6 مارس 2026. (الصورة بعدسة عطا كناره / أ ف ب)

الحرب تستنزف إيران لكن الانهيار لا يزال مستبعداً

نجحت إيران، بعد ستة أشهر من الحرب، في الحفاظ على تماسك مؤسساتها، لكن هذا الصمود ترافق مع ضغوط اقتصادية متصاعدة واتساع دور الأجهزة الأمنية، في مؤشر على اتساع الفجوة بين صمود الدولة والكلفة المتزايدة التي يتحمّلها المجتمع.

16 سبتمبر، 2026
نيغار مرتضوي 

بعد ستة أشهر من اندلاعها، أنهكت الحرب الإسرائيلية الأمريكية الاقتصاد في إيران، واستنزفت المجتمع الإيراني، وعمّقت الخلافات السياسية الداخلية. ومع ذلك، لا تبدو البلاد على وشك الانهيار كما توقّع خصومها مراراً، وفي الوقت نفسه لا يُمكن اعتبارها حُصناً من الوحدة والاستقرار كما تحاول الجمهورية الإسلامية الترويج لها. فالواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي داخل إيران ما يزال أكثر تعقيداً من هاتين الصورتين: لقد حافظت المؤسّسات المركزية للدولة على تماسكها، لكن مَواطن الضعف ازدادت وضوحاً، فيما يتحمّل المواطن العبء الأكبر من الحرب.

 

منذ البداية، أوضحت حملة القصف الأمريكية-الإسرائيلية أنّ الحرب لا تستهدف الجمهورية الإسلامية وحدها، بل تطال إيران وسكّانها أيضاً. ففي يومها الأول، أصابت ضربة أمريكية مدرسة ابتدائية في ميناب، وقتلت ما لا يقل عن 156 شخصاً، بينهم أكثر من 120 تلميذاَ. ثمّ اتسع نطاق الخسائر خلال الأشهر التالية، حيث ألحقت أضراراً جسيمة ودمّرت أكثر من 125 ألف موقع مدني، بينها منازل ومدارس ومرافق صحّية وجامعات ومواقع للتراث الثقافي. وقتلتآلاف المدنيين.  وفي الأول من سبتمبر 2026، أصاب صاروخ أمريكي منزلاً كان يقام فيه حفل زفاف في جنوب إيران، فقتل أربعة أشخاص على الأقل، بينهم طفل في الرابعة، وأصيب 68 آخرون.

 

لا تقتصر آثار الحربين داخل إيران على الخسائر البشرية، فسياقهما القانوني والسياسي يُشكّل مدخلاً بالغ الأهمية لفهم انعكاساتهما في الداخل. لا سيّما وأنّ مجلس الأمن الدولي لم يُغطّ أي منهما، فيما خلص خبراء قانونيون إلى أنّ هجومي يونيو 2025 وفبراير 2026 انتهكا الحظر الذي يفرضه ميثاق الأمم المتحدة على استخدام القوّة. كذلك، لم تبقَ مسألة عدم قانونيتهما نقاشاً أكاديمياً فحسب، فقد أسهمت هذه الهجمات في إعادة تشكيل نظرة شريحة واسعة من الإيرانيين إلى الصراع، وعمّقت لديهم شعوراً بالظلم، وعزّزت السردية القديمة للدولة عن مقاومة العدوان الخارجي.

 

لكن الصدمة الأكبر للنظام السياسي جاءت عند اغتيال كبار قادته في اليوم الأوّل من الحرب، وفي مقدّمهم المرشد الأعلى السابق آية الله علي خامنئي. فقد ظلّ خامنئي 36 عاماً صاحبَ القرار النهائي في شؤون البلاد، ولذلك أربك اغتياله نظاماً سياسياً تمحور حول سلطته، وغيّر الاغتيال موازين القوى الداخلية بصورة عميقة.

 

كشف الاغتيال عن هشاشة الجمهورية الإسلامية، لكنه لم يؤدِّ إلى الانهيار المؤسّسي الذي ربما توقّعته الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد فعّلت إيران إجراءات الخلافة، وعيّنت سريعاً مرشداً جديداً، وأبقت المؤسّسات الرئيسة للدولة قيد العمل. وكما ذكرت كاتبة المقال في تحليل سابق لسياسة جنازة آية الله علي خامنئي، صُمّمت المراسم لتأكيد الاستمرارية، التي تقوم على معادلة فقدان إيران أعلى سلطة فيها جرّاء هجوم خارجي، لكن نظامها السياسي ما زال قائماً.

 

غير أن بقاء النظام لا يعني استمراره على حاله. فقد تولّى آية الله مجتبى خامنئي، نجل المرشد السابق وخليفته، منصبه من دون خبرة والده أو سلطته أو شرعيته الراسخة. ورجّح اختياره كفّة القوى المحافظة، ولا سيما الحرس الثوري الإيراني على حساب الإصلاحيين والمعتدلين الذين كانوا يفضّلون انتقالاً أقل استقطاباً. ورسّخ غيابه عن الظهور العلني من صعوبة بناء هوية مستقلة وسلطة واضحة عن المؤسّسات التي دعمت وصوله إلى المنصب.

 

وهكذا، أظهرت الجمهورية الإسلامية هشاشتها وقدرتها على الصمود في آنٍ واحد. فقد استوعب النظام صدمة اغتيال أقوى قادته، إلى جانب خسارة عدد من كبار المسؤولين والشخصيات المخضرمة التي كانت قادرة على التوسّط بين مراكز القوة المتنافسة، ونجا من أخطر تهديد واجهه منذ عقود، لكنه خرج أكثر خضوعاً للمنطق الأمني، وأكثر اعتماداً على المؤسّسات التي تدير الحرب.

 

الخلاف السياسي لا يعني تصدّع النظام

 

الخلافات السياسية داخل إيران حقيقية، لكنها لا تعني بالضرورة انقسام الدولة ،. فقد يختلف كبار المسؤولين والمؤسّسات بشأن السياسات، لكن ما إن يتخذ صنّاع القرار سياسة معيّنة حاسمة حتى تصطف القيادات لتنفيذها. ولهذا لا ينقسم النقاش الحالي بين معسكر يريد الحرب وآخر يريد السلام، إذ تقول معظم القوى الرئيسة إنها تريد إنهاء الصراع. وينصبّ الخلاف، بدلاً من ذلك، على شروط إنهائه، وعلى ما إذا كانت الدبلوماسية أم مواصلة الضغط العسكري ستنتج تسوية طويلة الأمد.

 

في هذا السياق، يؤيّد كبار المسؤولين، وفي مقدّمهم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، إلى جانب القوى الأكثر براغماتية، استئناف وقف إطلاق النار وعودة الطرفين إلى الالتزام بمذكرة التفاهم الموقّعة مع إدارة ترامب في 17 يونيو، والتي انهارت بعد وقت قصير. ولا يدعو هذا المعسكر إلى ضبط النفس من جانب واحد، بل إلى المعاملة بالمثل، بمعنى مقابلة التصعيد بالتصعيد، والدبلوماسية بالدبلوماسية، مع تفضيل المسار الدبلوماسي. وقد قال بزشكيان إن إيران ستقابل واشنطن بالمثل فور عودتها إلى تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق.

 

فطهران ترى أن واشنطن هي التي بدأت تقويض مذكّرة التفاهم، بعد منعها الإفراج عن الأصول المجمّدة التي وعدت بإتاحتها، وسمحت لإسرائيل بمواصلة قصف لبنان، وحاولت إنشاء ممرّ ملاحي منفصل عبر مضيق هرمز من دون تنسيق مع إيران. ورأت إيران في هذه الخطوات مُحاولة لإعادة كتابة الاتفاق عملياً خلافاً لما قبلته الولايات المتّحدة على الورق.

 

في المقابل، ترى القوى الأكثر تشدّداً أنّ الدبلوماسية التي لا تستند إلى الردع ستُشجّع على مزيد من الهجمات. ولذلك تصرّ على الردّ على كلّ ضربة أمريكية، خشية أن تُفسّر واشنطن ضبط النفس على أنه ضعف. وبالتالي، لا يتعلّق الخلاف أساساً ببقاء النظام أو اتجاهه العام، بل بالاستراتيجية التي يجب اتباعها، وتوقيت استخدامها، والشروط المقبولة لخفض التصعيد.

 

وقد عزّز اغتيال خامنئي موقف هذا المعسكر، لأنه دعم حجّته بأن واشنطن لا تريد مجرّد تنازلات سياسية، بل تسعى أيضاً إلى استسلام سياسي وتغيير القيادة. كذلك، ضيّقت مطالب ترامب بالاستسلام ومحاولته التأثير في عملية الخلافة هامش التسوية أمام دعاة الدبلوماسية. وظهر هذا الصراع بوضوح عندما حاول بزشكيان تخفيف التوتر مع الدول المجاورة، فواجه فوراً اعتراضات من قادة عسكريين ورجال دين وأعضاء في البرلمان. وكشفت هذه المواجهة عن خلاف حقيقي بشأن سياسة الحرب، من دون أن تصل بالضرورة إلى حد تصدّع الدولة.

 

 

تدهور اقتصادي من دون انهيار وشيك

 

تظل الأزمة الاقتصادية في إيران عميقة، فالتضخم، وتراجع قيمة العملة، وانكماش التجارة، وتعطّل صادرات النفط، والنقص، وأضرار البنية التحتية، تفرض كلها كلفة قاسية. وقد دفعت هذه الضغوط الريال الإيراني إلى مستويات متدنية تاريخياً، وجعلت الغذاء والسكن والأدوية وغيرها من الحاجات الأساسية تتجاوز القدرة الشرائية لشرائح متزايدة من السكان.

 

تستطيع الحكومة الإيرانية التدخّل في سوق الصرف، وتقديم الدعم، وتقنين السلع، والاعتماد على التجارة الإقليمية والقنوات المالية غير الرسمية لمنع انهيار اقتصادي فوري، وإن كانت هذه الوسائل عاجزة عن إعادة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها. فلدى إيران خبرة تمتد لعقود في التكيّف مع العقوبات ونقل كلفة العزلة إلى المجتمع. ويرى بعض الاقتصاديين أن طهران لا تزال تملك موارد كافية لتحمّل الضغوط الحالية من دون تضخم مفرط على غرار فنزويلا أو انهيار للعملة كالذي شهده لبنان. ويمكن لمثل هذا النموذج أن يحافظ على الدولة بينما يدفع السكان نحو مزيد من الفقر.

 

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: تستطيع واشنطن أن تضرّ بالاقتصاد الإيراني وأن تعمّق معاناة السكّان، لكن هذه المعاناة لا تتحوّل تلقائياً إلى استسلام سياسي. فقد أخفقت سنوات من سياسة «الضغط الأقصى»، أعقبتها حربان، في إجبار طهران على الاستسلام. وبذلك أثبتت الولايات المتّحدة وإسرائيل قدرتهما على إلحاق أضرار هائلة بإيران، من دون أن تتمكّنا من تحويل التفوّق العسكري إلى انتصار سياسي.

 

 

استياء شعبي وقيود الحرب

 

فالغضب الشعبي داخل إيران حقيقي، لكنه مركّب. فالإيراني يستطيع أن ينتقد الجمهورية الإسلامية ويعارض سياساتها الداخلية، وفي الوقت نفسه يرفض حرباً خارجية تستهدف بلده. لذلك يمكن أن يتعايش الاستياء من الدولة مع الشعور القومي، والغضب من العدوان الأمريكي والإسرائيلي. ومن هنا، لا ينبغي تفسير مظاهر التضامن الوطني بوصفها دليلاً بالضرورة على تأييد النظام، مثلما لا يعني اتساع الاستياء الشعبي أن البلاد باتت على أعتاب انتفاضة واسعة.

 

لكنّ ظروف الحرب تُساعد على إبقاء هذا الاستياء تحت السيطرة. فالقمع والمراقبة وتعطّل الاتصالات وضعف التنظيم والخوف من مزيد من الفوضى تحدّ كلّها من قدرة الإيرانيين على التحرّك الجماعي. كما يكشف اقتراح تجريم التواصل غير المصرّح به مع وسائل الإعلام الأجنبية كيف تستغل السلطات الحرب لتضييق المجالين السياسي والمدني أكثر. وهكذا تبقى المؤسّسات الأمنية قادرة على احتواء الاضطرابات، حتى عندما تعجز الحكومة عن معالجة الأسباب التي تُولّدها.

 

لقد تحمّلت إيران الحرب مدة أطول ممّا توقعت واشنطن، لكن الصمود لا يعني استقرارها أو انتصارها. فقد تحافظ الدولة على سيطرتها في الوقت الذي يزداد فيه المجتمع فقراً، ويشتدّ القمع، ويتعمّق اعتماد النظام على أجهزته الأمنية. وهنا تُخطئ واشنطن إذا افترضت أن تدهور الظروف المعيشية سيؤدّي حتماً إلى الاستسلام، كما تُخطئ طهران إذا افترضت أن المجتمع الإيراني يستطيع تحمّل ضغوط بلا حدود.

 

في المحصلة، لا يمكن اختزال ما يَجري داخل إيران في انهيار وشيك، ولا في صمود بلا كلفة. فلا تزال الدولة قادرة على الصمود في حرب طويلة، لكن بكلفة هائلة يدفعها المواطنون. ومن دون تسوية دبلوماسية، سيستمر صمود الدولة ومعاناة المجتمع جنباً إلى جنب، وسيُعيدان تشكيل إيران حتى بعد توقف العمليات القتالية.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: حرب إيران
البلد: إيران

المؤلف

زميلة أولى، مركز السياسة الدولية
نيغار مرتضوي صحفية ومحللة سياسية إيرانية-أمريكية، مُحررة ومقدمة «بودكاست إيران» متخصصة في شؤون إيران والسياسة الخارجية الأمريكية وقضايا الشرق الأوسط. هي زميلة أولى في مركز السياسة الدولية، وباحثة غير مقيمة في مجلس سياسة الشرق الأوسط.