المقدّمة
في الثامن عشر من يونيو 2026، وقّعت الولايات المتّحدة وإيران مذكرة تفاهم مكونة من 14 نقطة، عُرفت بـ “مذكرة تفاهم إسلام آباد”، التزم بموجبها الطرفان بالتفاوض على خريطة طريق لإنهاء الأعمال العدائية التي اندلعت في أواخر فبراير 2026. وعلى مدار أربعة أشهر تقريباً، ألقت تداعيات الصراع بظلالها على المنطقة، وكبدت الدول المجاورة تكاليف باهظة، وعطّلت حركة الملاحة عبر مضيق هُرمز، الذي يُعدّ مضيقاً بحرياً حيوياً، فألقت هذه التداعيات بثقلها على الاقتصاد العالمي الذي تضرّر كثيراً جراء هذا الصراع.
ويُلزم هذا الإطار المكوّن من 14 نقطة الطرفين بإنهاء الأعمال العدائية، ويفتح مساراً للتوصّل إلى تسوية مستدامة، مُحولاً بذلك حالة الجمود المُعقّدة التي سادت لسنوات إلى عملية دبلوماسية، كما يُبقي الباب مفتوحاً أمام إمكانية حلّ القضايا الشائكة، والتوصّل إلى تفاهمات بشأنها، من خلال مفاوضات تمتد لستين يوماً.
بالإضافة إلى ذلك، تُمثّل مذكرة التفاهم هذه تطوّراً رئيسياً لمختلف الأطراف الفاعلة، ولا سيّما دول مجلس التعاون الخليجي الذي يُعدّ الأكثر تضرّراً من تداعيات هذا الصراع، والتي تكبّدت أعباءً اقتصادية وأمنية جسيمة نتيجة الضربات الإيرانية على أراضيها.
وفي حين يمثّل هذا الاتفاق تطوّراً إيجابياً للمتحاربين والدول المجاورة المُتضرّرة والمنطقة برمتها والمجتمع الدولي أيضاً، إلاّ أن تنفيذه سيواجه صعوبات جمّة ما لم تُحلّ جملة من القضايا بشكل فعلي وملموس، لا سيّما تلك القضايا التي شكّلت محلّ نزاع طوال فترة الحرب، وفي مقّدّمتها الملف النووي، بالإضافة إلى قضايا أخرى، تُشكّل بدورها ديناميكيات جديدة من شأنها زيادة تعقيدات المشهد الإقليمي.
لذا، وفي نهاية المطاف، سيتعين على إيران والولايات المتّحدة، ومعهما مجموعة من الأطراف الفاعلة الحكومية وغير الحكومية المنخرطة في هذه التسوية، إبداء إرادة سياسية صادقة لتحقيق السلام الدائم. ومن المرجّح أن ترزح هذه العملية تحت وطأة ضغوط شديدة ناجمة عن عقبات عدّة، وفي مقدمتها صياغة إطار حازم للبرنامج النووي الإيراني، وإدارة الأعمال العدائية المستمرّة على الجبهة اللبنانية.
قيود إستراتيجية أمام تنفيذ الاتفاق
الملف النووي
بموجب المادة الثامنة من مذكرة التفاهم، تتعهد إيران بعدم تطوير سلاح نووي أو السعي إلى حيازته. بيد أنّ هذا الاتفاق، في مرحلته الراهنة، لا يقدّم إطاراً مفصّلاً لآليّات المساءلة حيال ضمان امتثال إيران؛ بل يكتفي بإعادة التأكيد على الالتزام المشترك بين طهران وواشنطن بمنع الأولى من تطوير أسلحة نووية أو حيازتها.
لكن، ينصّ هذا الاتفاق في الوقت نفسه على تخفيف إيران درجة تركيز مخزون من المواد المخصّبة لديها، وذلك تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وهذا كفيل أن يخفّف من مخاطر المادة المخصّبة بنسبة تقارب 60 في المئة، وهي نسبة يفصلها عن درجة صنع الأسلحة خطوة تقنية قصيرة، ما يقلّص بدوره من إمكانية نجاح إيران الحثيثة نحو حيازة أسلحة نووية.
وقد بدأت مؤشرات التوتّر المحيطة بتنفيذ هذا الاتفاق في الظهور بالفعل، إذ أكّد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أنّ الخطط المتعلّقة بإجراء زيارة تفتيشية للوكالة يجري إعدادها، فيما صرح نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، بأنّه لا توجد خطط حالية للسماح بالوصول إلى المنشآت النووية المستهدفة أو المواد المخصّبة. وهذا يكشف حدود التعامل مع مذكرة التفاهم باعتبارها خطوة نحو التوصّل إلى تسوية دائمة.
وانطلاقاً من ذلك، إلى جانب الاضطرابات التي تشهدها العلاقات الأمريكية الإيرانية، لا بّد من الحفاظ على دور الأطراف الفاعلة الأخرى القادرة على خفض أي تصعيد أو الحدّ منه أو احتوائه على الأقل وربّما التحذير من أي انهيار مستقبلي. وقد برزت هذه الاضطرابات بالفعل خلال الجولة الأولى من المفاوضات، حين بدت المحادثات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار وسط تصاعد حدة التوتّرات بين طهران وواشنطن. وهو ما يؤكّد أهمية الأدوار التي ستضطلع بها قطر وباكستان ودول الخليج في تجاوز ما يُرجَّح أن تكون أيام ستين حرجة وعصيبة.
ومن الجدير بالذكر أيضاً أنّ الاتفاق التاريخي السابق مع إيران، والمتمثّل في خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، قد أشرك مجموعة الدول الثلاث (فرنسا وألمانيا والمملكة المتّحدة)، وهو ما يعزّز أهميّة الحفاظ على هذا المسار في إطار متعدّد الأطراف بدلاً عن كونه تعاوناً ثنائياً.
لذلك، فإنّ فترة الستين يوماً ستُحدّد في نهاية المطاف مصير المقدرات النووية الإيرانية، أو انعدامها. كذلك، يبدو هذا الاتفاق في صيغته الحالية، أقل شمولاً وأقلّ كفاءة من خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، الذي بموجبه نقلت إيران أكثر من 97 في المئة من مخزونها من اليورانيوم المخصّب إلى خارج البلاد.
كما يحمل الاتفاق الحالي، ونتائجه المرتقبة في نهاية المطاف، تداعيات جسيمة على جهود عدم الانتشار النووي على الصعيد العالمي. فمن خلال التعامل مع قدرة إيران على التخصيب باعتبارها أمراً قابلاً للتفاوض والمراقبة والإدارة بدلاً من القضاء عليها بالكامل، يرسخ الاتفاق سابقة ستعكف دول أخرى في المنطقة على دراستها من كثب وهي تقيّم طموحاتها النووية المستقبلية.
الجبهة اللبنانية
في حين تؤكّد مذكرة التفاهم التزام إيران والولايات المتّحدة وحلفائهما بإنهاء الأعمال العدائية على كافة الجبهات، فإنّها لا تُرسّخ امتثال إسرائيل إلّا من الناحية النظرية. فمن الناحية العملية، واصلت إسرائيل ضرباتها على لبنان، وأوضحت أنّ عملياتها ستستمر ما دامت ترى أنّ ثمة تهديدات للأمن القومي.
ومن الجدير بالذكر أنّه في أوائل يونيو، وعقب شهرين من الهدوء النسبي، أدّى تصعيد على الجبهة اللبنانية إلى استئناف وجيز للأعمال العدائية بين الولايات المتّحدة وإيران. وهذا يؤكّد أهميّة ضمان امتثال إسرائيل كأمر مفروغ منه، ليس لمجرّد التوصّل إلى اتفاق شامل خلال الستين يوماً القادمة فحسب، بل ولضمان استدامة الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.
وفي سياق الستين يوماً القادمة، يظلّ ضمان امتثال إسرائيل لهذا الاتفاق أمراً عصياً وليس بالسهولة بمكان التحكم فيه، نظراً لأن إسرائيل ليست طرفاً في المفاوضات، على الرغم من كونها طرفاً فاعلاً في تنفيذ الشروط المتفق عليها. كما تبنّى المسؤولون الإسرائيليون خطاباً تصعيدياً متزايداً تجاه لبنان، إذ دعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، إلى “حرق لبنان بالكامل”.
يرتبط هذا أيضاً بتحدٍ بنيوي أوسع، فعلى الرغم من كونهما مسارين منفصلين رسمياً، بات من الصعب أكثر فأكثر التعامل مع مسار المفاوضات الإيرانية الأمريكية ومسار إسرائيل ولبنان كعمليتين منفصلتين. وقد أثبتت التصعيدات على الجبهة اللبنانية بالفعل قدرتها على عرقلة التقدّم في التوصّل لإبرام أي اتفاق أوسع بين الولايات المتّحدة وإيران. وقد تتطلّب أي تسوية مستدامة قدراً من التقارب بين المسارين، أو مستوى من التنسيق يكفي لضمان ألا تهدّد التطوّرات في جبهة واحدة بنسف التقدّم المحرز في الجبهة الأخرى.
وفي صيغته الراهنة، يصعب تصوّر كيف يمكن لهذا الاتفاق الهشّ أن يظل سارياً ومعمولاً به في وقت تظلّ فيه أطراف فاعلة ومؤثرة في استمرارية تنفيذ الاتفاق والالتزام به خارج نطاقه. وقد تتفاقم هذه التحدّيات أكثر فأكثر بسبب الإطار الثلاثي (الأمريكي الإسرائيلي–اللبناني)، الذي يواجه بالفعل معارضةً ضاريةً، ما يُنذر بخطر تصعيد حدة التوتّرات في لبنان. وبناءً على ذلك، سيعتمد مستقبل الاتفاق الأمريكي الإيراني ليس على الامتثال الأمريكي والإيراني فحسب، بل وأيضاً على رغبة حلفائهما في الالتزام بأحكامه في ظلّ مشهد معقد ومتعدّد الطبقات.
الخاتمة
تُعتبر كيفية التعامل مع التوتّرات المحيطة بهذه القضايا مؤشراً لتحديد مسار الستين يوماً القادمة. وفي نهاية المطاف، سيتعين على الأطراف المتفاوضة والوسطاء أيضاً التعامل مع تساؤلات تتعلّق بإعادة الإعمار، وضمانات عدم الاعتداء، واستعادة حرية حركة الملاحة ما إذا كان سيتم إبرام أي اتفاق بالمستقبل. وبالتالي، فإنّ استمرارية تنفيذ الاتفاق والالتزام به، وتحقيق ركائز الأمن الإقليمي على نطاق أوسع، ستعتمد على مدى استعداد كلّ من إيران والولايات المتّحدة ورغبتهما في الالتزام بانخراط جاد ومثمر طوال فترة التنفيذ الممتدة لستين يوماً.
سيكون الشهران القادمان حاسمين في رصد إمكانيات تحوّل الاتفاق إلى إطار دائم للاستقرار الإقليمي والتعافي الاقتصادي. وقد تكمن أهميّة مذكرة التفاهم في قدرتها على فتح قناة دبلوماسية قد تُشكّل، إذا ما استمرت، أساساً لتسوية أكثر شمولاً. وتظلّ القدرة على الاستثمار في هذه الفرصة رهينةً بمتغيرات وعوامل خارجية لا تقع ضمن البنود المباشرة للاتفاق الحالي.
أسهمت كُلّ من هنا الشهابي وميساء هواري في تحرير تقدير الموقف هذا.