الأنظمة الأجنبية الموعودة. كما لا تزال الحكومة من دون وزير للدفاع، ولا يزال من غير الواضح من يتولّى في النهاية ملف نزع السلاح. وتضيّق الأزمة المالية هامش تحرّكها أيضاً. فالنفط يوفّر الجزء الأكبر من موازنة الحكومة، لكن الاضطرابات في مضيق هرمز خفّضت الصادرات النفطية من نحو 3.3 ملايين برميل يومياً إلى نحو 600 ألف برميل في مارس، حيث لم يعد لدى بغداد سوى موارد محدودة لاستيعاب المقاتلين ضمن جداول رواتب الدولة.

 

وهذا ما يفسّر تفضيل الحكومة تبني استراتيجية سياسية متدرّجة تتألف من تأجيل مهلة نزع السلاح، وتأمين هدنة مؤقّتة، والتفاوض مع الفصائل المستعدّة للاندماج، واستخدام الانسحاب لإضعاف شرعية المجموعات التي ترفض ذلك. وعلى الأرجح، لا تملك الحكومة خياراً عملياً آخر، لكن هذا المسار يحتاج إلى وقت. غير أن كلّ ضربة تقع على الأراضي العراقية تعزّز الحجّة نفسها التي تحاول بغداد تفكيكها: أن الفصائل المسلّحة المستقلّة لا تزال ضرورية لأن الدولة عاجزة عن الدفاع عن البلاد.

 

 

السيادة اختبار لا جائزة

 

يحسم الانسحاب الأمريكي سؤالاً ظلّ يشكّل السياسة العراقية لأكثر من عقدين: هل ستبقى قوّات أجنبية على الأراضي العراقية؟ لكنه يترك سؤالاً أهم من دون حسم وهو من يملك داخل العراق سلطة استخدام القوة؟ تقول بغداد إن هذه السلطة حكر على الدولة، فيما تسعى الفصائل الرافضة لنزع السلاح إلى الاحتفاظ بحصتها منها. أمّا الأكراد، فيريدون دليلاً على أن السيادة الاتحادية ستحميهم من أي تهديد أمني قد يأتي من إيران وفصائلها في العراق بعد الانسحاب الأمريكي. وفي المقابل، تتوقّع إيران والولايات المتّحدة أن يكون لكلّ منهما دور في تشكيل النتيجة من دون تحمّل كلفة وجود عسكري دائم.

 

اعتاد العراق إدارة مثل هذه الصراعات بالمساومة، لا عبر فرض انتصارات حاسمة. لكن الانسحاب يغيّر شروط هذه المساومة، إذ يزيل أقوى مبرّر للاحتفاظ بالسلاح خارج سيطرة الدولة، ويحمّل بغداد في الوقت نفسه مسؤولية أكبر لإثبات قدرتها على توفير الأمن الذي تقول هذه الفصائل إنها توفره.

 

هنا يكمن الاختبار الحقيقي لمرحلة ما بعد الوجود الأمريكي. فإذا فشلت الدولة في إخضاع السلاح لسيطرتها بحلول يونيو 2027، فلن يعود في إمكانها إلقاء اللوم على الاحتلال العسكري الأجنبي. أما إذا نجحت، فسيحدّد العراقيون أنفسهم، للمرّة الأولى منذ عام 2003، معنى السيادة العراقية.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد: العراق

المؤلف

زميل غير مقيم
زيدون الكناني هو زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية مُحلل سياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط، وتحديداً في شؤون العراق والخليج والمشرق العربي. تُركّز بحوثه على سياسات الهوية، والجهات الفاعلة من غير الدول، والتحوّل الديمقراطي، وديناميكيات بناء الدولة في جميع أنحاء المنطقة. هو المدير المؤسس لمعهد “آفاق عربية”، وعمل سابقاً كأستاذ محاضر… Continue reading الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق والسيادة المُتنازع عليها