شهدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية–الإيرانية الراهنة، انخراطًا محدودًا من قبل جماعة “أنصار الله” الحوثيين اليمنية. وقد اتسم هذا الانخراط بالسلوك الحذر والتدرج، ما أثار تساؤلات حول دوافع هذا التدخل المحدود، والعوامل التي تضبط قرار التصعيد لدى فاعل من غير الدول يمتلك قدرات تأثير إقليمية.
يطرح التدخل المحدود للحوثيين في الحرب الأمريكية الإسرائيلية–الإيرانية الراهنة، تساؤلات جوهرية حول اختيارهم نمط “التدخل المحدود” بدلاً من الانخراط الكامل على الرغم من امتلاكهم أدوات تصعيد عالية التأثير. إلا أن هذا السلوك ناتج عن تفاعل معقد بين الردع العسكري، والقيود الاقتصادية، والتوازنات الإقليمية. ويستند إلى أبعاد عسكرية واقتصادية واستراتيجية، تنطلق من “تصعيد مقيّد” يهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وتعكس هذه الاستراتيجية توجه الحوثيين نحو إعادة توظيف أدوات القوة لديهم ضمن حسابات دقيقة تُحقق التوازن بين النفوذ والبقاء، مع الحفاظ على أوراق الضغط غير المستخدمة، وعلى رأسها ورقة البحر الأحمر.
ينطلق تدخّل الحوثيين في الحرب الأمريكية الإسرائيلية–الإيرانية من مقاربتين نظريتين أساسيتين تتمثّل الأولى في نظرية الردع خصوصًا في نسختها غير المتكافئة، حيث تستخدم الجهات الأضعف أدوات منخفضة الكلفة لإحداث تأثير استراتيجي؛ ونظرية الحرب غير المتكافئة التي تفسر سلوك الفاعلين من غير الدول في مواجهة القوى التقليدية المتفوقة. بالإضافة إلى ذلك، يُمكن تفسير السلوك العملياتي الحوثي من خلال مفهوم التصعيد تحت العتبة، مع الاعتماد على تفكيك المعطيات العسكرية والاقتصادية وربطها بالسياق الإقليمي.
بين الرمزية والحسابات الاستراتيجية
على الرغم من محدودية الأثر العسكري للهجمات التي نُفذّت، إلا أنها أدّت وظيفة سياسية ورمزية، تمثّلت في إثبات الحضور ضمن محور إقليمي أوسع من دون تحمّل كلفة التصعيد الشامل. وهذا يعكس عقيدة الضرب حيث يكون التأثير السياسي أكبر من المخاطر العسكرية.
وقد اتسم التدخل الحوثي بعدّة خصائص رئيسية، منها الحذر الشديد والتأخر الزمني المحسوب في الدخول إلى الحرب. وبالتالي يعكس توقيت التدخل انتظار اللحظة المناسبة لتحقيق تأثير أكبر. كذلك، اقتصرت العمليات على استهداف إسرائيل من خلال هجمات محدودة عبر الصواريخ والطائرات المُسيّرة. فقد اختار الحوثيون محدودية التأثير العسكري من خلال هجمات رمزية أكثر من كونها حاسمة ذات تأثير عسكري محدود أو ضعيف لبُعد المسافة وخطر أقل. ناهيك عن قوة وفعالية الدفاعات الجوية الإسرائيلية، مما يؤدي إلى تجنب أي تصعيد كبير.
لقد تجنّب الحوثيون الجبهات ذات التأثير العالي مثل مهاجمة الملاحة في البحر الأحمر، أو استهداف الخليج أو الطاقة. ويعكس ذلك بُعداً استراتيجياً في إثبات المشاركة من دون فتح جبهات خطيرة. أما في البعد الدعائي، فقد استثمر الحوثيون كثيرًا في دعم القضية الفلسطينية، وعززوا صورتهم كقوة “مقاومة”، وبالتالي فإن هذه المشاركة المحدودة في الحرب الراهنة تعزز صورتهم في مخيال الدعم الفلسطيني والعربي.
من خلال التدخل المتأخر، يسعى الحوثيون إلى تحقيق موازنة دقيقة بين دعمهم لإيران وتجنب ردود فعل مدمرة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك الحفاظ على مصالحهم الداخلية وعلاقاتهم الإقليمية في آن واحد. تعكس هذه السمات انتقال الحوثيين من نموذج “الردع غير المتكافئ المفتوح” إلى نموذج “الردع المقيد”، حيث يتم استخدام القوة بشكل انتقائي لتفادي ردود فعل مدمرة.
البحر الأحمر كسلاح ردع مؤجل
يُمثّل البحر الأحمر وبشكل خاص مضيق باب المندب مركز الثقل الاستراتيجي للحوثيين، نظرًا لتأثيره المباشر على التجارة العالمية بنسبة 10إلى 12 في المئة، وسلاسل الإمداد بنسبة 25 إلى 30 في المئة من الحاويات، ورفع أسواق الطاقة بشكل فوري ما يُجبر القوى الكبرى على الرد.
إلا أن امتناع الحوثيين عن استخدام هذه الورقة يشير إلى تحوّل نوعي في التفكير الاستراتيجي، حيث عملوا على تحويل هذه الأداة من وسيلة ضغط تكتيكي يومية إلى أداة ردع استراتيجية احتياطية، مع إدراك أن تفعيلها في الظرف الحالي قد يؤدي إلى تصعيد غير قابل للاحتواء. وبالتالي، فإن ضبط استخدام هذه الورقة يعكس وعيًا بحدود القوة، وليس تراجعًا عنها.
طبيعة الاستراتيجية العسكرية
اعتمد الحوثيون سابقًا على نموذج الردع غير المتكافئ القائم على كلفة منخفضة في استخدام الصواريخ والمسيرات مقابل تأثير عالي يتمثّل في تهديد التجارة والطاقة. لكن في هذه الحرب، نلاحظ تحولًا إلى الردع المُقيَّد أي استخدام القوة من دون تفعيل أقوى أدواتها.
من هنا فقد تميزت الاستراتيجية العسكرية الحوثية بالحذر الاستراتيجي في سلوك محسوب لتجنب التصعيد الشامل؛ والتصعيد المحدود المتمثل في مشاركة من دون الانخراط الكامل؛ وتوازن المخاطر والمكاسب، حيث تُحسب كلّ خطوة وفق احتمالات الرد العسكري، والتأثير الاقتصادي، والاستقرار الداخلي. إلى جانب الحرب غير المباشرة، حيث يُعدّ الحوثيون جزء من شبكة إقليمية تقودها إيران؛ إضافة إلى إيلاء هذه الجماعة الأهمية للاقتصاد في اتخاذ أي قرار عسكري، وتحمّل تداعياته.
إعادة تشكيل السلوك السياسي
لقد أسهمت تجربة الضربات الأمريكية الإسرائيلية على الحوثيين خلال الفترة 2024–2025 في الردع العسكري من خلال إضعاف البنية العسكرية وتقليص القدرات العملياتية؛ كما كشفت عن اختراقات استخباراتية. كذلك، تمثّل الردع في التهديد بضربات جديدة، واستمرار المراقبة الاستخباراتية.
وقد أدّى ذلك إلى إعادة تشكيل السلوك الحوثي من نمط هجومي مستمرّ إلى نمط ضربات محسوبة ومنخفضة المخاطر. يعكس هذا التحول نجاحًا نسبيًا لسياسات الردع، ليس في إنهاء القدرة الحوثية، بل في إعادة ضبط استخدامها.
كذلك، لعبت العوامل الاقتصادية دورًا مركزيًا في ضبط السلوك الحوثي. وعليه فقد كان القرار العسكري الحوثي في جوهره قرارًا اقتصاديًا-استراتيجيًا مركبًا. إذ يُشكّل الاقتصاد الداخلي الحوثي نقطة ضعف حرجة، فهو يعاني من هشاشة هيكلية واعتماد جزئي على التجارة المحدودة وتهريب النفط وعلى تدفقات خارجية عبر رواتب وتحويلات، ومن تأثير العقوبات، ومن تدمير البنية التحتية وتراجع الإيرادات. وبالتالي فإنّ أي تصعيد كبير يعني خطر انهيار داخلي وشيك.
لا بُدّ أيضاً من التوقف هنا عند العلاقة الاقتصادية مع السعودية التي تشكّل نقطة استراتيجية غالبًا ما يقع التقليل من أهميتها. فالسعودية مصدر دعم غير مباشر إذ تمول جزئيًا الرواتب في مناطق الحوثيين، وتمثّل صمام استقرار اقتصادي. لم يكن في حساب الحوثيين قطع هذا الشريان، فتجنبوا ضرب البحر الأحمر. وهذا قرار اقتصادي، إذ إن أي تصعيد واسع، خصوصًا في البحر الأحمر، سيؤدي إلى تقويض هذه العلاقة وتسريع الانهيار الاقتصادي الداخلي. أما في حال صعّد الحوثيين لتحقيق التأثير العالي المحتمل، فإنّ إغلاق باب المندب يعني ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 150 دولارًا، والتضخم العالمي، وتعطيل سلاسل الإمداد. لكن هذا السلاح فعال فقط في حال كان قابلًا للاستمرار، في حين أن الحوثيين كانوا غير قادرين على تحمّل تبعاته.
فاعل عقلاني ضمن شبكة إقليمية
على الرغم من كونهم فاعلًا خارج الدولة، يظهر الحوثيون سلوكًا قريبًا من سلوك الدول، يتمثل في حسابات دقيقة للكلفة والعائد، وإدارة واعية للعلاقات والتحالفات؛ والحفاظ على هامش استقلال نسبي عن إيران. في هذا السياق، لا يمكن فهم تدخلهم إلا ضمن إطار الحرب غير المباشرة، حيث يشكلون جزءًا من شبكة إقليمية أوسع، لكن من دون فقدان قدرتهم على اتخاذ قرارات مستقلة مرتبطة بمصالحهم المحلية. فالهدف الحقيقي من التدخل عسكريًا لم يكن بحتًا، بل في دعم إيران تفاوضيًا، والحفاظ على مكانتهم الإقليمية، وتعزيز شرعيتهم الداخلية، وإبقاء خيار التصعيد مفتوحًا.
يمكن تفسير السلوك الحوثي من خلال معادلة مبسطة: إذا كان التصعيد يعزّز النفوذ السياسي ولا يهدد البقاء، فيتم اعتماده. أما إذا كان يهدد الاستقرار الداخلي أو يؤدي إلى ردّ مدمر، فيتم تجنبه.
يندرج هذا ضمن استراتيجية “التصعيد تحت العتبة”، التي تسمح بتحقيق أقصى قدر من التأثير بأدنى كلفة ممكنة. وهذا هو مفتاح فهم سلوك الحوثيين، إذ قاموا بضربات لا تستفز ردًا شاملًا، وأطلقوا تهديدات من دون تنفيذ كامل، وسجّلوا حضورهم من دون انخراط كامل.
الخاتمة
إنّ التدخل الحوثي المحدود لا يعكس حالة ضعف، فهذا اللاعب لا يتصرف كقوة متهورة، بل كفاعل عقلاني براغماتي عالي الحسابات، يقوم على موازنة دقيقة بين النفوذ والبقاء.
لقد أعادت الضربات العسكرية السابقة قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية تشكيل هذا السلوك، فيما فرضت القيود الاقتصادية والتوازنات الإقليمية سقفًا واضحًا للتصعيد.
في هذا الإطار، تحوّلت الأدوات الأكثر تأثيرًا، وعلى رأسها ورقة البحر الأحمر، إلى وسائل ردع احتياطية واستراتيجية مؤجلة بدلًا من استخدامها كأدوات ضغط تكتيكية فورية. كما أعادت الضربات السابقة تشكيل سلوكهم العسكري من “هجومي” إلى “حذر تكتيكي”.
وكان الاقتصاد الداخلي والعلاقة مع السعودية عنصران حاسمان في كبح التصعيد. بالتالي، فإن الحوثيين لم يخوضوا حربًا شاملة، بل مارسوا دورًا تكتيكيًا محسوبًا ضمن استراتيجية إقليمية أوسع، قائمة على إدارة التصعيد لا الانخراط فيه. وتدخلهم الحالي خدم إيران سياسيًا كما خدمهم داخليًا.