لم تعد المواجهة تدور على الحدود الجنوبية اللبنانية فحسب، بل باتت حرباً مفتوحة تفرض وقائع عسكرية وأمنية جديدة على البلاد، في وقت تغيب فيه الجهود الدبلوماسية الساعية إلى وقف التصعيد أو حتى كبحه، رغم تحرّك الرئيس الفرنسي.
بالإضافة إلى ذلك، كشفت هذه الحرب عن أخطر تداعياتها التي لا تقتصر على مداها العسكري فحسب، بل بخطر اندلاع فتيل الأزمة السياسية الداخلية في أي وقت.
يأتي هذا التصعيد بعد نحو عام ونصف على وقف الحرب التي خاضها حزب الله تحت عنوان “حرب الإسناد”، والتي أدت إلى خسائر كبيرة في صفوفه داخل بنيته العسكرية و على مستوى قياداته، حيث خسر الحزب أمينين عامين على التوالي، كما تعرّضت منظومته القيادية والأمنية العليا لاختراقات عميقة نتيجة سلسلة من الاغتيالات والضربات المركّزة التي نفذتها إسرائيل.
توقفت تلك الحرب حينها بتوقيع “اتفاق وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل ولبنان”، الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، برعاية أميركية وفرنسية. لكنه لم يؤد إلى وقف الاستهدافات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، التي استمرت بوتيرة قوية ومتصاعدة في الجنوب والبقاع. ترافق ذلك مع انكفاء الحزب لإعادة تنظيم صفوفه وإعادة هيكلة قوته في محاولة لاستعادة توازنه العسكري والسياسي.
اليوم تضع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لبنان في سياق حرب إقليمية أصبحت أكثر اتساعاً مع الهجمات الإيرانية على أهداف ومنشآت في دول الخليج، وتحوّل لبنان إلى ساحة معركة رئيسية. وتأتي أيضاً في لحظة سياسية داخلية مختلفة تماماً عمّا كانت في السابق، إذ يترافق الصراع الحالي مع تغيّر لافت في موقف الدولة اللبنانية الذي جاء أكثر تصادماً، نتيجة تراجع قوّة حزب الله، وتحت ضغط من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
في هذا السياق، أعلنت حكومة الرئيس اللبناني جوزاف عون، في الثاني من مارس 2026 حظر أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية باعتبارها خارجة عن القانون، وحصر مجال عمله في الشق السياسي، وذلك عقب إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل رداً على مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي.
وفي خضمّ هذا الصراع، يواجه لبنان الآن معضلة لا تشبه التجارب السابقة التي مرّ بها في العقود الأخيرة، وتتمثل في مواجهة عسكرية مفتوحة وعنيفة مع إسرائيل، تترافق مع أزمة شرعية داخلية تحيط بترسانة حزب الله ودوره كقوة مسلحة.
حرب ثانية في سياق إقليمي أوسع
مع اتخاذ حزب الله قراره بإطلاقه صواريخ نحو إسرائيل في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تحولت الأراضي اللبنانية إلى ساحة رئيسة ملتهبة لهذا الصراع الإقليمي، حيث ردّت إسرائيل بقوّة مفرطة كان من المتوقع حدوثها، بل تجاوزت في حجمها ونطاقها القصف العنيف الذي شهدته المواجهات السابقة.
كذلك شنّت إسرائيل حملات تهدف إلى تحقيق توغلات في جنوب لبنان، ولوّحت باحتمالية شنّ غزو واسع النطاق. وقد أصدرت أوامر بالإخلاء لكامل سكان الجنوب، ما أدّى إلى نزوح ما يقرب من 700,000 شخص.
على خلفية هذا التصعيد العسكري تتبيّن حقيقة دخول حزب الله الحرب الحالية وهو في وضع مختلف عن السنوات السابقة. فالحرب التي خاضها في 2023–2024 أدت إلى خسائر كبيرة في بنيته القيادية والعسكرية، ما دفع إيران في الفترة الماضية إلى إرسال عدد أكبر من الضباط والمستشارين من الحرس الثوري، خصوصاً من فيلق القدس للمساعدة في إعادة تنظيم الحزب.
وقد أدى ذلك إلى نشوء هيكلية أكثر تعقيداً في إدارة العمليات العسكرية، وبروز دور أكبر لفيلق القدس في تقديم الدعم العملياتي واللوجستي والتقني، بما في ذلك التنسيق المباشر مع العمليات الإيرانية ضد إسرائيل، ما دفع الحكومة اللبنانية لحظر نشاط الحرس في لبنان.
انعكس هذا التنسيق جلياً في بعض العمليات المشتركة التي جرت خلال الحرب الحالية، حيث تم تسجيل استهدافات متزامنة من قبل إيران وحزب الله لأهداف إسرائيلية، في محاولة لإرباك منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية. ويفسر هذا الترابط العسكري أيضاً سبب انتقال إسرائيل إلى استهداف شخصيات إيرانية داخل لبنان، في محاولة لقطع خطوط التنسيق العملياتي بين حزب الله وإيران.
أزمة غير مسبوقة في الداخل اللبناني
على الرغم من خطورة التطورات العسكرية، فإن البعد الأكثر حساسية في الحرب الحالية يتمثل في انعكاساتها على الداخل اللبناني. حيث شكّل قرار الحكومة اللبنانية باعتبار النشاط العسكري والأمني لحزب الله نشاطاً خارجاً عن القانون، تحولاً مهماً في مقاربة الدولة اللبنانية لمسألة سلاح الحزب.
فقد تعاملت الدولة اللبنانية مع ملف سلاح الحزب بوصفه قضية سياسية معقدة تحتاج إلى تدابير داخلية طويلة الأمد طوال الفترة التي تلت توقيع اتفاقية وقف الأعمال العدائية. أما اليوم وفي ظل الحرب الدائرة، انتقل الخطاب الرسمي إلى مستوى مختلف يضع سلاح الحزب في مواجهة مباشرة مع السلطات القانونية للدولة. وقد أكد بيان صادر عن الرئاسة اللبنانية أن هجوم حزب الله كان يهدف إلى نصب «كمين»؛ فإمّا أن يُجبر الجيش اللبناني على مواجهة إسرائيل في معركة عبثية، أو يدفعه للتراجع. وبذلك يُثبت أن حزب الله هو القوّة المسلحة الوحيدة القادرة على الدفاع عن البلاد، بما يُعطي مُبرراً لإبقاء السلاح.
مساران متوازيان
نتيجة لذلك، يبدو لبنان اليوم وكأنه يسير في مسارين متوازيين: المسار الأول هو المسار العسكري الذي يقوده حزب الله في مواجهة إسرائيل، والذي يتخذ طابعاً تصعيدياً مفتوحاً، مع احتمال توسع العمليات في المرحلة المقبلة. أما المسار الثاني فهو المسار السياسي الذي تحاول الحكومة اللبنانية سلكه عبر طرح خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل كجزء من محاولة وقف الحرب.
في هذا الإطار، تحدّث مؤخراً رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بشكل علني عن استعداد لبنان للانخراط في مسار تفاوضي رسمي مع إسرائيل برعاية دولية. يعكس هذا الطرح إدراكاً متزايداً داخل مؤسسات الدولة بأنه في حال استمرار الحرب قد تفرض قوى خارجية ترتيبات أمنية جديدة على لبنان.
وتبدو العلاقة بين هذين المسارين شديدة التعقيد. فبينما تتحدث الدولة عن التفاوض المباشر مع إسرائيل، وحصرية السلاح بيد الدولة، يواصل حزب الله إدارة المواجهة الميدانية العسكرية باعتبارها معركة وجودية في إطار الصراع التاريخي مع إسرائيل.
يعكس هذا التباين أزمة أعمق تتعلق بطبيعة القرار في لبنان. فالحرب الحالية لا تدور فقط بين إسرائيل وحزب الله، بل تكشف أيضاً حدود قدرة الدولة اللبنانية على التحكم بمسار الصراع داخل أراضيها، وعلى تنفيذ قراراتها في ظل استمرار الحرب وانهيار التوازنات الداخلية، المعقدة والمتوترة أصلًا، لا سيما مع أزمة النزوح الكبيرة جراء الحرب.
في جميع الأحوال، تبدو الحرب الحالية لحظة مفصلية في تاريخ لبنان. فهي لا تهدد أمن البلاد واستقرارها فقط، بل تفتح أيضاً نقاشاً داخلياً حاداً حول طبيعة الدولة وحدود سلطتها. وفي ظل غياب أي أفق واضح لوقف الحرب، يمكن تصوّر ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الأحداث في لبنان.
يتمثل السيناريو الأول في نجاح الجهود الدولية والعربية في فرض وقف إطلاق نار سريع، أي العودة إلى اتفاق نوفمبر 2024، ما قد يجمّد الوضع العسكري، إنما من دون معالجة جذور الأزمة الداخلية المتعلقة بسلاح حزب الله.
فيما يفترض السيناريو الثاني استمرار الحرب لفترة أطول مع تصعيد العمليات الإسرائيلية داخل لبنان بهدف إضعاف القدرات العسكرية للحزب بشكل كبير، أو ضربها تمامًا، وهو ما قد يؤدي إلى تغييرات عميقة في التوازنات الداخلية اللبنانية.
أما السيناريو الثالث، والأكثر حساسية، فيتوخى وقف الحرب بفرض ترتيبات أمنية وسياسية على لبنان، والتي قد تتخذ شكل منطقة عازلة في الجنوب.
تبقى العلاقة بين الدولة اللبنانية والقوة العسكرية لحزب الله هي القضية المحورية في السيناريوهات الثلاث. وسواء كان ذلك عبر الدبلوماسية، أو الصراع طويل الأمد، أو الترتيبات المفروضة من الخارج، فمن المرجح أن تعيد الحرب فتح تساؤلات جوهرية حول السيادة والسلطة وهيكلية القوة السياسية في لبنان.
هكذا، يبدو واضحاً أن لبنان يقف اليوم أمام مرحلة مختلفة عن كل ما سبقها منذ نهاية الحرب الأهلية (1990)، مرحلة لم يعد فيها الصراع مقتصراً على التوازنات الداخلية، بل بات مرتبطاً بشكل مباشر بإعادة تشكيل النظام الإقليمي برمته.