قدّمت منظّمة الشفافية الدولية في استطلاعها السنوي عن الفساد العالمي، الصادر في 10 فبراير 2026، صورة قاتمة عن الحوكمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أشارت فيها إلى عدم وجود تقدّم يُذكر في المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية في مجال مكافحة الفساد. ووفقاً لمقياس مؤشّر مدركات الفساد المؤلف من 100 نقطة، فقد ارتفع المتوسط الإقليمي بشكل طفيف من 38.7 نقطة في عام 2020 إلى 38.8 نقطة في عام 2025.
يُعدّ هذا الركود متوقعاً، حيث يَقيس مؤشّر مُدركات الفساد الاتجاهات والتصوّرات العامة التي بدورها تتطوّر ببطء، ولا تعكس بالضرورة التغيّرات الآنية في السياسات أو الممارسات الحكومية، كذلك لا تُجسد المستويات الفعلية للفساد بشكل دقيق، وهو بحدّ ذاته أمر يصعب قياسه بدقة. تختلف هذه الصورة على مستوى كلّ دولة، فقد شهدت دول مثل البحرين، والعراق، والمملكة العربية السعودية تحسناً ملحوظاً في الترتيب، في حين أخفقت دول أخرى في تحقيق التقدّم، بل شهد بعضها تراجعاً ملحوظاً.
على الرغم من أهمّية هذه الصورة التي تقدّمها منظّمة الشفافية الدولية، إلا أنها غير مكتملة. فالوضع على أرض الواقع يبدو أكثر إيجابية مما يبدو عليه في الوهلة الأولى، حيث أنشأت الكثير من دول المنطقة هيئات متخصّصة لمكافحة الفساد خلال السنوات الأخيرة، واستلهمت من تجارب الحكومات في شرق آسيا، لا سيّما تلك التي حقّقت تقدّماً ملحوظاً من خلال جهودها الممتدّة لعقود في مجال مكافحة الفساد مثل هونغ كونغ وسنغافورة.
في هذا السياق، تتناول دراسة حديثة صادرة عن مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، أداء هيئات مكافحة الفساد العربية، من خلال مقارنتها مع نظيراتها في مناطق أخرى. وعلى الرغم من تفاوت التجارب بين الدول، فقد أحرزت العديد من هذه الهيئات الجديدة تقدماً ملموساً، وإن كان تدريجياً خلال العقد الماضي، إذ نجحت في تعزيز ثقة المواطنين بها وارتقت بعملياتها المؤسسية. كما راجعت أطرها القانونية وحدّثتها لضمان اتساقها مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والمعايير الدولية ذات الصلة، لا سيما فيما يتعلّق بالرشوة، والاختلاس، والإثراء غير المشروع، وسوء الإدارة، واستغلال النفوذ، وإساءة استخدام المنصب، وغسل الأموال. كذلك تعدّ الأطر القانونية الأساسية لهذه الهيئات متينة في معظم الحالات على الرغم من وجود مجال للتحسين في بعض الجوانب، كتعزيز حماية الشهود على سبيل المثال.
في هذا الجانب أيضاً، ارتفع منسوب الوعي العام والقبول بدور هذه الهيئات، حيث سجّلت العديد من هذه الدول ارتفاعاً في عدد الشكاوى المقدّمة إليها تدريجياً ليصل إلى مستويات متّسقة مع المعدّلات العالمية. كما تُنفّذ العديد من الهيئات مبادرات واسعة للتوعية والتثقيف، من خلال تطوير شراكات مع منظّمات المجتمع المدني المحلّية التي تراقب عملها وتقدّم لها الدعم الفني والتحليلي. وقد أحرزت بعض الدول، مثل الأردن وسلطنة عُمان والعراق، تقدّماً ملحوظاً في مجال استرداد الأصول. كما يُلاحظ التحسّن التدريجي في الأداء التشغيلي لهذه الهيئات، مع الاتجاه نحو زيادة عدد التحقيقات والعقوبات بمرور الوقت.
مع ذلك، لا يزال التشكيك في جهود الحكومات لمكافحة الفساد واسع الانتشار في المنطقة، لا سيما بين الشباب، إذ تُظهر بيانات «الباروميتر العربي» أنّ الفساد يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز التحدّيات التي تواجه الدول. فهو يُعدّ الهاجس الأول في العراق والجزائر، ومن بين التحديات الثلاثة الأبرز في كلّ من: الأردن، ولبنان، وليبيا، وموريتانيا، وفلسطين، والسودان، وتونس.
كذلك، يُعدّ الغضب من الفساد إحدى أهم الدوافع التي أشعلت انتفاضات الربيع العربي قبل خمسة عشر عاماً، وهي التي شكّلت الشرارة الأساسية للاحتجاجات اللاحقة في العراق، ولبنان، والسودان عام 2019. في أعقاب تلك الاضطرابات، جرى تعطيل عمل شبكات الناشطين، واستمر تنامي شعور الشباب العميق بالاستسلام، مع الرغبة الجارفة بالهجرة.
على الرغم من التقدّم المُحرز، لا تزال هناك العديد من المحاور التي تتطلّب مزيداً من التركيز. فاستقلالية هيئات مكافحة الفساد متفاوتة عبر المنطقة، إذ تتمتّع بعض المؤسّسات باستقلال قانوني وتشغيلي ملحوظ، بينما تفتقر أخرى إلى ذلك. كما يظل التطبيق غير المتكافئ لسيادة القانون إشكالية في الكثير من الدول، سواء بسبب عوائق قانونية تحول دون ملاحقة أصحاب النفوذ والثروة، أو بفعل أعراف غير رسمية. يُضاف إلى ذلك ضعف التنسيق، وهو خلل مزمن في المنطقة، يعرقل جهود مكافحة الفساد. وفي حين طوّرت بعض الدول مثل الأردن والعراق إجراءات الإبلاغ عن تقدّمها في هذا المجال، إلا أن المعلومات المتاحة في دول أخرى، مثل مصر والإمارات العربية المتّحدة، ما تزال محدودة.
تتمثّل أيضاً إحدى أبرز التحديات بالنقص المزمن في التمويل والموارد البشرية لدى الكثير من هيئات مكافحة الفساد في المنطقة مقارنة بنظيراتها عالمياً. فوفقاً لبيانات عيّنة مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، بلغ متوسط الإنفاق السنوي للفرد على هذه الهيئات في دول المنطقة نحو 2.08 دولاراً، مقارنة بنحو 6.23 دولارات للفرد في الدول خارج المنطقة، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف.
إنّ هيئات مكافحة الفساد ليست حلاً سحرياً لمشكلة الفساد، إذ يمكن تهميشها أو تجاهلها أو الضغط عليها أو تجفيف مواردها. كذلك يصعب أحياناً التصدّي لأساليب الفساد المعقّدة في المنطقة، من بينها اللوائح التفضيلية التي تضمّ عناصر ينتمون إلى شبكات النفوذ؛ وتشمل أيضاً الضغوط لفرض شركاء صامتين في مجالس الإدارة والمشاريع، أو استخدام «الواسطة» والعلاقات الشخصية في التوظيف العام.
غير أنّ أثر هذه الهيئات ليس معدوماً، حيث مُنح الكثير منها صلاحيات واسعة واستقلالية مُعتبرة، وجاءت في صدارة الجهود الوطنية لمكافحة الفساد، وكُلّفت بأداء وظائف محورية، وهي تُحرز تقدماً تدريجياً وثابتاً. ففي شهر فبراير الحالي 2026، وعلى سبيل المثال، أعلنت هيئة الرقابة ومكافحة الفساد السعودية (نزاهة)، عن توقيف متهمين في 11 قضية تتعلّق برشاوى أو اختلاسات بقيمة إجمالية بلغت 4.4 ملايين دولار. كذلك، تستطيع هذه الهيئات إحداث أثر ملموس في معالجة المشكلة التي تعرقل جهود التنمية بالمنطقة، وفي تعزيز تنويع اقتصاداتها إذا توفّرت لديها الموارد المالية والبشرية الكافية والمساحة اللازمة للعمل.
إلى جانب هذه الهيئات، يتعيّن على الحكومات الإقليمية الإقرار بأنّ مكافحة الفساد تتطلّب يقظة مؤسّسية شاملة عبر القطاع العام. فوزارات الدولة مُطالبة بمراجعة إجراءات الشراء بعناية لمنع الاحتيال في المشتريات، والهيئات التنظيمية مُطالبة بتبسيط إجراءاتها وضمان شفافيتها ومنع الرشوة، والسلطات المالية مُطالبة بتطبيق الضرائب والرسوم بصورة متّسقة وجبايتها بالكامل. كما يتعيّن على أجهزة الرقابة، مثل هيئات التدقيق العليا، أداء مهامها بكفاءة واستقلالية.
من الممكن تحقيق التقدّم. وحالياً، تتصدّر الإمارات العربية المتّحدة دول المنطقة في مؤشر الشفافية الدولية بدرجة تضعها في مصاف اليابان والمملكة المتحدة والنمسا، مُتقدّمة على الولايات المتحدة وفرنسا. ومع تبنّي السياسات الملائمة وتنفيذها بكفاءة، لا يوجد ما يمنع دولاً أخرى في المنطقة من بلوغ مستوى مماثل.