دول الخليج في مرمى الحرب التي سعت إلى منعها

تبدو وحدة مجلس التعاون الخليجي صامدة بالكاد على أُسس متباينة إلى حدّ ما في مواجهة الحرب الإسرائيلية الأمريكية-الإيرانية  

2 أبريل، 2026
جورجيو كافيرو

عندما أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في 28 فبراير 2026، جاء ردّ طهران سريعاً ومباشراً عبر استهداف منشآت عسكرية وبنية تحتية مدنية في دول الخليج. واستندت استراتيجية الجمهورية الإسلامية إلى رفع كلفة الحرب وتوزيعها منذ اللحظة الأولى، عبر زعزعة الاستقرار الاقتصادي العالمي، والضغط على دول الخليج بسبب شراكاتها الأمنية مع واشنطن، بالتوازي مع إظهار قدرتها على الصمود في ما تعتبره معركة وجود بالنسبة إليها 

 

برّرت إيران هجماتها بالقول إن القوات الأمريكية والإسرائيلية استخدمت قواعد وأجواء خليجية لتنفيذ عملية «الغضب الملحمي». غير أن العواصم الخليجية نفت ذلك بشكل قاطع، فيما لم تقدّم طهران أي أدلة داعمة لمبرراتها. وبالنسبة إلى كثيرين في المنطقة، تبقى الحقيقة الأهم أن واشنطن مضت في الحرب على الرغم من معارضة خليجية واضحة، ما عمّق شعوراً متزايداً بالاستياء من سياسة أمريكية يُنظر إليها على أنها تتجاهل أمن حلفائها الأقرب في العالم العربي. 

 

اليوم، بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع هذا الصراع، تجد دول الخليج نفسها أمام بيئة أمنية مختلفة جذرياً، فهي عالقة في معادلة دقيقة: تجنّب التصعيد في حرب سعت أصلاً إلى منعها، وفي الوقت نفسه ردع إيران عن مواصلة استهدافها. ويخشى المسؤولون أن يؤدّي الإخفاق في أي من هذين المسارين إلى ترسيخ الخليج كساحة دائمة للرد الإيراني كلما تصاعد التوتر مع واشنطن. وعلى الرغم من ذلك، أسهمت الضربات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت مرافق اقتصادية ومنشآت حساسة للطاقة، في تعزيز قدر من التماسك الخليجي. غير أن هذا التماسك لا يخفي التباين الخليجي في أساليب التعامل مع التهديد الإيراني. 

 

 

استراتيجيات متباينة 

 

تتوزّع مواقف الدول الخليجية الست من الحرب على طيف واسع. تقف المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، اللتان تميلان إلى التنسيق مع واشنطن في مواجهة إيران. وترى الدولتان أن الردع بما في ذلك التعاون العسكري مع الولايات المتحدة ضروري لمنع الهجمات الإيرانية ومنع تكرارها. 

  

في هذا السياق، شدّد سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة الأمريكي، يوسف العتيبة، في مقال كتبه لصحيفة وول ستريت جورنال في 25 مارس على «أن وقف إطلاق نار بسيط لا يكفي. نحن بحاجة إلى نتيجة حاسمة تعالج مجمل تهديدات إيران: قدراتها النووية وصواريخها وطائراتها المسيّرة ووكلاءها المسلّحين وعمليات إغلاق الممرات البحرية الدولية». وأضاف: «لقد تضرّرت القدرات النووية الإيرانية، وضعفت أذرعها. لكن لا بدّ من بذل المزيد لإزالة تهديدات الصواريخ والمسيّرات. ونحن مستعدون للانضمام إلى مبادرة دولية لإعادة فتح مضيق هرمز والحفاظ على انسيابيته».  

 

وقد شكّلت الإمارات منذ 28 فبراير، الهدف الأبرز للهجمات الإيرانية من حيث الكثافة متجاوزة حتى إسرائيل. ويبدو أن هذه الضربات ترتبط بعوامل عدة منها انخراط أبوظبي في اتفاقيات أبراهام، ومزاعم دعم الهجمات الأمريكية على أهداف مدنية داخل إيران، فضلاً عن سعي إيراني لاستغلال مكانة دبي كمركز رئيسي في الاقتصاد العالمي. وقد ترافق ذلك مع تصعيد في الخطاب الإيراني، شمل التلويح بالنزاعات التاريخية حول الجزر الثلاث، في ظل مخاوف من احتمال توسع الحرب إلى تدخل بري. وفي هذا الإطار، حذّر المحلل الأمني الإيراني مرتضى سيمياري عبر التلفزيون الرسمي من أن إيران مستعدة للسيطرة على سواحل الإمارات والبحرين. 

 

أما السعودية، فقد أفادت تقارير بأنها فتحت قاعدة الملك فهد الجوية أمام القوات الأمريكية، في خطوة تعزّز العمق العملياتي لواشنطن، وتعكس في الوقت نفسه تراجعاً عن مسار التهدئة مع إيران الذي كان يتبلور قبل الحرب. ويبدو أن حسابات الرياض تنطلق من قناعة تقوم على عدم السماح لإيران باستهداف أراضيها من دون ردّ. 

 

تحذو البحرين عادة حذو السعودية والإمارات في الأزمات الإقليمية الكبرى، وهذه الحرب ليست استثناءً. فقد كانت البحرين هدفاً رئيساً للضربات الإيرانية على الأرجح بسبب استضافتها الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية، إلى جانب تطبيعها العلاقات مع إسرائيل عام 2020، حيث استُهدفت السفارة الإسرائيلية في أبراج مرفأ البحرين المالي. كما قادت المنامة الجهود الدبلوماسية لدول مجلس التعاون الخليجي في الأمم المتحدة، مستفيدة من موقعها في مجلس الأمن. ومع ذلك، قد تجد البحرين نفسها منخرطة عسكرياً إذا ما قرّرت أبوظبي والرياض الانخراط المباشر في القتال. 

 

تأتي الكويت ضمن الدول الأكثر تضرراً بعد الإمارات من حيث حجم الأضرار الناجمة عن الهجمات الإيرانية، ما يعكس امتداد الصراع إلى أراضيها بشكل مباشر، كما حدث خلال الحرب الإيرانية-العراقية في ثمانينيات القرن الماضي. وقد اتهم وزير الخارجية الكويتي، جرّاح جابر الأحمد الصبّاح، إيران باتباع «نمط ممنهج لزعزعة الاستقرار الإقليمي»، و«استغلال الفوضى والإرهاب كأدوات نفوذ».  

 

كما هو معتاد، تعاملت الكويت مع هذه الأزمة الأمنية من خلال إطار وحدة خليجية صارمة، إذ ترى انسجاماً مع موقفها التقليدي أن تماسك مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية والعمل الجماعي يشكّلان السبيل الأمثل لمواجهة أي اعتداء، سواء من إيران أو من أي طرف خارجي آخر.  

 

على الطرف الآخر من التباين في المواقف، تقف عُمان وقطر اللتان تعطيان أولوية لاحتواء التصعيد. فقد كانت عُمان الأقل تعرضاً للهجمات، وتظل الأكثر تمسكاً بالحفاظ على علاقات طبيعية مع إيران، على الرغم من تعرّضها لعدّة هجمات بطائرات مسيّرة منذ الأول من مارس، مع الإشارة إلى أن المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، نفى مسؤولية طهران عنها واتهم إسرائيل بالوقوف خلفها 

 

ومن خلال تجنّب تحميل طهران مسؤولية مباشرة عن الهجمات على أراضي دول الخليج، بما فيها أراضيها، أعطت مسقط الأولوية لخفض التصعيد والحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة مع إيران والولايات المتحدة وسائر الأطراف المعنية بالنزاع. 

 

في 18 مارس، كتب وزير الخارجية العُماني، سيد بدر البوسعيدي، في مجلة ذي إيكونوميست أن الضربات الإيرانية على «أهداف أمريكية» داخل دول مجلس التعاون «غير مقبولة» و«مؤسفة للغاية»، لكنه اعتبر في الوقت نفسه أن هذا الرد من جانب طهران «كان حتمياً» و«ربما الخيار العقلاني الوحيد المتاح أمام القيادة الإيرانية». كما عبّر عن قناعته بأن إسرائيل دفعت ترامب إلى خوض حرب «ليست حرب أمريكا».  

 

أما قطر، فقد ذهبت أبعد من عُمان في اتخاذ خطوات دبلوماسية تجاه إيران، كما يظهر من لهجة وزارة خارجيتها الصارمة في تسمية إيران صراحة، ومن قرارها طرد الملحقين العسكريين والأمنيين الإيرانيين من الدوحة عقب الضربة التي استهدفت رأس لفان، أهم منشأة للغاز الطبيعي المسال في البلاد. ومع ذلك، وكما أوضح الدكتور ماجد بن محمد الأنصاري مستشار رئيس مجلس الوزراء المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية، فإن القيادة القطرية ترى أن الحل لا يمكن أن يكون إلا دبلوماسياً. وأكد أن الدوحة ستدعم «جميع القنوات الدبلوماسية الرسمية وغير الرسمية»، مشدداً أن على بلاده وإيران «إيجاد طريقة للتعايش»، وأن «القضاء الكامل على إيران» ليس خياراً واقعياً.  

 

 

الموازنة بين الدبلوماسية والردع 

بات واضحاً أن معادلات الأمن في الخليج قد شهدت تحوّلاً جذرياً بعد شهر من الحرب، ما دفع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي إلى اتخاذ قرارات صعبة في مواجهة تهديدات إيران التي تبدو أكثر تشدّداً، ووسط التقلبات المتزايدة في السياسة الخارجية الأمريكية إبّان الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.  

 

في هذا الإطار، تُظهر ردود الفعل الدبلوماسية التي تشمل انخراط السعودية والإمارات في دعم الجهود العسكرية الأمريكية، واعتماد عُمان وقطر نهجاً دبلوماسياً يركّز على خفض التصعيد، تبايناً في المقاربات الخليجية إزاء الضربات الإيرانية، على الرغم من أن مستوى التماسك الخليجي اليوم يفوق ما كان عليه قبل اندلاع الحرب. وبالنظر إلى المرحلة المقبلة، ستجد دول الخليج نفسها مضطرة إلى تحقيق توازن دقيق بين مصلحتها في منع مزيد من التصعيد، وحاجتها إلى ردع الهجمات المستمرة وغير المقبولة التي تستهدف بنيتها التحتية. تزداد هذه المعادلة تعقيداً في ظل احتمال انسحاب أمريكي مفاجئ من الحرب، ما قد يترك دول المجلس في مواجهة منفردة، إذا واصلت طهران حملة ضد أهداف في الخليج بوتيرة منخفضة. 

 

يبقى السؤال هنا مفتوحاً عن قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على بلورة استراتيجيات سريعة وفعّالة لتحقيق هذا التوازن الدقيق، وذلك بالتوازي مع التكيّف في بيئة أمنية، ولكنّها في الوقت ذاته تتغيّر بوتيرة سريعة. ومع توجّه كلّ من إسرائيل وإيران نحو سياسات خارجية مختلفة عن الأعراف التي سادت لسنوات، وفي ظلّ البرود الذي تُبديه الإدارة الأمريكية تجاه المخاوف الأمنية الخليجية، تبدو الأشهر المقبلة مُرشحة لاختبار صلابة هذه الدول الست على نحو غير مسبوق منذ الغزو العراقي للكويت عام 1990. 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد:

المؤلف

الرئيس التنفيذي لشركة تحليلات الخليج
جورجيو كافيرو هو الرئيس التنفيذي لشركة تحليلات الخليج (Gulf State Analytics) وهي شركة استشارية لتحليل المخاطر الجيوسياسية، ومقرّها واشنطن. ويعمل كافيرو أستاذاً مساعداً غير متفرّغ في جامعة جورج تاون، وزميل غير مقيم في معهد أوريون للسياسات (Orion Policy Institute)، وهو زميل مساعد في مركز بحوث مشروع الأمن الأمريكي (American Security Project). كافيرو مساهم منتظم في… Continue reading دول الخليج في مرمى الحرب التي سعت إلى منعها