تقدير موقف
في 28 أبريل 2026، أعلنت دولة الإمارات العربية المتّحدة عزمها إنهاء عضويتها التي استمرت زهاء 59 عاماً في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، اعتباراً من 1 مايو 2026. وقد مثّل هذا القرار الإماراتي المفاجئ أحد أهم التحوّلات في حوكمة الطاقة العالمية منذ انضمام روسيا إلى منظمة أوبك+ في عام 2016. وعلى الرغم من تصريح المسؤولين الإماراتيين علناً بأنّ هذه الخطوة ليست سوى قرار اقتصادي بحت يهدف إلى تعزيز مرونة الإنتاج وعوائد الاستثمار، فإنّ السياق السياسي للقرار لا يقل أهميةً عن سياقه الاقتصادي.
ففي ظلّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية المستمرّة، تزداد حدّة التباينات الإستراتيجية داخل مجلس التعاون الخليجي، وتلوح في الأفق تحوّلات في التحالفات الأمنية وإعادة رسم ملامح المشهد الإقليمي في المنطقة بأسرها.
يكمن سبب انسحاب الإمارات من أوبك في الدوافع الاقتصادية البحتة، وهو ليس وليد اللحظة أو انعكاساً للتداعيات الراهنة، بل هو نتيجة تراكمات سابقة امتدت على مدى سنوات طويلة. ففي أواخر عام 2025، أعادت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) تأكيد التزامها بتوسيع طاقتها الإنتاجية للنفط من خلال خطة استثمار بلغت 150 مليار دولار، تهدف إلى الوصول لـ 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027.
وعلى مدى السنوات الست الماضية، زادت الطاقة الإنتاجية بنحو 40 في المئة لتصل إلى 4,85 مليون برميل يومياً. ومع ذلك، حددت منظمة أوبك+ حصة إنتاج الإمارات بـ 3,4 مليون برميل يومياً، أي أقل بنحو 30 في المئة من طاقتها الفعلية. وقد احبط هذا أبوظبي، التي لم تتمكّن من تحقيق أقصى استفادة من استثماراتها في وقت تتزايد فيه ضغوط تحوّل سوق الطاقة العالمي.
يمكن القول إنّ صانعي السياسات الإماراتيين قد خلصوا إلى نتيجة مفادها أنّ المنتجين ذوي التكلفة المنخفضة يجب أن يزيدوا الصادرات إلى أقصى حد قبل أن يستقر نمو الطلب على النفط على المدى الطويل تحت وطأة التحوّل الكهربائي، والتوسّع في استخدام مصادر الطاقة المتجدّدة، وتبنّي سياسات المناخ، وتغيّر أنماط الاستهلاك في آسيا وأوروبا. وفي مثل هذه البيئة، لم تعد الطاقة الإنتاجية الفائضة مجرّد أصل إستراتيجي، بل بات يُنظر إليها أكثر فأكثر على أنّها مقدرات اقتصادية غير مستغلّة.
يختلف هذا المنطق اختلافاً كبيراً عن نهج المملكة العربية السعودية في سياسة الطاقة الذي ينعكس في عملية صنع القرار واتخاذه داخل أوبك. إذ تواصل الرياض إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار وارتفاعها دعماً للمتطلّبات المالية الهائلة لرؤية 2030، بالإضافة إلى متطلبات ميزانيتها الحكومية العامة.
في المقابل، تبدو أبو ظبي أكثر استعداداً لقبول فكرة انخفاض الأسعار إن كان ذلك يضمن لها مكانةً إستراتيجيةً أقوى ضمن أسواق الطاقة المستقبلية. وقد ازدادت حدّة التباينات الإستراتيجية خلال السنوات الأخيرة، وهي تُعدّ في الوقت الراهن من أبرز التوتّرات الجوهرية التي تشكّل سياسات الطاقة الخليجية.
وقد صرحت الإمارات بأنّ قرارها بالانسحاب من أوبك لم يكن موجهاً ضد أي دولة عضو بعينها، وأنها اتخذت القرار سعياً وراء مصالحها الاقتصادية الوطنية، إلا أنّ خروجها يعكس تطوّراً جيوسياسياً يجري في الخليج وتبايناً استراتيجياً يظهر بشكل متزايد بين أبوظبي والرياض. فعلى الرغم من أنّ الدولتين تتشاركان العديد من المصالح الإقليمية، إلا أنهما منخرطتان انخراطاً متنامياً في منافسة اقتصادية وسياسية عبر مجالات متعدّدة، بدءًا من مسألة جذب الاستثمار الأجنبي المباشر مروراً بتشكيل النتائج في مناطق الصراع وصولاً إلى إبراز النفوذ في البحر الأحمر. فلطالما كانت المملكة العربية السعودية هي الطرف المهيمن داخل أوبك لعقود من الزمن، واستخدمت مكانتها لتعزيز قيادتها سياسات الدول الخليجية، موجهةً التنسيق الإقليمي حول أولوياتها السياسية. ومن خلال انسحابها من أوبك+، تشير الإمارات فعلياً إلى أنّها لم تعد مُلزمة بهذه الشروط.
يبدو أنّ الحرب الإيرانية قد سرّعت من وتيرة هذا التباين الإستراتيجي. حيث كشف الصراع عن تباينات في الرؤى داخل الخليج بشأن تصوّرات الدول الخليجية عن عدد من المسائل من بينها: التهديدات، والتوقّعات الأمنية، والأولويات الإستراتيجية. وبينما نسقّت دول الخليج في البداية دبلوماسياً ولوجستياً، إلا أن جهود الإجماع الإستراتيجي طويل الأمد تراجعت شيئاً فشيئاً مع استمرار الحرب. وقد أعرب مسؤول إماراتي رفيع المستوى عن خيبة أمله من استجابة مجلس التعاون الخليجي للحرب، قائلاً: “إنّ أبوظبي ستدقق في شراكاتها الإقليمية والدولية وتختارها بعناية لتحديد من يمكن الاعتماد عليه“. وكان لدول الخليج وجهات نظر متباينة حول كيفية التعامل مع الأزمة، وما إذا كان يجب إعادة فرض الردع بقوّة تجاه إيران. وهذا ما دفع أبوظبي باتجاه استجابة حازمة على سبيل المثال، بينما واصلت الدوحة ومسقط، الضغط من أجل ضبط النفس.
علاوة على ذلك، طرحت الحرب معضلات خطيرة بشأن علاقات الخليج مع الولايات المتّحدة وإسرائيل وإيران، التي لا يوجد حولها إجماع. ومع الأنباء التي تفيد بأنّ الإمارات تدرس الانسحاب من مؤسّسات متعدّدة الأطراف أخرى، مثل جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي نفسه، يبدو أنّ أبوظبي تسعى الآن لتأمين أكبر قدر ممكن من الاستقلالية الإستراتيجية للمضي قدماً.
الأهمية السياسية
على الرغم من أنّ الأسواق قد احتوت صدمة التأثير الفوري للاضطرابات المرتبطة بالحرب في الخليج والإغلاق المستمرّ لمضيق هرمز، إلا أنّ انسحاب الإمارات من أوبك+ يحمل تداعيات كبرى على أسواق الطاقة الدولية وحوكمتها، فضلاً عن تأثيراته على المشهد السياسي في الشرق الأوسط.
أولاً، يُضعف القرار التماسك المؤسّسي لمنظمة أوبك في وقت تشهد فيه أسواق النفط العالمية تقلبات حادة جراء الاضطرابات الجيوسياسية الكبيرة. لم تكن الإمارات مجرّد عضو آخر في أوبك؛ بل كانت واحدة من المنتجين القلائل في المنظمة الذين يمتلكون طاقة إنتاجية فائضة كبيرة، ما يسمح للمنظمة بالتأثير على العرض العالمي والتحكم في الأسعار. بالإضافة إلى ذلك، إذا شرعت الدول غير الراضية عن القيود التي تفرضها حصص الإنتاج في تبنّي إستراتيجيات إنتاج أكثر استقلاليةً، فقد تفقد أوبك+ أهميتها ودورها المؤثر، أو تتفكّك بالكامل.
ثانياً، إذا كان القرار يشير إلى مزيد من الاستقلالية الإستراتيجية للإمارات وتقليل التحالف مع دول الخليج الأخرى، فإنّه سيؤثر تأثيراً مباشراً في خطط تعزيز التكامل في مجلس التعاون الخليجي. إنّ مجلس تعاون خليجي أقل وحدةً وتكاملاً ستكون له تداعيات على كل شيء بدءًا من شراكات الأمن الجماعي والاتفاقيات التجارية وصولاً إلى البنية التحتية المشتركة وقوانين العمل.
ثالثاً، يحمل هذا التحرّك أهمية جيوسياسية أوسع لأنه يتماشى مع تنسيق إستراتيجي أعمق للإمارات مع الولايات المتّحدة وإسرائيل في مشهد إقليمي متغيّر. إذ تتشكّل بالفعل تحالفات أمنية أخرى، مثل تحالف محتمل بين السعودية وتركيا ومصر وباكستان، ما قد يؤدّي إلى زيادة الاستقطاب في المنطقة ويُقوّض القدرة على التنسيق بين أطراف متعددة.
المخاطر والفرص
يشكّل انسحاب الإمارات مخاطر متعدّدة لكلّ من السياسات الإقليمية وأسواق الطاقة العالمية. ولعلّ أبرز خطر مباشر هو المزيد من الانسحابات من أوبك+، ما قد يضعف تدريجياً قوة المنظمة في تحديد الأسعار ويزيد من تقلبات السوق بمرور الوقت.
ينطوي خطر آخر على التفكّك الأوسع للوحدة الخليجية وتشرذمها. يؤكد قرار الإمارات التباينات الإستراتيجية المتنامية بين أبوظبي والرياض بشأن النظرة الإقليمية والأولويات الاقتصادية والتوجه الإستراتيجي طويل الأمد. قد لا تؤدّي هذا التباين إلى مواجهةً مباشرةً، إلّا أنّها قد تُضعف التنسيق الخليجي في الأزمات الإقليمية المستقبلية وتُقلّل من فعالية المبادرات الدبلوماسية أو الأمنية الجماعية.
كذلك، هناك مخاطر جيوسياسية متصاعدة مرتبطة بالتوتّرات بين الإمارات وإيران. لذا، من المرجّح أن تفسر طهران انسحاب الإمارات من أوبك+ كجزء من تحالف إستراتيجي أوسع مع الولايات المتّحدة وإسرائيل. في الوقت نفسه، يخلق قرار الإمارات فرصاً لكل من الدولة والمستهلكين. إذ تكتسب أبوظبي مرونة إنتاجية أكبر بكثير ويمكنها تلبية متطلّبات السوق عندما يعود الإنتاج والتصدير إلى طبيعتهما في نهاية المطاف. وقد تتمكّن الإمارات أيضاً من تعميق شراكات التكرير والبتروكيماويات والغاز الطبيعي المسال طويلة الأمد مع الهند والصين والمستوردين الآسيويين الآخرين مع الاستفادة من ميزتها في الإنتاج منخفض التكلفة. ومن المرجّح أن تستفيد الدول المستهلكة من زيادة العرض وانخفاض الأسعار.
المسار الأكثر ترجيحاً على المدى الطويل ليس انهيار أوبك+، بل تحوّلها التدريجي إلى مؤسّسة أضعف وأكثر لامركزية. فمن المرجّح أن تواصل المملكة العربية السعودية محاولاتها للحفاظ على استقرار السوق والانضباط المؤسّسي، لكن خروج الإمارات قد يشجع المنتجين الآخرين على إعطاء الأولوية لإستراتيجيات الإنتاج المستقلة على التنسيق السوقي. وهذا من شأنه أن يسرّع الانتقال نحو سوق نفط عالمي أكثر تجزئة يتميز بإدارة مركزية أضعف وتقلبات أكبر.
التوصيات
يجب على صانعي السياسات والأطراف المعنيين في سوق الطاقة الاستعداد لبيئة طاقة خليجية أكثر تجزئةً وتنافسيةً حيث قد لا تصمد الرهانات التقليدية حول انضباط أوبك. ومن المهم للحكومات التي تعتمد اعتماداً كبيراً على واردات النفط الخليجي تنويع علاقات الإمداد وتعزيز الاحتياطيات البترولية الإستراتيجية تحسباً لزيادة تقلبات السوق.
على المستوى الإقليمي، يجب على دول الخليج إعطاء الأولوية للآليّات الدبلوماسية القادرة على إدارة التباينات الإستراتيجية الإقليمية المتنامية قبل أن تمتد المنافسة الاقتصادية إلى مزيد من التجزئة الجيوسياسية الأوسع. وبينما من المرجّح أن تستمر المنافسة بين الرياض وأبوظبي، فإنّ الحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق الإستراتيجي بشأن أمن الطاقة والاستقرار البحري يظل ضرورياً للاستقرار الاقتصادي الإقليمي.
يجب على صانعي السياسات الدوليين، لا سيّما في واشنطن وبكين، أن يدركوا أيضاً أنّ سياسات الخليج يمكن أن تُعرّف أكثر فأكثر من خلال التحالفات الثنائية المرنة بدلاً من مجلس التعاون الخليجي ككتلة منسقة.