ما يجري في إيران ليس حرباً على توازنات القوة الإقليمية أو ملفاً لاحتواء البرنامج النووي، إنه محاولة لضرب المركز الجغرافي لنظام عالمي ناشئ متعدد الأقطاب، صُمّم ليتجاوز الهيمنة الغربية، عبر استهداف الدولة التي تُعزز الطموحات الصينية والروسية على امتداد القارة الأوراسية. إن الضربات التي استهدفت المنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية ومراكز القرار السياسي ولا سيما اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربة الافتتاحية أدّت عملياً إلى قطع شريان محوري كانت بكين وموسكو تعبران من خلاله نحو أوروبا غرباً، والمحيط الهندي جنوباً.
تعكس هذه الحرب، في منطقها الجيوسياسي، ما يمكن وصفه بـ«حصار أوراسي» ممنهج، يهدف إلى تفكيك الركيزة الجغرافية لنظام متعدّد الأقطاب عملت القوى الصاعدة على بنائه على مدى عقدين. وفي هذا الإطار، تُمثّل إيران حجر الزاوية في بنية تربط بين مبادرة «الحزام والطريق» الصينية وممرّ النقل الدولي بين الشمال والجنوب الذي تقوده روسيا. وبالتالي، فإن إخراج إيران من هذه المعادلة لا يضعف هذه البنية فحسب، بل يهدّد تماسك المشروع الأوراسي برمّته.
إيران كعقدة أوراسية
تحتلّ إيران موقعاً جغرافياً فريداً يجعلها أقرب إلى «مفصل قاري» منها إلى دولة إقليمية تقليدية. فهي الدولة الوحيدة التي تطلّ في آنٍ واحد على بحر قزوين والخليج العربي، ما يتيح لها ربط ممرات النقل البرّية الممتدة من آسيا الوسطى إلى المحيط الهندي. وعلى هذه الجغرافيا تحديداً، بنت كلّ من بكين وموسكو مشاريع ربط كبرى، ما جعل إيران ركيزة محورية في تصوّراتهما لدمج الفضاء الأوراسي.
وبموجب اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقّعة عام 2021، والتي تُقدّر قيمتها بـ400 مليار دولار على مدى 25 عاماً، خطّطت بكين لتحويل الموانئ الإيرانية إلى مراكز رئيسية تربط خطوط السكك الحديدية الممتدة من مدينة شيآن الصينية مروراً بكازاخستان وتركمانستان وصولاً إلى قلب الشرق الأوسط.
أما بالنسبة إلى روسيا، فتُشكّل إيران بوابة جنوبية تربط موسكو بالأسواق الهندية عبر بحر قزوين، وشبكة السكك الحديدية الإيرانية، وميناء بندر عباس. ومع إطلاق أول قطارات حاويات منتظمة تربط مباشرة منطقة موسكو ببندر عباس، بلغ حجم النقل عبر هذا الممر ذروة تاريخية في يناير 2026، ما وفّر لموسكو متنفساً حيوياً في ظل العقوبات الغربية التي قيّدت مساراتها الشمالية.
وعليه، فإن استهداف إيران عسكرياً يعني قطع الجسر الذي يصل بين المحورين الصيني والروسي في قلب أوراسيا، بغض النظر عن المبررات التي تطرحها الولايات المتحدة وإسرائيل. فهذا الجسر هو ما يمنح ما يُعرف بمحور « كرينك» أي الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية الحد الأدنى من التماسك الجغرافي.
المضيق والمفارقة
يُعدّ مضيق هرمز، أحد أضيق الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، أبرز نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي. يمرّ عبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط، تمثّل حوالي 70% من واردات الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. ومع إعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاق المضيق، تراجعت حركة ناقلات النفط بشكل حاد، لتكاد الحركة التجارية تتوقّف.
يكشف ذلك عن تناقض بنيوي في منطق الإغلاق الإيراني. فالصين بوصفها أكبر مستورد للنفط العابر عبر هرمز، تجد نفسها في مواجهة أزمة طاقة حادّة تهدّد اقتصادها الصناعي. وقد ارتفعت أسعار خام برنت بأكثر من 10% في الأيام الأولى من النزاع، متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل بحلول منتصف مارس. بهذا المعنى، تلحق الاستراتيجية الدفاعية لإيران أضراراً اقتصادية جسيمة بالدول نفسها التي تُعلن دعمها لها، ما يكشف عن توتر بنيوي كامن داخل تحالفات النظام متعدد الأقطاب.
حدود المحور الأوراسي
لقد كشفت الأيام الأولى من الحرب على إيران عن ضعف بنيوي في ما يُعرف بمحور «كرينك»، تتمثّل في غياب أي آلية فعّالة للدفاع الجماعي.
اكتفت بكين وموسكو بالإدانة اللفظية من دون تقديم دعم عسكري أو مادي ملموس. فقد صرّحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، أن اغتيال المرشد الأعلى يشكّل «انتهاكاً خطيراً لسيادة إيران وأمنها»، فيما دعا وزير الخارجية وانغ يي إلى وقف فوري للعمليات العسكرية. في المقابل، وصفت وزارة الخارجية الروسية الضربات بأنها «عمل عدواني مسلّح مُخطّط له مسبقاً وغير مبرّر»، بينما اقتصر ردّ الرئيس فلاديمير بوتين على رسالة تعزية بوفاة خامنئي، في موقف لافت بتحفظه، فسّره محللون كمؤشر على حرص الكرملين على عدم تعريض مفاوضاته الجارية مع واشنطن بشأن أوكرانيا للخطر.
يكشف هذا الانفصال بين الخطاب والفعل عن معضلة بنيوية في المشروع الأوراسي متعدّد الأقطاب، فهو يقوم على «شراكات استراتيجية شاملة» تبقى محصورة في التعاون الاقتصادي والسياسي، من دون أن ترتقي إلى تحالفات عسكرية مُلزمة. وعليه، تبقى الضمانات الأمنية التي يوفّرها هذا المحور هشّة، حتى في مواجهة تهديدات وجودية. وبالنسبة إلى الدول التي تفكّر في الاصطفاف معه، تبدو الخلاصة واضحة: المعسكر الأوراسي البديل يفتقر إلى مظلة أمنية موثوقة في مواجهة القوة العسكرية الغربية.
حرب تتجاوز إيران
تشير التطورات العالمية الأخيرة إلى نمط أوسع قيد التشكّل. فمن إطاحة الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا في يناير 2026، إلى الحملة العسكرية ضد الدولة الإيرانية بعد أسابيع، تتعرض عقد رئيسية في الشبكة الاقتصادية الناشئة للصين خارج هيمنة الدولار لتعطيل منهجي. وتشمل هذه العقد صادرات النفط الفنزويلية المسوّاة باليوان، والممرات الإيرانية التي تشكّل أساساً لمبادرة «الحزام والطريق» وترتيبات التجارة والتمويل الناشئة خارج إطار الدولار.
إن السيطرة على مضيق هرمز سواء بتحييد إيران عسكرياً أو عبر ترسيخ الهيمنة البحرية الأمريكية على المدى الطويل تضع يد واشنطن على شريان يتحكم بما يصل إلى 40 في المئة من واردات الصين النفطية من الخليج. وهذا يعزّز نفوذ الولايات المتحدة على أمن الطاقة الصيني، ويعقّد مساعي بكين لبناء نظام مالي مستقل عن الدولار. وإذا ما اكتمل هذا المسار، فسيؤدي حتماً إلى إعادة دمج الصين قسراً في النظام المالي الدولي الذي يهيمن عليه الدولار، وهو النظام الذي أمضت عقدين في محاولة الفكاك منه.
ما يتكشف، إذاً، هو اختبار مصيري لقدرة النظام الدولي متعدد الأقطاب على الصمود أمام القوة العسكرية الأمريكية المباشرة. والسؤال الحاسم: هل تمتلك واشنطن القدرة على تعطيل هذه الممرات المترابطة في الوقت نفسه من دون إطلاق ردود فعل مضادة تُسرّع من التفكّك الذي تسعى لاحتوائها؟ أم أن محاولة خنق التعددية القطبية بالقوة الصرفة ستدفع بكين وموسكو إلى تبنّي بدائل أكثر راديكالية وأقل قابلية للاحتواء؟