تُظهر السياسة الفلسطينية مؤشرات على عودة الحراك، وذلك للمرة الأولى منذ سنوات. ففي 9 يوليو 2026، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مرسوماً دعا فيه إلى إجراء انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني في 28 نوفمبر، وهو البرلمان الذي حلّه عام 2018. تزامن ذلك مع تعهّد أقلّ بإجراء انتخابات رئاسية في مطلع عام 2027
في السياق نفسه، تحرّك عباس لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني المعطّل، وهو برلمان منظمة التحرير الفلسطينية الذي يُمثل الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وخارجها. ففي 4 يونيو، أصدر محمود عباس مرسوماً أقرّ بموجبه هيكلية جديدة للمجلس تضم 350 مقعداً. خُصّص منهم 200 مقعد للأراضي المحتلة، يشغلها الفائزون في انتخابات مجلس تشريعي موسّع يضم 200 عضو، فيما خُصّص الـ 150 مقعداً للشتات.
جاءت هذه القرارات بعد سلسلة من التطورات السياسية التي شهدها مطلع هذا العام. ففي فبراير2026، طُرح دستور مؤقت لدولة فلسطين للنقاش العام، وقد صاغته لجنة شكّلها رئيس السلطة الفلسطينية في أغسطس 2025. فضلاً عن ذلك، أُجريت انتخابات بلدية في شهر أبريل في أنحاء الضفة الغربية، وفي دير البلح وسط ركام غزة. وفي مايو، عقدت حركة فتح المؤتمر العام الأول وانتخبت لجنة مركزية جديدة لأول مرّة منذ نحو عقد.
ومن المهم التوقف عند تطوّر آخر، وإن لم يرتبط مباشرة بهذه الخطوات. وهو انتخاب حركة حماس خليل الحية رئيساً لمكتبها السياسي في 20 يوليو، أي بعد نحو عامين عاشتها الحركة من دون قيادة دائمة.
على الرغم من الأزمة غير المسبوقة التي يواجهها الفلسطينيون، لم تنبع أيّ من المراسيم التي أصدرها عباس من مسعى ذاتي لإحياء نظام سياسي أُصيب بالجمود أو لمواجهة العدوان الإسرائيلي.
وقد جاءت هذه الخطوات استجابة لضغوط خارجية تطالب بـ«إصلاح السلطة الفلسطينية»، وتهدف إلى إحياء حلّ الدولتين الذي بات منتهياً عملياً. وتأتي هذه الضغوط لتزيد وطأة ما ترزح تحتهُ مؤسسة هي بالأساس مفلسة مالياً، وتبحث عن مقعد لها على طاولة لم تُدعَ إليها.
وفي سياق التعامل مع الأزمة التي أشعلتها أحداث 7 أكتوبر، سعت دول عدة، بقيادة المملكة العربية السعودية والنرويج، إلى إحياء المسار الدبلوماسي الذي يركز على إقامة دولة فلسطينية. وشملت هذه الجهود منح اعتراف رسمي بدولة فلسطين. وتعلّق الرئيس محمود عباس بهذه المبادرة، المعروفة باسم «التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين»، باعتبارها شريان حياة سياسياً واقتصادياً. وشمل ذلك تعهداً بإجراء إصلاحات مؤسسية وانتخابات، وإن بدا التزامه بها فاتراً.
ومهما تكن الدوافع وراء هذه الخطوات، تتيح الانتخابات فرصة ينبغي للفلسطينيين عدم تفويتها. فالإبادة الجماعية في غزة والتطهير العرقي المتسارع في الضفة الغربية لم تدفع السياسة الفلسطينية نحو التغيير الذي تحتاج إليه بصورة ملحّة. فما تزال قدرة الناخب مشلولة بفعل الخوف والإرهاق وغياب الرؤية المستقبلية. لذا، تبدو قدرة الانتخابات على إحداث التغيير محدودة، لكنها تظل الفرصة الأكثر ترجيحاً لكسر قبضة قيادة فاسدة ومستكينة إلى موقعها على المؤسسات الفلسطينية.
فعلى مدى سنوات، نجحت السلطة الفلسطينية الحالية بقيادة عباس في عرقلة المصالحة بين الفصائل، وإحياء المؤسسات، وإحداث التحوّل نحو استراتيجية جديدة للتحرّر الوطني. ويتضح اليوم أكثر من أي وقت مضى أن إزاحة القوى التي تعرقل التغيير من مواقع السلطة هي السبيل الوحيد أمام الفلسطينيين لإطلاق نهضة سياسية.
مناورة لاستعادة الحضور السياسي
منذ 7 أكتوبر 2023، ازداد تهميش السلطة الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى. وهي التي كانت تعاني أصلاً من تراجع هائل في شعبيتها بين الفلسطينيين، ناهيك عن الهجوم السياسي والاقتصادي الذي تتعرض له من حكومة إسرائيلية لا تمانع سقوطها. وفي الوقت نفسه، استحوذت غزة على معظم الاهتمام والتحرّك الدوليين، فيما تجاهلت الإدارة الأمريكية الحالية السلطة إلى حد كبير. ودفع ذلك قيادتها إلى البحث بشدّة عن استعادة حضورها، والانفتاح على التحول الديمقراطي كطريق لاستعادة قبول المجتمع الدولي.
يشبه هذا الوضع، إلى حد ما، ما حدث مطلع عام 2021. حين وافقت فتح، بالتنسيق مع حماس، على إجراء انتخابات سعياً إلى كسب دعم الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن. لكن واشنطن اتخذت موقفاً متردداً، واهتمت بإبقاء حماس خارج السلطة الفلسطينية أكثر من اهتمامها بإحياء العملية الديمقراطية. وفي النهاية، ألغى عباس الانتخابات قبل 23 يوماً من موعد الاقتراع.
لكن الوضع قد يختلف هذه المرة. إذ تطالب الدول التي تدفع بأجندة الإصلاح نحو إجراء الانتخابات. ويبدو أن دافع عباس الأساسي يتمثّل في احتواء هذا الضغط الخارجي من دون التخلي عن السلطة، أكثر من تحقيق مصلحة وطنية أوسع. كما أنّ تدمير قدرات حماس العسكرية والسياسية إلى حدّ كبير يجعل هذه المناورة أسهل.
أفضت بعض هذه الضغوط إلى إحداث تحسينات لافتة في الإطار الانتخابي. فإلى جانب توسيع المجلس التشريعي، خفّض مرسوم عباس الصادر في 4 يونيو سن الترشح من 28 عاماً، وهي من أعلى الأعمار المعتمدة للترشح في العالم، إلى 23 عاماً. كما خفّض العتبة الانتخابية اللازمة للفوز بمقعد في البرلمان إلى 1%. لكن عباس كان قد تحرك قبل ذلك بأشهر للحد من قدرة منافسي حزبه على خوض الانتخابات، من خلال تعديل قانون الانتخابات البلدية. وبات على جميع المرشحين توقيع إعلان يتعهدون فيه بالالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. ويشمل هذا البرنامج التزامات تعود إلى مرحلة أوسلو، من بينها الاعتراف بإسرائيل ونبذ المقاومة المسلّحة. ورفضت خمسة فصائل هذا الشرط بالكامل، أربعة منها أعضاء في منظمة التحرير. أما حماس، التي لم تشارك في الانتخابات البلدية التي جرت في أبريل، فلم يكن في إمكانها استيفاء هذا الشرط في جميع الأحوال.
ويبدو أن عباس يتجه أيضاً إلى التراجع عن جزء من هذه الإصلاحات بعد أسابيع قليلة من إقرارها. وبحسب تقرير حصري لـ العربي الجديد، تقضي الخطة بإعادة عدد مقاعد المجلس التشريعي إلى 132 مقعداً، وتحويل فارق المقاعد الـ68 إلى كتلة داخل المجلس الوطني الفلسطيني تُختار عبر «التوافق» بدلاً من الانتخاب. ومن المرجح أن ذلك سيؤدي إلى تعيين عباس لأعضائها، ما يمنحه سلطة مباشرة على اختيار نحو 20% من أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني. ويقوّض هذا النوع من المناورات تحديداً إحدى أبرز القيم التي كان يفترض أن تعززها هذه الانتخابات: التمثيل السياسي الديمقراطي داخل منظمة التحرير الفلسطينية.
بالإضافة إلى ذلك، يبدو أنّ الرئيس محمود عباس (90 عاماً) يعمل بصورة متواصلة على بناء خطة لخلافته تتمحور حول ذراعه اليمنى حسين الشيخ. فقد عُيّن الشيخ أولاً عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم أصبح أمين سرها عام 2022. وفي أبريل 2025، مُنح منصبين استُحدثا حديثاً: نائب رئيس دولة فلسطين، ونائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وفي أكتوبر 2025، أصدر عباس مرسوماً يقضي بأن يتولى الشيخ الرئاسة بالإنابة لمدة تصل إلى 90 يوماً في حال وفاة عباس أو عجزه عن أداء مهامه. ولا يستند هذا الترتيب إلى أي أساس في الدستور الفلسطيني المؤقت المعروف باسم القانون الأساسي.
وفي هذا العام، وبعد المؤتمر العام لحركة فتح الذي انعقد في مايو، انتُخب الشيخ أيضاً نائباً لرئيس الحركة. وبذلك، اكتمل تموضعه لخلافة عباس المحتملة على رأس مختلف مؤسسات السلطة. وخلال المؤتمر، اُنتخب ابنه ياسر محمود عباس عضواً في اللجنة المركزية، ليضع موالياً آخر في موقع يساعده على توجيه الحركة.
ومع ذلك، يبقى من غير الواضح ما الذي سيحدث إذا انطلقت الحملات الانتخابية بكامل زخمها هذا الخريف. فقد يفقد عباس وفتح السيطرة على العملية، كما حدث خلال الدورة الانتخابية عام 2021، قبل أن يلغي عباس الانتخابات في ظل انخراط سياسي شعبي واسع. فقد ترشح نحو 1400 شخص، وتنافست 29 قائمة حزبية جديدة على 132 مقعداً. والأهم أن شخصيات بارزة في فتح انشقت وشكّلت قوائم منافسة.
أجندة الإصلاح الخارجي
تقف خلف كلّ هذه التطورات ضغوط خارجية تدفع عباس نحو صناديق الاقتراع، لكن قيمة هذه الضغوط ودوافعها تثيران الشكوك. قد تكون توجهات كثير من الدول المشاركة في «التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين» جدية، لكن لهذا النوع من الانخراط سجلاً طويلاً من المواقف الاستعراضية التي لم تهدف يوماً إلى إحداث أي تغيير في الوضع القائم. كذلك، ينتقل عبء التحرك إلى الطرف الفلسطيني الأضعف، الذي لا يملك خيارات كثيرة سوى الامتثال. وحتى في أفضل الأحوال، تقوم أجندة الإصلاح التي تنتهجها السلطة الفلسطينية على تشخيص خاطئ، إذ تفشل في إدراك العقبة الفعلية أمام تحقيق السلام والتعامل معها التي تتمثّل بالتعنت الإسرائيلي.
يعيد ذلك إلى الأذهان المرحلة التي غالباً ما يجري تجاهلها وهي تلك التي تقع بين عامي 2009 و2011، عندما حاول سلام فياض، رئيس وزراء الحكومة الفلسطينية آنذاك، بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية من القاعدة إلى القمة. وقد راهن فياض على أن بناء نواة دولة قادرة على العمل، بما يشمل إصلاحات السوق الحرة وتعزيز التنسيق الأمني مع إسرائيل، سيُكافأ بمنح الفلسطينيين الاستقلال. انهار ذلك المشروع للسبب نفسه الذي يرجح أن يؤدي إلى انهيار المشروع الحالي، إذ لم ترافقه ضغوط مماثلة في حجمها على إسرائيل لدفعها فعلياً إلى السماح بقيام دولة فلسطينية.
واليوم، تغيب هذه الضغوط أكثر من أي وقت مضى. فعلى الرغم من جسامة الجرائم الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر، لم يُتخذ أي إجراء فعلي لوقف الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل أو لإجبارها على إنهاء احتلالها غير القانوني ونظام الفصل العنصري، كما تقتضي أحكام محكمة العدل الدولية. واقترحت المفوضية الأوروبية في سبتمبر 2025 تعليق الامتيازات التجارية الممنوحة لإسرائيل بموجب اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. لكن الاقتراح لم يُعتمد، إذ حالت الانقسامات بين الدول الأعضاء دون إقراره، حتى بعدما طالب أكثر من 350 مسؤولاً أوروبياً سابقاً بهذه الخطوة في أبريل 2026. واقتصر الإجراء الوحيد الذي نفذه الاتحاد فعلياً على فرض عقوبات على أربع منظمات للمستوطنين الإسرائيليين في مايو 2026، وهي خطوة لا تمثل سوى جزء ضئيل من أدوات الضغط التي اقترح الاتحاد استخدامها قبل ثمانية أشهر. كذلك لم تتحرك الدول العربية التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل لقطع هذه العلاقات.
ويُمثل إحجام معظم الحكومات الأوروبية والدول العربية وواشنطن عن العمل فعلياً لدفع حل الدولتين قدماً عاملاً جامعاً، إذا كان ذلك ممكناً أصلاً. فطلب الإصلاح من سلطة فلسطينية عاجزة عن تحقيق أي خطوة جادة ولا تمتلك الموارد المالية اللازمة ليس في محله. كذلك، فإنّ مواجهة التعنت الإسرائيلي له كلفة حقيقية. وهنا، يعكس التفاوت الذي تنطلق منه أجندة الإصلاح، صعوبة حصول هذه الأجندة على المصداقية الشعبية.
كذلك، فمن غير الواضح إلى أي مدى ستضغط هذه الأطراف الخارجية على عباس للمضي في الانتخابات إذا التمس بأن سيطرته على السلطة بدأت تتراجع فعلياً. ففي عام 2021، اتخذ عباس من منع إسرائيل الفلسطينيين في القدس من التصويت ذريعة لإلغاء الانتخابات، ومنح إسرائيل بذلك، عملياً، حق النقض على الديمقراطية الفلسطينية. وفي الوقت الراهن، يبقى من المستبعد جداً أن تسمح الحكومة الإسرائيلية الحالية للفلسطينيين بالتصويت في المدينة.
ومن المقرر أن تجري الانتخابات الإسرائيلية قبل الانتخابات الفلسطينية بشهر، فيما يستغرق تشكيل ائتلاف حكومي إسرائيلي 50 يوماً في المتوسط. ويرجح ذلك بقاء الحكومة الحالية في السلطة بما يتيح لها عرقلة التصويت في القدس. وقد يستخدم عباس عندها ذريعة القدس مرة أخرى، إذا سمح له «التحالف العالمي» بالتنصل من الانتخابات أو اختار تحديه.
والأهم أن الانتخابات لن تقدّم إجابات عن تساؤلات أعمق تتعلق بجدوى استمرار السلطة الفلسطينية، وهي تساؤلات ينبغي أن تكون جزءاً من نقاش أوسع وأكثر إلحاحاً حول استراتيجية التحرر الوطني. أين تقف الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم فعلياً، وإلى أين تتجه؟ وهل ينبغي أن تبقى السلطة الفلسطينية جزءاً منها في المستقبل؟ وماذا يعني إجراء انتخابات وسط إبادة جماعية وحملة تطهير عرقي مستمرتين، فيما دُمّرت غزة وتُفرَّغ مساحات واسعة من الضفة الغربية من سكانها وتُضم على أرض الواقع؟
لكن التشابك العميق بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير يجعل هذه الانتخابات عاملاً مؤثراً ومباشراً في أي محاولة لإعادة تشكيل الحركة الوطنية على نطاق أوسع. ويأتي ذلك بعد عامين ونصف العام من الجمود الصادم. فقد عجزت منظمة التحرير عن بلورة أي رد على الإبادة الجماعية. ولم يجتمع المجلس الوطني الفلسطيني مرة واحدة طوال الهجوم. كما أخفقت القيادة في بلورة تحرك دبلوماسي موحد لمواجهة إقصائها شبه الكامل من ترتيبات ما بعد الحرب. وعجز الفلسطينيون في الداخل والشتات أيضاً عن تحدي بنية السلطة القائمة. وفي ظل هذا الواقع، يصعب الرهان على أن يأتي التغيير من مسار داخلي آخر. لذلك، ينبغي اغتنام الفرص حين تظهر، حتى عندما تأتي من مصادر تثير الشكوك.
وتبقى الانتخابات، مهما كانت الحسابات التي دفعت إلى الدعوة إليها، الآلية الداخلية الوحيدة المتاحة للفلسطينيين التي يمكن أن تُحدث تغييراً فعلياً. وإذا أُجريت بالفعل، وهو أمر يظل موضع شك، فسيضطر عباس إلى المخاطرة بسيطرته عبر منافسة انتخابية فعلية، أو ستبدأ هذه السيطرة على الأقل بالتآكل. وهذه هي الفرصة المتاحة أمام الفلسطينيين اليوم، بصرف النظر عن دوافع القيادة التي فتحت بابها. وينبغي أن ينصب الهدف الآن على الضغط على الأطراف الخارجية لضمان أن تُحدث هذه الانتخابات فرقاً فعلياً.