في هذه الصورة التي نشرتها البحرية الأمريكية في 6 فبراير 2026، تظهر طائرة من طراز إف/إيه-18إف سوبر هورنت، تابعة لسرب المقاتلات الهجومية (في إف إيه) 41، وهي تهبط على سطح حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن من فئة نيميتز في بحر العرب في 30 يناير 2026. (وكالة الصحافة الفرنسية)

بين الحرب والحوار: هل يُمكن منع الاشتباك الأمريكي-الإيراني؟

في هذه المساحة الحرجة بين الدخول في الحرب أو مواصلة الحوار، يُفهم دور الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي على أفضل وجه باعتباره دورًا احتوائياً.

19 فبراير، 2026
خالد الجابر

مع تصاعد حدّة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، تتجه أنظار العالم مجدداً نحو منطقة الخليج، إذ يعكس التصعيد المتزايد بين الطرفين مدى هشاشة الاستقرار الأمني في المنطقة، بدءًا من تصاعد الأحداث الأمنية البحرية التي تجري في مضيق هرمز ومحيطه، مروراً بإعادة فرض العقوبات، وصولاً إلى المخاوف النووية.

 

تُعدُّ منطقة الخليج مركزاً محورياً لتدفق إمدادات الطاقة العالمية والممرات المائية الاستراتيجية، وتُواجه الدول الأعضاء في منظومة مجلس التعاون الخليجي وضعاً معقداً للغاية. فوقوع هجمات عسكرية على المنطقة يُعرّض هذه الدول لمخاطر اقتصادية وسياسية وأمنية جسيمة.

 

على الرغم من ذلك، تسعى دول المجلس التعاون الخليجي إلى استخدام أدوات الضغط الدبلوماسية التي قد تساعدها في أداء دور الوسيط لمنع وقوع نزاع عسكري، لا سيما وأنها معنيّة بشكل مباشر في احتواء الأزمات. وقد رحّب المجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية باستئناف المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، مُشدداً في بياناته الصادرة مؤخراً أهمية استمرار الحوار لمعالجة الهواجس الأمنية.

 

على مستوى الدول الأعضاء، استخدمت القوى الخليجية الفاعلة، خصوصاً المملكة العربية السعودية وقطر وعُمان ، ثقلها الدبلوماسي لأداء دور الوسطاء بين واشنطن وطهران. ومع ارتفاع وتيرة التصعيد مؤخراً، أصبحت الوساطة ضرورة استراتيجية، رغم تبنّي هذه الدول استراتيجيات متباينة في مجال الوساطة، إلا أنها تُشكّل معاً نهجاً دبلوماسياً متكاملاً قادراً على احتواء الصدمات ومنع التصعيد نحو حرب مفتوحة.

 

فاعلية النفوذ الدبلوماسي القطري

برزت قطر كإحدى أقوى اللاعبين الدبلوماسيين الفاعلين في منطقة الخليج، وذلك من خلال حفاظها على قنوات الاتصال المفتوحة وتجاوز الانقسامات الإيديولوجية والجيوسياسية، ورسخت مكانتها كوسيط موثوق ومحايد يعمل على تسهيل جولات المفاوضات الحاسمة في نزاعات متعددة. بالإضافة إلى استعداداتها لاستضافة المفاوضات بين الأطراف المختلفة، ناهيك عن شراكاتها الدولية الواسعة التي تُعزز من قدرتها كوجهةً موثوقة للحوار ، كما يتضح في جهودها التي أدّت إلى التوصل لـ وقف إطلاق النار في غزّة.

 

لطالما وضعت قطر مسألة خفض التصعيد بين واشنطن وطهران على رأس أولوياتها، ونجحت لفترة طويلة في الحفاظ على قنوات سياسية مفتوحة مع كلا الطرفين.  وقد بذلت مساعٍ فاعلة لتهدئة التوتر في موجة التصعيد الأخيرة بينهما من خلال دعوتها إلى ضبط النفس ودفعها للمفاوضات بشكل غير مباشر.

 

وعلى الرغم من الضربة الإيرانية التي استهدفت قاعدة العديد الجوية في قطر، إلا أنّ الدوحة كانت العاصمة الوحيدة بين عواصم التعاون التي أوفدت وزير خارجيتها لإجراء مباحثات في طهران، مؤكدةً مرة أخرى أنّ أمن المنطقة أولوية قصوى بالنسبة إليها كذلك الحوار.

 

وبخلاف نهج الوساطة التقليدي التي تختاره عُمان الذي يتسم بالسرية والبُعد عن الأنظار، غالباً ما تتبنى قطر نهجاً مشتركاً بين الوساطة الصامتة والمشاركة الدبلوماسية العلنية، سواء كان ذلك في مساعيها لإرساء تسويات سياسية كبرى مثل اتفاق الدوحة عام 2008 الذي أنهى 18 شهراً من الأزمة السياسية في لبنان، أو في نموذج الوساطة في الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021.  ويُشكّل تبنّي قطر لهذا النموذج المزدوج عاملاً مهماً يُمكّنها من الحفاظ على الزخم السياسي حتى عندما تتعثر عملية التفاوض. كذلك، تمتلك قطر القدرة على تعزيز فرضية الحوار أثناء التوترات من خلال استثمار علاقاتها الاستراتيجية مع اللاعبين الغربيين والإقليميين في الوقت نفسه.

 

عُمان: نهج الوساطة التقليدي واستمرار المصداقية

لا تزال عُمان الوسيط الأبرز بين دول مجلس التعاون الخليجي. فقد استطاعت السلطنة ترسيخ مكانتها على مدى عقود من خلال اختيارها سياسة الحياد بشكل ثابت. إذ حافظت مسقط على روابط وظيفية مع طهران، مع الحفاظ على تعاون أمني مستقرّ مع واشنطن. وأظهرت من خلال هذه السياسة توازناً لافتاً قلّما حققته جهات إقليمية أخرى دون المساس بمكانتها. وفي وقت سابق من شهر فبراير 2026، استضافت السلطنة جولات من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بهدف نزع فتيل الأزمة وتعزيز الحوار، وهي خطوة لاقت ترحيباً من الدول الأخرى في مجلس التعاون الخليجي.

 

من هذا المنطلق، تستند مصداقية الوساطة العُمانية إلى الثبات، حيث تولي الدبلوماسية العُمانية الأولوية للسرية العالية وبناء الثقة تدريجياً، مع ضمان عدم التعرض للضغوط السياسية العامة. وتجري المفاوضات التي تؤدي فيها مسقط دور الوسيط عبر قنوات سرية، مما يحدّ من مخاطر ردود الأفعال المحلية غير المُسالمة التي تّغذيها المناوشات الإعلامية.

 

يُبرهن  نهج الوساطة التي تتخذه عُمان أنّ المصداقية هي عملية تراكمية، وأنّ الثقة لا تُبنى في أوقات الأزمات وحدها، وإنما من خلال المواقف المتوازنة والمشاركات المستمرة، حيث يُمكّن هذا الرصيد التراكمي مسقط من أن تكون قناة موثوقة لنقل الرسائل والمقترحات واستكشاف النوايا عندما يُصبح الحوار المباشر بين واشنطن وطهران غير ممكن سياسياً.

 

ديناميكية الاستراتيجية السعودية

أحدثت السياسة الخارجية المتطورة للمملكة العربية السعودية تحولاً جوهرياً في ديناميكيات القوى الإقليمية. فبعد أن كانت الرياض تُعتبر تاريخياً الثقل الإقليمي الأساسي الموازي لإيران في المنطقة، تبّنت في السنوات الأخيرة نهجاً براغماتياً بشكل أكبر، يهدف إلى خفض حدة التوتر مع طهران. وبالفعل، استأنف الطرفان علاقاتهما الدبلوماسية في عام 2023، وفي تطور لافت مؤخراً، أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن المملكة لن تسمح باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها في أي عمل عسكري ضد إيران.

 

هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن المواجهة المستمرة بين الطرفين تترتب عليها تكاليف جيو استراتيجية  واقتصادية ودفاعية وأمنية تعيق الأهداف التنموية طويلة الأمد في البلاد، لا سيّما وأنّ رؤية السعودية 2030، التي تُعتبر بمثابة الأجندة الواعدة للتحول الاقتصادي في المملكة، ترتكز على تنويع الاقتصاد وجذب الاستثمارات الأجنبية كأولوية في السياسة الوطنية.

 

لهذا، فإنّ عدم الاستقرار الإقليمي سيُعيق من فرص الاستثمار، ويزيد من التداعيات الناجمة عن المخاطر، بالإضافة إلى ما يترتب عليه من زعزعة في أسواق الطاقة، فضلاً عمّا سيُشكّله من عثرة في مسيرة التخطيط طويل الأجل للمشاريع الضخمة في البنية التحتية والصناعية.

 

وعلى الرغم من اختلاف نهج الوساطة السعودي عن نهج عُمان وقطر، إلا أن دور الرياض وثقلها الإقليمي يظل جزءاً رئيسياً من الوساطة الخليجية الشاملة، إذ تُتيح علاقات المملكة العربية السعودية مع واشنطن ومكانتها القيادية في العالمين العربي والإسلامي إمكانية توفير قنوات إضافية لنقل الرسائل الدبلوماسية خلال الأزمات. وفي لحظات التصعيد، يُمكن للتدخل السعودي أن يُعزز الجهود الدبلوماسية التي بُذلت عبر الوساطة الصامتة.

 

الصراع على الملف النووي

لا يزال الصراع الأمريكي الإيراني ذا طابع بنيوي جوهري، وذلك على الرغم من الجهود الدبلوماسية لدول مجلس التعاون الخليجي. فما يتم وضعه في إطار القضية النووية بالدرجة الأولى، يشمل أيضًا رؤى متفاوتة، بل متضاربة تجاه النظام الإقليمي، ومسألة تطوير الصواريخ، ودور الجماعات المسلحة غير الرسمية، وطبيعة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. ولا يقتصر الخلاف هنا على قضايا سياسية محددة، بل يتجذر في عقيدة الأمن القومي والخطاب السياسي. ففي طهران، تُعدّ مقاومة النفوذ الأمريكي جزءًا من الهوية السياسية للجمهورية الإسلامية، بينما في واشنطن، غالبًا ما تُصوَّر إيران على أنها عامل يُزعزع الاستقرار الإقليمي.

 

هذه المواقف المتجذرة تجعل من التوصل إلى حلّ سريع أمراً مستبعداً. ففيما يُمكن للمفاوضات غير المباشرة وخطوات بناء الثقة أن تُقلل من خطر التصعيد الفوري، إلا أنه من غير المرجح أن تؤدي هذه المفاوضات إلى توافق بين الرؤى الاستراتيجية المتباينة في جوهرها. كنتيجة لذلك، تميل جهود الوساطة إلى التركيز على منع وقوع الأزمات بدلًا من التوصل إلى تسوية شاملة.

 

كذلك، تُعتبر الخلافات حول معايير التفاوض عقبة إضافية، حيث سعت واشنطن مرارًا وتكرارًا إلى توسيع نطاق المحادثات لتشمل المخاوف الأمنية الإقليمية والقدرات الصاروخية، بينما فضّلت طهران اقتصار المحادثات على القضايا النووية وتخفيف العقوبات. يوّلد التباين حول نطاق المفاوضات نمطاً مستقراً من دون تحقيق اختراق فعليّ، إذ تنجح المحادثات في التخفيف من حدة التوترات الآنية، إلا أنها لا تُفضي إلى اتفاق استراتيجي دائم.

 

ويزيد عامل انعدام الثقة المتبادل من التعقيدات التي يتسم بها هذا التحدي، حيث يُشكك كلا الجانبين في نوايا الآخر، وغالبًا ما تتحكّم الضغوط السياسية بمقدار المرونة. في مثل هذه الأوقات، يصبح دور الوسطاء أكثر أهمية، حيث يجدون أنفسهم مضطرين لدفع المحادثات نحو مزيد من التقدّم ولو بشكل تدريجي.

 

كذلك، تُصبح الجهود الدبلوماسية أكثر تعقيدًا بسبب الدورات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وإيران، وطبيعة المواجهة مع إسرائيل، وتغيّر التحالفات الإقليمية، والديناميات الجيوسياسية العالمية. ويتعرّض هامش التوافق هذا إلى الضغط أثناء عملية انتقال السلطة، والاعتبارات الانتخابية، والحسابات الأمنية المتغيرة.

 

لذا، فإنّ التقدم الحقيقي في عملية التفاوض يعتمد على التفويض السياسي والتوقيت في العواصم الخليجية، مما يُقيّد بشكل كبير قدرة الرياض والدوحة ومسقط على تيسير الحوار، على الرغم من أنهما وجهتين موثوقتين لذلك.

 

سياسة الاحتواء: إسهامٌ استراتيجي في تحقيق الاستقرار

على الرغم من المقاربات المختلفة التي تبنّتها قطر وعُمان والسعودية، يبرز نظام تكاملي داخل دول مجلس التعاون الخليجي، مما يُعزز قدرته الدبلوماسية على خفض التصعيد. فلا تزال دبلوماسية الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي واحدة من أكثر الآليات مصداقية في المنطقة لمنع التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران. وتكمن فاعلية هذه الدبلوماسية في تنوعها: فالحياد المبدئي لعُمان، والتيسير النشط والفاعل لقطر، مع النفوذ الاستراتيجي للسعودية، تُشكل مجتمعةً إطارًا دبلوماسيًا متعدد الطبقات يُسهم في استقرار العلاقات.

 

ومع ذلك، فإن الحفاظ على قنوات الاتصال لا يُغني عن حل الصراع البُنيوي. فالوساطة قادرة على توضيح النوايا، والحد من مخاطر سوء التقدير، وإدارة التوترات، وخفض وتيرة التصعيد، لكنها لا تستطيع التوفيق بين المواقف الأمنية المتباينة في الجذور.

 

في هذه المساحة الحرجة بين الدخول في الحرب أو مواصلة الحوار، يُفهم دور الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي على أفضل وجه باعتباره دورًا احتوائياً. فمن خلال الحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسي خلال الفترات التي ترتفع فيها حدّة التوتر، تُسهم دول الخليج في منع المواجهة من تجاوز عتبة وقوع الصراع الذي لا رجوع عنه، والذي يُلحق أضرارًا جسيمة. قد لا تُسفر إسهامات هذه الدول في تحقيق اختراقات جذرية، أو تمنع المغامرات العسكرية، لكنها تُوفر ركيزة بالغة الأهمية وهي: الوقت والمساحة وإمكانية الحوار في منطقةٍ يكون فيها ثمن ارتكاب أي خطأ في الحسابات باهظًا للغاية.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. 

القضية: العلاقات الإقليمية، الوساطة
البلد: الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

المدير العام
 خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتميّز الدكتور خالد الجابر بخبرة واسعة وبمسيرة مهنية وأكاديمية طويلة في مجال التواصل السياسي وشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما شغل خلال مسيرته مناصب قيادية في عدد من مراكز الفكر والمؤسّسات البحثيّة، من بينها مركز الشرق للدراسات والبحوث، وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة “ذا… Continue reading بين الحرب والحوار: هل يُمكن منع الاشتباك الأمريكي-الإيراني؟