قوات الأمن العراقية تقف حراسة خلال موكب جنازة أحد أعضاء قوات الحشد الشعبي، وهي شبكة جامعة للفصائل المندمجة رسمياً في الدولة ولكنها تضم ​​جماعات قوية موالية لإيران، في بغداد في 8 مارس 2026. (أحمد الربيعي / وكالة فرانس برس)

الحرب الإيرانية تُصيب ديناميكيات المشهد السياسي العراقي

يلقي الصراع الدائر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بتداعياته الثقيلة على العراق، ويزيد من حدّة التوترات في القضايا الخلافية بين العراقيين التي تنطلق من السيادة وتمتدّ لتصل إلى مواقفه الإقليمية

21 أبريل، 2026
زيدون الكناني

بالنسبة إلى العراق، لا يُنظر إلى حرب إيران على أنها مجرّد أزمة إقليمية أخرى تتسرّب عبر حدوده، بل هي حرب تعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية تتعلّق بطبيعة النظام السياسي الذي تشكّل بعد عام 2003 وتشمل: مدى النفوذ الإيراني، ومستقبل العلاقات مع دول الخليج العربي والولايات المتحدة، ودور الفصائل الموالية لإيران داخل قوات الحشد الشعبي بصفته الرسمية.

 

ومع ذلك، فإن التحوّلات في هذه الملفات ليست وليدة الحرب وحدها، بل كانت قد بدأت بالفعل خلال مرحلة انتقالية في المشهد السياسي العراقي سبقت اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير، وما أعقبه من تصاعد في منسوب الصراع. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أصبح موقع إيران داخل العراق أكثر عرضة للطعن، وذلك بالتزامن مع إعادة دول الخليج ضبط مقاربتها تجاه بغداد، ومواجهة القادة العراقيين تحدّياً لافتاً يتمثّل بإدارة الفصائل المسلحة النافذة التي تعمل في إطار الدولة وخارجها في آن واحد.

 

وعليه، فإنّ هذه الحرب لم تُنتج واقعاً سياسياً جديداً بالكامل، بقدر ما سرّعت في اتجاهات قائمة بالفعل، وكشفت عن توترات لم تُحسم بعد. كما رفعت سقف توقعات الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي في وقتٍ يجد فيه العراق نفسه مضطراً للتعامل مع أسئلة مزمنة تتعلق بالسيادة والأمن والاصطفاف الإقليمي، ولكن هذه المرّة تحت ضغط لم يسبق له مثيل في أي وقت مضى.

 

 

تطوّر النفوذ الإيراني في العراق قبل الحرب

 

برزت إيران بوصفها المستفيد الأبرز من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. فقد أدّى انهيار الدولة البعثية إلى فراغ في السلطة تمّكنت طهران من استثماره من خلال موقعها الفريد آنذاك، إذ رسّخت حضورها داخل النظام السياسي العراقي عبر استراتيجية مزدوجة تقوم على رعاية الفصائل المسلحة وبناء شبكات من الوكلاء السياسيين. وتمكّنت الفصائل الموالية لإيران من حجز مواقع لها في البرلمان والحكومات المتعاقبة، ما أتاح لطهران الحفاظ على نفوذ مؤسسي فاعل في عملية صنع القرار في بغداد.

 

تعزّز هذا الحضور بشكل أكبر مع تأسيس قوات الحشد الشعبي عام 2014، وهي مظلة تضمّ فصائل مسلحة يغلب عليها الطابع الشيعي، جرى حشدها لمواجهة التمدّد السريع لتنظيم «الدولة الإسلامية» في شمال العراق وغربه. وسارعت إيران إلى التأثير في بنية الحشد من الداخل، فدفعت بأكثر الفصائل ولاءً لها، مثل جماعات أهل الحق وكتائب حزب الله وحركة النجباء، إلى مواقع قيادية، وضمنت لها الوصول إلى التمويل الحكومي. وبذلك أسهمت طهران في تحويل أجزاء من جهاز دفاعي مُعترف به رسمياً إلى أدوات ضمن استراتيجيتها الإقليمية.

 

مع ذلك، لم يكن دور إيران في العراق يوماً محل إجماع أو هيمنة مطلقة كما توحي به بعض السرديات الشائعة. إذ تميل الكثير من الأدبيات التي تناولت عراق ما بعد 2003 إلى تصوير مقاومة النفوذ الإيراني على أنها محصورة أساساً في الأوساط السياسية السنية والكردية، وهو طرح يغفل دينامية أكثر أهمية. فقد برزت التحديات الأكثر استمرارية وتأثيراً لنفوذ طهران داخل الساحة السياسية الشيعية نفسها، بما يعكس تنوّعها الأيديولوجي، خلافاً للصورة النمطية التي تقدّمها ككتلة متجانسة.

 

بدوره، سعى التيار الصدري إلى بلورة هوية شيعية عراقية مستقلة ترفض الوصاية الإيرانية، في حين شكّل انفصال القيادي الشيعي عمار الحكيم عن منظمة بدر المقرّبة من إيران وتأسيسه تيار الحكمة خطوة مدروسة لإعادة التموضع نحو مقاربة أكثر توازناً في العلاقات مع واشنطن ودول الخليج العربي.

 

 غير أن القطيعة الأشد لم تأتِ من إعادة اصطفاف النخب، بل من الشارع. إذ مثّلت احتجاجات أكتوبر، التي اجتاحت المحافظات ذات الغالبية الشيعية منذ أكتوبر 2019، أبرز تحدٍ شعبي للنظام السياسي القائم بعد 2003. فقد وجّه شبّان شيعة غضبهم نحو طبقتهم السياسية، ولا سيما القوى المرتبطة بنفوذ إيران. وأظهرت هذه الاحتجاجات أن الحد من نفوذ طهران بات، في الوعي العام، جزءاً لا يتجزأ من أجندة الإصلاح الأوسع: مكافحة الفساد، إنهاء الإفلات من العقاب، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمات العامة.

 

وتعكس هذه المواقف المتباينة داخل النخبة السياسية الشيعية درجة عالية من التنوّع الفكري والسياسي. فالمجتمع السياسي الشيعي في العراق أكثر تعددية بكثير مما توحي به صيغة «المحاصصة» التوافقية، وهي الإطار الذي يختزل هذه التعقيدات عبر توزيع المناصب العليا بشكل جامد: رئاسة الوزراء للعرب الشيعة، ورئاسة الجمهورية للأكراد، ورئاسة البرلمان للعرب السنة.

 

 

إحياء القضايا العالقة في ظلّ الحرب

 

لم يمضِ وقت طويل حتى جذبت الحرب الدائرة العراق سريعاً إلى مدارها. فقد شنّت فصائل من الحشد الشعبي الموالية لإيران هجمات على مصالح الولايات المتحدة داخل العراق وفي دول مجاورة، في حين وجدت بغداد نفسها، في الوقت نفسه، هدفاً لضربات عسكرية أمريكية، ما كرّس موقعها كساحة لتقاطع أجندات خارجية متنافسة.

 

وكانت التداعيات الاقتصادية قاسية بالقدر نفسه. إذ أدّى تعطّل تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى توجيه ضربة حاسمة لإيرادات العراق النفطية، التي تشكّل أكثر من 90 في المئة من الموازنة العامة. وهو ما يهدّد قدرة الحكومة على تمويل الخدمات العامة والحفاظ على عقدها الاجتماعي الهش أصلاً.

 

أعاد ذلك إحياء سؤال مزمن في السياسة العراقية: ما مصير الحشد الشعبي؟ تراوح الجواب على مدى سنوا، بين الاحتواء والتفكيك. وقد شكّل الاحتواء الخيار الواقعي للحكومات المتعاقبة، إدراكاً منها أن حلّ الحشد ليس ممكناً سياسياً ولا رشيداً عسكرياً.

 

فالفصائل الأقوى متغلغلة داخله بعمق في مؤسسات الدولة، وتتلقى رواتب من الخزينة، وتحتفظ بهياكل قيادة مستقلة، فضلاً عن استمرار دعمها من طهران. كذلك، فإنّ المحاولات السابقة لدمج هذه الفصائل ضمن التسلسل القيادي الرسمي للقوات المسلحة،  لا سيما في عهد رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي،  لم تحقّق سوى نتائج محدودة، إذ قاومت الجماعات الموالية لإيران عملية الدمج واستمرت في العمل كـ«دولة داخل الدولة».

 

وعلى الرغم من خضوع الحشد الشعبي رسمياً لسلطة رئيس الوزراء، دأبت الفصائل الأكثر ارتباطاً بإيران على التصرف خارج أوامر الدولة، لا سيما في تعاملها مع الولايات المتحدة. والحشد ليس كياناً متجانساً، إذ ترى بعض فصائله في مواجهة القوات الأمريكية واجباً أيديولوجياً، فيما تميل فصائل أخرى إلى التهدئة خشية التعرّض لضربات مدمّرة وتقويض شرعية الدولة العراقية. ويعكس هذا الانقسام توتراً أوسع بين مقتضيات المصلحة الوطنية العراقية ومتطلبات الاصطفاف مع إيران.

 

أما خيار تفكيك الحشد الشعبي، فقد ظلّ إلى حدّ كبير في إطار الخطاب العام أكثر منه سياسة قابلة للتنفيذ نظراً لما ينطوي عليه من مخاطر مُواجهات مسلّحة واضطراب سياسي واسع. وقد زادت حرب إيران من حدّة هذا الجدل، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الخارجية على بغداد للانتقال من سياسة الاحتواء إلى خيارات أكثر جذرية. ومع ذلك، فإن الشروط البنيوية التي جعلت تفكيك الحشد غير واقعي قبل الحرب لا تزال قائمة بقوّة حتى اليوم.

 

 

بين السيادة وسياسات الوكلاء

 

استفادت إيران أيضاً من سنوات التوتر في علاقات العراق مع جيرانه في مجلس التعاون الخليجي. وعلى خلاف منافسيها الخليجيين، ولا سيما السعودية، أدركت طهران أن ترسيخ نفوذها في العراق لا يمكن أن يتم عبر بوابة بغداد الرسمية وحدها.

 

 لذلك انخرطت في المنظومة السياسية العراقية كاملة، حيث نسجت علاقات مع الفصائل المسلحة، وتعاملت مع ثقل المؤسسة الدينية الشيعية المرجعية بقيادة السيد علي السيستاني في النجف، كما أقامت روابط مع نخب سياسية كردية وسنية. وقد أتاح لها فهمها الدقيق لتعقيدات المشهد السياسي العراقي المشرذم، التفوق باستمرار على نظرائها في الخليج.

 

غير أن مقاربة دول مجلس التعاون تجاه العراق شهدت في السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً. إذ بدأت هذه الدول بالابتعاد تدريجياً عن سياسات خارجية قائمة على الانقسام الطائفي، مدفوعة بإدراكٍ متزايد للفارق بين الدولة العراقية وبين «الدولة العميقة» التي نسجتها الفصائل الموالية لإيران.

 

وقد تُرجم هذا التحول إلى انخراط اقتصادي خليجي أعمق مع بغداد بوصفها شريكاً سيادياً، مع الإبقاء على قدر من الحذر تجاه البنى الموازية التي تعمل داخلها.

 

يُمكن القول أن الحرب الجارية اختبرت حدود هذا التمييز، ودَفعت دول الخليج إلى تبنّي موقف دبلوماسي أكثر صرامة تجاه بغداد. فعندما شنّت فصائل موالية لإيران داخل العراق ضربات مباشرة على دول خليجية ضمن استراتيجية الرد الإيراني في زمن الحرب، أوضحت حكومات الخليج أن بغداد ستُحاسب وفق معايير أعلى على أي أعمال تُنفّذ انطلاقاً من أراضيها.

 

أما بالنسبة إلى القادة العراقيين، فقد باتت معادلة التوازن أكثر تعقيداً. حيث سعت بغداد إلى تحييد نفسها عن تداعيات صراعات ما بعد السابع من أكتوبر عبر تبنّي سياسة «العراق أولاً»، بما يعكس صورة عن قدرة أكبر على التحكّم في بيئتها الأمنية. لكن مع اتساع رقعة الحرب، وجد المسؤولون العراقيون أنفسهم مجدداً يسيرون على حبل مشدود، فتارةً يقدّمون التعازي علناً في اغتيال خامنئي، وفي الوقت نفسه يرفضون الضغوط الإيرانية للانخراط في الحرب، ويوجّهون قوات الأمن لحماية البعثات الدبلوماسية وحقول النفط، ويقيلون قيادات عسكرية واستخباراتية رفيعة لإظهار الجدية في ضبط الوضع.

 

يبدو أن الحكومة العراقية تقع اليوم تحت وطأة ضغوط لا تستطيع الإفلات منها بالكامل. ففي مارس 2026، خوّل مجلس الأمن الوطني الحشد الشعبي بالرد دفاعياً على الهجمات التي تستهدف مواقعه، في محاولة للجمع بين حماية القوات وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع واشنطن. ومع ذلك، لا تزال الفصائل الموالية لإيران تحتفظ بهامش كافٍ من الاستقلالية يسمح لها بالتحرّك من دون موافقة بغداد، ما يعني أن السلطة على الورق لا تترجم بالضرورة إلى سيطرة فعلية على الأرض. ويمكن فهم قرار مارس لا بوصفه تصعيداً، بل كتنازل مُدار لفصائل تعجز الدولة عن ضبطها، ومؤشراً واضحاً على حدود السيادة العراقية.

 

ومع ذلك، ثمّة مصلحة مشتركة تجمع الحكومة العراقية والرأي العام العراقي والولايات المتحدة ودول الخليج، تتمثّل في تعزيز استقلال العراق عن النفوذ الإيراني. لكن بغداد وجيرانها الخليجيين يتقاسمون أيضاً حساباً أكثر دقة، يقوم على ضرورة تقليص هذا النفوذ من دون المساس بأمن إيران القومي، تفادياً لاضطرابات قد تمتد آثارها إلى نظام إقليمي هش أصلاً.

 

لم تحسم حرب إيران هذه التوترات، بل زادت من حدّتها. والسؤال المحوري اليوم، هو ما إذا كانت بغداد قادرة في ظل هذا الاضطراب الجيوسياسي الحاد على كبح شبكات النفوذ الموالية لإيران، والحفاظ على شراكاتها الخارجية، وتعزيز سيادتها، من دون أن تتسبّب في تصدّع داخلي أو تصعيد خارجي.

 

وبالمثل، يتعيّن على الولايات المتحدة ودول الخليج التحرّك بحذر لضمان ألا تتحوّل الضغوط على العراق إلى عزلة قد تستغلها طهران بسهولة لإعادة ترسيخ النفوذ نفسه الذي تسعى هذه الأطراف إلى الحدّ منه.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد: إيران، العراق

المؤلف

أكاديمي ومحلل سياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط
أكاديمي ومحلل سياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والمدير المؤسس لمعهد “آفاق عربية”. شغل سابقاً منصب أستاذ محاضر في جامعة جورجتاون في قطر، وجامعة أبردين التي تخرّج منها بدرجة الدكتوراه في السياسة والعلاقات الدولية. يقود الكناني مبادرات استراتيجية في قطاع التعليم غير الربحي في دولة قطر، ويُشارك في البرامج الإعلامية والسياسية المهتّمة بالشؤون الإقليمية والدولية.… Continue reading الحرب الإيرانية تُصيب ديناميكيات المشهد السياسي العراقي