الشرق الأوسط يبلغ طاقته القصوى:

الحرب والنزوح والاستجابة الإنسانية

تقدير موقف، مارس 2026
31 مارس، 2026

المقدّمة

أطلقت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية حملة مكثّفة من الغارات الجوية على إيران في 28 فبراير. وفي غضون ساعات، ردّت إيران بشنّ هجمات على إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة وأصولها في مختلف أنحاء الخليج والأردن والعراق. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت إيران فرض حصار على مضيق هرمز الذي تمرّ عبره 20 في المئة من تجارة النفط البحرية العالمية. وفي 2 مارس، انضمّ حزب الله إلى الحرب بإطلاق صواريخ على إسرائيل. من جهتها، ردّت إسرائيل بشنّ غارات جوية على معاقل حزب الله في جنوب لبنان وسهل البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. وفي اليومين الأولين من الحرب، دعا الجيش الإسرائيلي السكان إلى إخلاء 80 قرية وبلدة في جنوب لبنان، ما أدى إلى نزوح نحو 30 ألف شخص.

 

بعد مرور شهر على نشوب الصراع، بلغ عدد النازحين في مختلف أنحاء لبنان مليون شخص. وقد طالت التهديدات الإسرائيلية بالإخلاء ما يُقدّر بـ14 في المئة من مساحة لبنان، إذ شملت جنوب لبنان والضواحي الجنوبية لبيروت والبقاع. ففرضت أعداد النازحين ضغوطاً هائلة على الاقتصاد اللبناني المنهك أساساً. وفي 28 مارس، دخل الحوثيون في اليمن على خطّ المواجهة، فشنّوا هجوماً على إسرائيل بدفعة من الصواريخ الباليستية. ويأتي احتمال تصعيد الصراع وامتداده ليشمل اليمن التي مزّقتها الحرب، ليثير مخاوف إنسانية خطيرة، قد تتحوّل إلى تداعيات كارثية.

 

مع دخول الحرب شهرها الثاني، بات واضحاً أنّ أياً من الطرفين لا يملك أيّ إستراتيجية للخروج. على الرغم من أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل أعربتا في البداية عن أملهما بأن تؤدي الضربات إلى تغيير النظام، فإنّ تحقيق هذا الهدف لا يزال مستبعداً إلى حدّ كبير. من جهتها، قد تشعر إيران، التي تعرّضت لعددٍ من الانتكاسات السياسية والعسكرية على مدى السنتين الماضيتين، بأنّ ليس أمامها خيار سوى المضي قدماً في إثارة الاضطرابات وزعزعة الاستقرار في المنطقة في محاولةٍ لفرض تسوية مقبولة لديها. في المقابل، يُخيّم شبح استمرار الصراع لفترة طويلة على دول المنطقة ويخلق مخاوف جديدة من النزوح وتدفّقات الهجرة والاستجابات الإنسانية التي ينبغي الاستعداد لها.

 

ينظر “تقدير الموقف” هذا في التداعيات الإنسانية للحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، ويركّز بشكلٍ خاص على مسألتي النزوح والاستجابات الإنسانية. ويأتي هذا التحليل في سياق أوسع من الضغوط المالية التي تلقي بثقلها على بنية المساعدات العالمية في ظلّ تراجع قدرات الدول. ويختتم بطرح أفكار حول مسارات العمل المحتملة.

 

 

آثار الحرب على النزوح

تهدّد الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية بتأجيج أزمة النزوح الإقليمية الحادة أصلاً. فقد شهدت منطقة الشرق الأوسط على مدى العقدين المنصرمين قدراً كبيراً من الصراعات والاضطرابات التي تسبّبت بنزوح كثيف للسكان داخلياً أو عبر الحدود. وبالفعل، يسجّل الشرق الأوسط إحدى أعلى المعدّلات في العالم من حيث نسبة اللاجئين. وتشكّل الحرب الأهلية التي عصفت بسوريا بين عامي 2011 و2025 المصدر الرئيسي للنزوح، إذ أسفرت عن النزوح الداخلي لأكثر من 7,4 مليون شخص والنزوح الخارجي لـ6,1 مليون لاجئ. ويشمل هؤلاء 755 ألف طالب لجوء في لبنان و611 ألف في الأردن. ومن المرجّح أن يكون العدد الإجمالي للنازحين خارجياً (من طالبي لجوء وغير طالبي لجوء) أعلى بكثير، بحيث يناهز مليون شخص في كل بلد.

 

كما أدّى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما خلّفه من صراع طائفي إلى النزوح الداخلي لـ2,2 مليون عراقي وإلى هجرة 2,5 مليون لاجئ إلى سوريا والأردن ومصر والخليج. وأسفرت الحروب المتكرّرة بين إسرائيل وفلسطين عن موجات كثيفة من النزوح الداخلي والخارجي. فقد تسبّبت الحرب الأخيرة على غزة بالنزوح الداخلي لنحو مليوني شخص، أي ما يعادل 90 في المئة من سكان قطاع غزة. وبشكلٍ إجمالي، يُقدّر عدد الفلسطينيين المقيمين في مختلف الدول العربية بـ6,5 مليون شخص، معظمهم في الأردن ولبنان وسوريا والخليج.

 

لا تُشكّل الصراعات المصدر الوحيد للنزوح الداخلي والخارجي. فالشرق الأوسط من أكثر المناطق شحاً بالمياه في العالم. وقد دفع التدهور البيئي والتغيّر المناخي أعداداً كبيرة من السكان إلى مغادرة المجتمعات الريفية والتوجّه إلى المناطق الحضرية أو إلى الهجرة نحو دول أخرى سعياً لفرص اقتصادية أفضل. كذلك، دفعت حالة عدم الاستقرار والفرص الاقتصادية المحدودة في دول المنطقة التي تعاني من نقص في الموارد، الكثيرين إلى الهجرة نحو الخليج بحثاً عن فرص العمل والأمان. ناهيك عن العوامل الإضافية المسببة للهجرة إلى الخارج والمتمثلة بضعف الاندماج السياسي بالإضافة إلى الفساد المستشري.

 

لقد فرض هذا النزوح السكاني الكثيف أعباء هائلة على كاهل المجتمعات المضيفة، لا سيما في المناطق الحضرية وفي الدول التي تفتقر إلى الموارد مثل لبنان، والأردن، وسوريا، وفلسطين. كما أسهم في تفاقم التوتّر مع السكان المحلّيين، مؤجّجاً الانقسامات السياسية والطائفية. ونتيجة لذلك، قد تقع الدول التي ليس لديها إمكانيات استضافة لاجئين جُدد في دائرة تداعيات الصراع الحالي. ويجسّد التصعيد بين إسرائيل وحزب الله خير مثال على ذلك. ففي 3 مارس، وصل آلاف المدنيين اللبنانيين الفارين من الضربات الإسرائيلية إلى الحدود السورية، بيد أنّ الكثيرين منهم مُنعوا من العبور. فسوريا التي خرجت لتوها من حرب أهلية دارت رحاها على مدى 15 عاماً وأنهكت اقتصادها، وهي غير قادرة على استضافتهم.

 

كذلك، تعتبَر قدرة سائر الدول الإقليمية على استقبال اللاجئين محدودة جداً أيضاً. إذ يُسجّل لبنان والأردن إحدى أعلى النسب في العالم من حيث كثافة اللاجئين، وتناهز 7 في المئة و9 في المئة من سكانهما على التوالي حتى العام 2022. ولا يشمل ذلك الفلسطينيين الذين توافدوا في عامي 1948 و1967. وتواجه هاتان الدولتان تحديات جسيمة في تقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية لشعبيهما، وبالتالي لديهما قدرة محدودة على استيعاب المزيد من السكان.

 

وعلى الرغم من أنّ العراق المجاور، دولة غنية بالنفط، إلا أنّ عدد سكانه كبير، ناهيك عمّا يعانيه نتيجة الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي أعقبت الغزو الأمريكي عام 2003.

 

في المقابل، جسّدت دول الخليج الغنية بالموارد مصدراً من الاستقرار النسبي في المنطقة خلال هذه الأوقات العصيبة. فبفضل الدعم الذي تمدّه عائدات النفط والغاز الطبيعي، كانت هذه الدول مستعدّة وقادرة على استقبال المهاجرين للمساهمة في تنميتها الاقتصادية. ففي العام 2022، تمحورت نسبة الرعايا الأجانب بين 40 في المئة من السكان في عُمان و88 في المئة في قطر. وقد أدّت الدول الخليجية دوراً حاسماً في توفير فرص عمل، وفرص اقتصادية للمهاجرين على امتداد المنطقة، وشكّلت مصدراً رئيسياً للتحويلات والاستثمارات والمساعدات الإنمائية.

 

غير أنّ الحرب مع إيران تضع كلّ ذلك على المحك. فإذا طال الصراع أكثر من بضعة أسابيع، قد يتعرّض النشاط التجاري والوظائف والاستثمارات والتحويلات والمساعدات الإنمائية للخطر ليس في منطقة الخليج فحسب، بل في العالم أجمع. فقد أدّى خفض إمدادات النفط والغاز الطبيعي العالمية بنسبة 20 في المئة إلى تخطّي أسعار النفط 100 دولار بالبرميل، وهذا كافٍ بحدّ ذاته لإحداث ركود اقتصادي عالمي. من شأن استمرار الأزمة لفترة طويلة أن يؤثّر أيضاً في قدرة الدول الخليجية على استقطاب العمالة الأجنبية الماهرة والمحافظة عليها. ومع ذلك، من المرجّح ألا يغادر المهاجرون المتحدّرون من دول الشرق الأوسط، لا سيما وأنّ الكثيرين منهم قد شهدوا صراعات في أوطانهم حيث تبقى الفرص محدودة.

 

 

التداعيات الإنسانية للحرب

يفرض تجدّد الصراع بين إسرائيل وإيران ضغوطاً إنسانية إضافية على دول المنطقة. وسيتوجّب على الدول الخليجية والعراق والأردن دعم المتضرّرين من أفراد ومجتمعات من خلال توفير الغذاء والمأوى وتلبية الحاجات الأساسية الأخرى. وسيتعيّن عليها كذلك تقديم الدعم للشركات المتأثّرة بتباطؤ النشاط الاقتصادي. ومن المتوقّع أن يكون لبنان الأكثر تضرّراً بسبب تورّطه المباشر في القتال والأزمة الاقتصادية المستمرّة التي يرزح تحت وطأتها، وأن يحتاج إلى الغذاء والمأوى والمساعدة الصحية والخدمات الاجتماعية.

 

على مدى العقد المنصرم، اعتمدت دول في الشرق الأوسط على الدعم المالي السخي الذي قدّمه المجتمع الدولي من أجل التخفيف من آثار الصراعات والأزمات الأخرى. بشكلٍ عام وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تلقّت منطقة الشرق الأوسط بشكلٍ منتظم نسبة تتراوح بين 22 في المئة و43 في المئة من إجمالي المساعدات الإنسانية العالمية (أنظر الرسم البياني أدناه). وعلى مدار العقد الفائت، كانت اليمن المستفيدة الأكبر من التمويل (الذي قاربت قيمته الإجمالية 30 مليار دولار)، تلتها سوريا (27 مليار دولار). أما فلسطين فحصلت على تمويل قدره 14 مليار دولار، علماً أنّها استلمت نصف هذا المبلغ في عامَي 2024 و2025. من ناحيته، حظي لبنان بما يناهز 12 مليار دولار من التمويل.

 

 

 

 

المصدر: خدمة التتبّع المالي في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تاريخ الاطلاع: 4 مارس 2026،https://fts.unocha.org/

 

مع ذلك، تبقى الحاجات الإنسانية للمنطقة هائلة، إذ يُقدّر عدد المحتاجين إلى المساعدة في فلسطين بـ3,6 مليون نسمة، ما يتطلّب نحو 4,1 مليار دولار من المساعدات الإنسانية في العام 2026، مقابل 16,5 مليون شخص في سوريا، ما يستلزم 3,2 مليار دولار من المساعدات الإنسانية. أما في اليمن، فيصل عدد المحتاجين إلى 23,1 مليون شخص، ما يتطلّب 2,5 مليار دولار من المساعدات الإنسانية. تُضاف هذه الأرقام إلى المبالغ الضرورية لتمويل عملية إعادة الإعمار ما بعد الصراع، التي قُدّرت قيمتها بـ216 مليار دولار في حالة سوريا .

 

تأتي هذه الزيادة في الحصول على الاحتياجات، في وقت تتراجع فيه الإعانات العالمية للمساعدات الإنسانية، بما في ذلك التمويل الثنائي والدعم للمنظمات الدولية. فقد انخفض التمويل العالمي من 43 مليار دولار عام 2022 إلى 27 مليار دولار عام 2025. في الوقت عينه، تزداد الحاجات الإنسانية العالمية نتيجة الصراعات والتغيّر المناخي وتآكل المعايير الدولية. وقد كان لهذا الواقع تأثير عميق على وكالات الأمم المتحدة، مثل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، التي عمدت إلى تقليص عدد موظّفيها ومشاريعها. وبعبارة أخرى، لم يعد بإمكان دول الشرق الأوسط الاعتماد على حجم المساعدات نفسه الذي كانت تتلقّاه في السنوات الماضية.

 

 

سُبل المضي قدماً

لا تزال دول الشرق الأوسط ترزح تحت أزمات إنسانية ناجمة عن الصراعات وعدم الاستقرار السياسي وضعف الحوكمة وتراجع الأداء الاقتصادي. ومع ذلك، فإنّها تشهد واقعاً عالمياً جديداً، حيث من المرجّح أن تزداد الاحتياجات الإنسانية في وقت يتضاءل فيه دعم المجتمع الدولي. علاوة على ذلك، قد ينعكس الصراع الحالي وما يرافقه من هجمات غير مسبوقة على مدن المنطقة سلباً على موقف دول الخليج، ما قد يدفعها إلى إعادة النظر في دورها.

 

تُسلّط الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية الضوء على هشاشة المشهد الإنساني في الشرق الأوسط. ولا يزال الغموض يكتنف مسار هذا الصراع، إلا أنه لا يمكن لحكومات المنطقة انتظار تبلور الأزمة قبل الاستعداد لمواجهة تداعياتها. وعلى الرغم من صعوبة تصوّر مسار جديد في ظلّ استمرار الاشتباكات، فإنّ الخطوط العريضة تبقى واضحة:

 

  • تحسين الحوكمة الداخلية: ينبغي على دول الشرق الأوسط تحسين حوكمتها وهياكل سياساتها. فلم يعد بوسع الدول التي تفتقر إلى الموارد الاعتماد على مستوى الدعم نفسه الذي كانت تتلقّاه من المجتمع الدولي في السابق. وكذلك، لم يعد بوسع دول الخليج الاعتماد على توافق المصالح مع الولايات المتحدة في ما يتعلق بقضايا الأمن القومي. لذا لا بدّ من اعتماد دول الشرق الأوسط على مواردها الذاتية وقدراتها السياسية بشكلٍ متزايد.
  • تعزيز التكامل الإقليمي: في هذا السياق، قد تستفيد دول الشرق الأوسط من تعميق التكامل الاقتصادي وتعزيز التعاون الأمني. وتُبرز الحرب الدائرة حالياً مدى الترابط بين أمن المنطقة وازدهارها واستقرارها الإنساني، إذ إنّ الأزمات المتكرّرة تُولّد مخاطر مشتركة عبر الحدود بشكل متصاعد.
  • إصلاح نظام الاستجابة الإنسانية على الصعيد الإقليمي: ينبغي على دول الشرق الأوسط إعادة النظر في كيفية تقديم المساعدات الإنسانية في المنطقة، لا سيّما أنّ الاعتماد على نداءات الطوارئ الدولية قد يزداد صعوبةً في ظلّ تقليص الميزانيات الإنسانية الدولية ونشوء أزمات متعدّدة في أماكن أخرى. لذا يتعيّن على الحكومات والمنظمات الإقليمية ومصارف التنمية التعاون بهدف تطوير آليّات أكثر استدامة لتمويل المساعدات وتقديمها.