أصبح السؤال المتعلق بالضغط الذي تمارسه طهران في هرمز وباب المندب سؤالًا افتراضيًا في مطلع سبتمبر 2026. ففي هجوم خاطف ، استولت الجماعة الحوثية على مدينة المخا ومينائها الاستراتيجي في العاشر من سبتمبر، ثم بسطت سيطرتها على مديرية ذوباب المطلة مباشرة على المضيق وعلى جزيرة ميون (بريم) في قلب باب المندب، وذلك بعد انسحاب القوات الحكومية منها، إضافة إلى جزر زقر وحنيش.
وبذلك أصبح كامل الساحل اليمني المطلّ على البحر الأحمر خارج يد الحكومة المعترف بها دوليًا للمرة الأولى منذ 2015، وإن ظلت تقارير ميدانية يمنية تتحفظ على اكتمال السيطرة في محيط ذوباب حيث تتواصل الاشتباكات.
وتشير التقارير إلى أن هذا التقدّم جاء بتوجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني، في مسعى لفتح جبهة جديدة في مواجهته مع الولايات المتحدة، بعد أن أوعزت طهران إلى الحوثيين بتصعيد هجماتهم على السعودية ووعدتهم بمزيد من التمويل والسلاح وبإرسال كبار الضباط.
ويقدّر هذا التقرير أن ما جرى يمثل انتقالًا نوعيًا من السيطرة على الأرض اليمنية إلى امتلاك القدرة الجغرافية على التأثير في أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم.
تعاملت واشنطن، ومعها عدد من القوى الغربية، طويلًا مع أزمة البحر الأحمر بوصفها ملفًا حوثيًا يمنيًا يتعلق بحرية الملاحة، بينما عالجت تهديدات هرمز بوصفها جزءًا من المواجهة المباشرة مع إيران. هذا الفصل مريح بيروقراطيًا، لكنه خاطئ استراتيجيًا؛ فلا توجد بالنسبة إلى طهران مسافة حقيقية بين البوابتين. وقد طلبت إيران من الحوثيين في يوليو الاستعداد لإغلاق البوابة الجنوبية للبحر الأحمر إذا استهدفت الولايات المتحدة شبكة الكهرباء الإيرانية، ثم أعلنت الجماعة في العشرين من الشهر ذاته حصارًا بحريًا على السعودية. أي أن الربط بين المضيقين أُعلن صراحة قبل أن يُترجَم إلى سيطرة على الأرض.
وما يجعل هذا الترابط خطيرًا هو أن الأرقام انقلبت رأسًا على عقب. فقد تراجعت تدفقات النفط والسوائل البترولية إلى 4.9 ملايين برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026، بعد تسجيلها 21.6 مليون برميل يوميًا في الربع الرابع من 2025 قبل بدء الصراع، أي بانخفاض يقارب 77%. وكان الربع الأول قد سجّل نحو 14.9مليون برميل يوميًا في المرحلة الأولى من الصدمة. وفي المقابل ارتفعت التدفقات عبر باب المندب من 5.4 ملايين برميل يوميًا في الربع الرابع من 2025 إلى 8.1 ملايين في الربع الثاني من 2026، أي ما يقارب 8% من إجمالي الإمداد النفطي العالمي.
ويُشكّل سبب هذا الارتفاع محور المعضلة، فقد أعادت السعودية توجيه جزء كبير من خامها بعيدًا عن هرمز عبر خط الأنابيب شرق-غرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، حتى قفزت تحميلات يُنبع من نحو 240 ألف برميل يوميًا في أغسطس 2025، إلى نحو 3.5 ملايين برميل يوميًا في يونيو 2026. أي أنّ الممر الذي اعتُمد مخرجًا بديلًا من الاختناق الشرقي هو الممر ذاته الذي بات الحوثيون يجلسون على ضفته الشرقية وجزره الوسطى.
وهذه هي المفارقة القاتلة: كلما ازدادت صعوبة هرمز ازدادت أهمية باب المندب، وكلما ازدادت أهمية باب المندب ارتفعت قيمة الحوثيين في الحساب الاستراتيجي الإيراني.
| المؤشر | الربع الرابع 2025 | الربع الثاني 2026 |
| تدفقات هرمز (مليون برميل/يوم) | 21.6 | 4.9 |
| تدفقات باب المندب (مليون برميل/يوم) | 5.4 | 8.1 |
| تحميلات ينبع (مليون برميل/يوم) | 0.24 (أغسطس 2025) | 3.5 (يونيو 2026) |
المصدر: إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التوقعات قصيرة الأجل (أغسطس 2026)، استنادًا إلى بيانات تتبع الناقلات؛ وبيانات تحميلات ينبع نقلًا عن فورتكسا.
غير أنّ صورة “الممر البديل المزدهر” لم تصمد طويلًا. فبعد الحصار المعلن على السعودية، تراجعت تحميلات ينبع في أغسطس إلى نحو نصف مستواها في يوليو، ولجأت الرياض إلى تحويل مزيد من شحناتها عبر قناة السويس، وهو مسار أطول وأعلى كلفة للزبائن الآسيويين، فيما ارتفع متوسط الإنتاج المعطّل في المنطقة إلى 6.7 ملايين برميل يوميًا في أغسطس بعد 5 ملايين في يوليو.
وانعكس ذلك على قناة السويس التي استعادت جزءًا من حركتها: 1,340 سفينة في يوليو 2026 بإيراد بلغ 505 ملايين دولار، أي بارتفاع 42% على أساس سنوي وهو أعلى مستوى شهري منذ ديسمبر 2023. لكن المقارنة مع ما قبل أزمة البحر الأحمر تكشف حدود هذا التعافي، حيث عبرت القناة نحو 2,300 سفينة في أبريل 2023 وحققت إيرادًا قياسيًا بلغ 10.2 مليارات دولار في ذلك العام، أي أنّ مستويات اليوم ما تزال أدنى بنحو 60% بعدد السفن من مستويات 2023.
منحت السيطرة على صنعاء الجماعة سلطة داخلية، فيما منحتها السيطرة على الحديدة منفذًا بحريًا، أما السيطرة على المخا وذوباب وميون فتنقلها إلى مستوى مختلف نوعيًا، حيث يمتلك فاعل مسلح غير دولتي القدرة الجغرافية على التأثير في ممر دولي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والمتوسط. وتكتسب جزيرة ميون قيمتها الاستثنائية من أنها تقسم المضيق إلى ممرين للملاحة، ما يجعل من يسيطر عليها قادرًا على مراقبة القناتين معًا.
ولا يعني ذلك أن الجماعة تستطيع إغلاق المضيق بالكامل أو التحكم بكل سفينة تعبره. المعنى الأدق أنها باتت أقدر على المراقبة البحرية والاستهداف الانتقائي وزرع الألغام واستخدام الصواريخ والمسيّرات، وبالتالي على فرض تكلفة أمنية وتأمينية واقتصادية. وقد ظهر هذا الأثر قبل السيطرة الأخيرة. فعندما فرض الحوثيون حصارهم البحري على السعودية في يوليو، انخفضت حركة السفن عبر باب المندب بنحو 24%، ووُسّع نطاق منطقة البحر الأحمر المدرجة لأخطار الحرب بمسافة تقارب 800 كيلومتر شمالًا لتشمل جدة وينبع، بما يستوجب أقساطًا إضافية. أما كلفة التأمين نفسها فقد بلغت في أواخر يوليو نحو 0.5% من قيمة هيكل السفينة لعبور باب المندب، مقابل نحو 0.1% للإبحار قرب الساحل السعودي الغربي باتجاه السويس. وردًّا على ذلك لم تعد الرياض تكتفي بالسوق، فقد أقرّت السعودية إنشاء مجمّع وطني لتأمين مخاطر الحرب للبضائع والسفن تديره الشركة السعودية لإعادة التأمين، في خطوة تعترف ضمنًا بأن كلفة التأمين صارت متغيرًا سياديًا لا تجاريًا.
المؤشر الأخطر هو الأثر التجاري المركّب، حيث أن مواصلة شحنة خام سعودي إلى آسيا حول أفريقيا بدلًا من باب المندب تضيف نحو 10 آلاف ميل بحري و34 يومًا من الإبحار، وترفع فاتورة الوقود للرحلة الواحدة من نحو 1.26 مليون دولار إلى 2.87 مليون دولار، فضلًا عن نحو مليون دولار رسوم عبور إضافية. وهذه الأرقام تخص رحلة واحدة، بينما يظهر أثرها التراكمي في تقلّص عدد الرحلات التي يستطيع الأسطول إنجازها سنويًا، أي في انكماش الطاقة الفعلية للنقل لا في الكلفة المباشرة وحدها.
الأرجح أن الهدف الحوثي المباشر ليس الاندفاع اللانهائي نحو مزيد من الأراضي، بل تثبيت الواقع الجديد. فالمخا وذوباب وميون وحنيش وزقر ليست نقاطًا على خريطة عسكرية بقدر ما هي أصول تفاوضية. وإذا نجح تثبيتها، فسوف تدخل الجماعة أي تفاوض لاحق حول اليمن أو البحر الأحمر أو السعودية من موقع مختلف تمامًا. وعليه، لن يكون النقاش محصورًا بمطار صنعاء، أو ميناء الحديدة أو الرواتب أو القيود الاقتصادية، بل سيمتد إلى أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتتضح المعادلة على هذا النحو: تنتج السيطرة العسكرية نفوذًا جيوسياسيًا، والنفوذ يتحوّل إلى قوة تفاوضية، والقوة التفاوضية تُستبدل بمكاسب سياسية واقتصادية. وهي المعادلة التي اختبرتها إيران نفسها في هرمز. ومن اللافت أن الحوثيين نفوا تقارير عن نيّتهم فرض رسوم على السفن العابرة، مؤكدين أن تصاريح المرور الآمن طوعية ومجانية. ولا يزال من غير الواضح كيف سيُطبَّق مفهوم الطوعية عمليًا، ولا سيّما ما إذا كانت السفن التي لا تحصل على تصريح ستواجه قيودًا أو مخاطر. ولهذا يكتسب التمييز أهمية قانونية واضحة.
فبموجب القانون الدولي الإنساني المطبّق على النزاعات المسلحة في البحار، يخضع فرض الحصار البحري لشروط محددة، إذ يجب الإعلان عنه وإخطار الأطراف المعنية به، وتنفيذه بفعالية وحيادية، كما أنه يخضع لقيود إنسانية. ويجوز احتجاز السفن التي يُشتبه في محاولتها خرق الحصار، في حين قد تتعرض السفن التي ترفض الامتثال لإجراءات الاحتجاز، بعد توجيه إنذار مسبق إليها للهجوم في ظل ظروف معينة.
وبالتالي، فإن امتناع الحوثيين عن الإعلان رسميًا عن فرض حصار قد يكون وسيلة للاحتفاظ بأداة ضغط على حركة الملاحة البحرية، مع تجنّب الالتزامات والتبعات القانونية المترتبة على إعلان الحصار رسميًا.
بهذا المعنى، لا تحتاج طهران إلى رفع علمها فوق ميون ولا إلى نشر بحريتها قبالة جيبوتي. يكفيها وجود حليف يمتلك صواريخ ومسيّرات وقدرات بحرية قادرة على تهديد الملاحة عند الحاجة. هذه سمة الاستراتيجية الإيرانية منذ عقود، تتمحور تعظيم النفوذ مع تدنية الكلفة المباشرة. لكن ما تغيّر اليوم هو حجم الجائزة. فالحديث لم يعد عن صاروخ يُطلق على مدينة أو مسيّرة تستهدف منشأة، بل عن تطويق بحري يمتد من هرمز إلى باب المندب وتضع جزءًا كبيرًا من تجارة الطاقة الخليجية تحت ضغط متزامن عند بوابتيها الشرقية والغربية.
إنّ تحميل إيران والحوثيين المسؤولية لا يفسر سرعة الانهيار الميداني. فالحملة على سهل تهامة الساحلي بدأت وفق المصادر العسكرية اليمنية بوابل من الصواريخ بتوجيه من عناصر الحرس الثوري، والاعتقاد السائد استنادًا إلى اعتراض الاتصالات وإفادات أسرى أن العملية جرت بإشراف أحد كبار قادة فيلق القدس.
لكن الوجه الآخر من القصة أن الجبهة المناهضة صمدت أكثر من أسبوع قبل أن تنكسر خطوط دفاعها دفعة واحدة. فالحكومة المعترف بها دوليًا، والمجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات طارق صالح، وحزب الإصلاح، والقوى القبلية والمحلية لا تعمل ضمن منظومة سياسية وعسكرية موحدة، وتتحرك في أحيان كثيرة وفق أولويات وأجندات متعارضة. يمنح هذا الانقسام الحوثيين ميزة لا يُمكّن للدعم العسكري الإيراني وحده من توفيرها. ويعكس تقدم الجماعة كلًا من قدراتها العسكرية المتنامية ونقاط ضعف الجبهة المنقسمة. ولا يكفي أي من هذين العاملين، بمفرده، لتفسير هذا التقدم، بل إن التفاعل بينهما يساعد على فهم سرعة الحوثيين واتساع نطاقهم.
في هذا الإطار، يبدو سقف الاستجابة الأميركية محدودًا وهذا ما يضاعف من حدة المعضلة. فقد سافر قائد القيادة المركزية إلى السعودية في اجتماعات تنسيق عاجلة بينما كانت القوات المدعومة من الرياض تتفكك، ويعمل نحو 200 عسكري أميركي في المملكة في مهام استخبارية وتنسيقية غير قتالية. لكن الرئيس الأميركي رفض طلبين سعوديين بضربات أميركية مباشرة، وعرض بدلًا منهما الدعم الاستخباري وبيانات الاستهداف، مع إبقاء تركيز القوات الأميركية على إيران وهرمز. وعلى الجانب الإقليمي بقيت الخيارات معلّقة، فقد حذّر وزير الدفاع الباكستاني من أن الهجمات الحوثية على السعودية قد تُفعّل ميثاق مكة للدفاع المشترك، قبل أن توضّح إسلام آباد أنه لم تجرِ مناقشة أي رد عسكري حتى الآن.
أما الأثر الإنساني تسارع بوتيرة توازي الأثر الاستراتيجي. فقد أدى التصعيد إلى نزوح أكثر من مئة ألف شخص بفعل التصعيد. كما وصل آلاف اليمنيين إلى جيبوتي خلال أربع وعشرين ساعة، بينهم نساء وأطفال أُنقذوا في البحر. وعلى الضفة الأخرى باتت المواقع التي أمّنها الحوثيون على بعد نحو 32 كيلومترًا من معسكر ليمونييه الأميركي في جيبوتي، بما يحوّل القرن الأفريقي إلى امتداد مباشر للأزمة لا إلى جوار لها.
لا يمكن تقييم أزمة باب المندب من ضفتها الشرقية وحدها، فالمضيق بحكم تعريفه ذو ضفتين وما يجري على إحداهما يعيد ترتيب الحسابات على الأخرى. إذ يزيد تمركز عدد كبير من القواعد العسكرية الأجنبية في جيبوتي من احتمالات انخراط قوى خارجية متعددة في حال التصعيد. وهذا يعني أن أي احتكاك عند المضيق قد يتجاوز الطابع الثنائي، حيث تتقاطع حسابات الردع فيه مع مصالح دول ليست طرفًا مباشرًا في الحرب اليمنية.
أما إريتريا، فتواجه اعتبارات استراتيجية متجددة مرتبطة بالجزر القريبة وميناء عصب. وفي الوقت نفسه، قد تزداد أهمية موانئ القرن الإفريقي، وفي مقدمتها بربرة، بوصفها مراكز لوجستية بديلة كلما ارتفعت المخاطر على الضفة الشرقية. ومن شأن هذا التحول أن يعيد توزيع المزايا اللوجستية في البحر الأحمر لصالح ضفته الغربية، ويضيف إلى الأزمة بعدًا اقتصاديًا تنافسيًا إلى جانب البعد الأمني. وعليه، فإن أي إطار أمني مستدام لباب المندب يحتاج إلى مقاربة تأخذ ضفتي المضيق في الاعتبار.
سيناريو التثبيت البحري مع التمدد البري (الأعلى ترجيحًا)
ينجح الحوثيون في هذا السيناريو في تثبيت السيطرة على المخا وذوباب وميون والجزر المجاورة، مع الاحتفاظ بصيغة “المرور الآمن الطوعي” ونقل قواتهم البرية إلى جبهات أخرى. وبينما يُدار هذا المشهد البحري، ينقل الحوثيون ثقلهم العسكري نحو الداخل لإشعال جبهات أخرى. وهذا ما تشير إليه المؤشرات الأولية بوضوح، إذ استمرت المعارك فور تأمين الساحل وتمددت نحو تعز ولحج ومأرب. والفرضية الحاكمة هنا هي أن تثبيت المكسب البحري لا يعني إطلاقاً تجميد الجبهة البرية، بل يمثل خطوة استراتيجية تقوم على استثمار ورقة البحر في تحسين شروط ومكاسب معارك البر.
سيناريو التصعيد المحدود
استخدام السيطرة الجديدة لفرض ضغوط اقتصادية متدرجة/ من خلال استهداف سفن محددة، ورفع أقساط التأمين، والتلويح بإغلاق جزئي، على غرار ما فعله الحصار البحري على السعودية سابقًا في 22 يوليو حين حوّلت أريع ناقلات مساراتها. والرد المتوقع ضربات جوية محدودة أو عمليات بحرية لاستعادة بعض الجزر، دون تغيير جذري في المعادلة.
سيناريو المواجهة الإقليمية الشاملة (الأدنى ترجيحًا، الأعلى كلفة)
محاولة استعادة المضيق عبر عملية عسكرية واسعة، ما يدفع إيران وحلفاءها إلى ردود أكثر عدوانية تشمل السفن التجارية والمنشآت النفطية، وقد يمتد إلى هرمز. وحساسية السوق لهذا المسار ظاهرة في تجاوز خام برنت مئة دولار للبرميل للمرة الأولى منذ نحو أربعة أشهر مع سقوط المخا، ليبلغ نحو 107.9 دولارات في الحادي عشر من سبتمبر، بعد أن كان قد أغلق عند 101.21 دولارًا قبل يومين. وأي ضغط متزامن على المضيقين يعني صدمة إمداد تتجاوز قدرة الطاقة الاحتياطية على الاستيعاب.
سيناريو التسوية السياسية الشاملة
أن تدفع خطورة الوضع إلى تسوية تشمل نزع سلاح الحوثيين وإعادة بناء الدولة اليمنية وضمان أمن باب المندب عبر آلية دولية. هو الأمثل نتيجةً والأصعب تحقيقًا في المدى القصير، لأنه يتطلب توافقًا إقليميًا ودوليًا نادرًا وتمويلًا ضخمًا لإعادة الإعمار.
معالجة السبب لا النتيجة
لا تحتمل المرحلة المقبلة الاكتفاء بحماية السفن في عرض البحر، فتأمين الملاحة مع ترك الساحل والجزر تحت سيطرة قوة مرتبطة بإيران يعني معالجة النتيجة وإبقاء السبب. المطلوب استراتيجية متكاملة تبدأ بإعادة بناء جبهة يمنية أكثر تماسكًا، ودعم مؤسسات الدولة والجيش المعترف به دوليًا، واستعادة وحدة القرار العسكري، ومنع تحول ميون وحنيش وزقر إلى قواعد دائمة للصواريخ والمسيّرات والقدرات البحرية.
قطع شبكات الإمداد الإيرانية
لا يكفي اعتراض السلاح الجاهز، فالمطلوب استهداف مسارات المكونات والتكنولوجيا، وتعزيز المراقبة البحرية والاستخبارية. ويشير انتقال ضباط كبار من الحرس الثوري إلى اليمن إلى أن العنصر الأخطر في الإمداد هو الخبرة البشرية لا العتاد وحده.
ربط أي إنجاز عسكري بمسار سياسي
أي ضربة جوية بلا مشروع سياسي غير مجدية، ولا يكفي مشروع سياسي إذا بقيت الميليشيا محتفظة بالسلاح الذي يسمح لها بتغيير المعادلة متى شاءت. كذلك، لن يعوّض الدعم الأميركي المحصور في الاستخبارات والاستهداف غياب هيكل قيادة يمني موحد قادر على تحويل المعلومة إلى استعادة أرض.
تحصين البدائل اللوجستية
يوفّر خط ينبع منفذاً بديلاً لتصدير النفط في حال إغلاق مضيق هرمز، ما يجعل حماية مخرجه في البحر الأحمر جزءًا من أمن الطاقة العالمي لا شأناً يمنياً داخلياً. ويشمل ذلك دعم آليات تأمين مستقرة، لأن كلفة التأمين هي اليوم أداة الضغط الأكثر فاعلية بيد الجماعة.
إن ما يحدث عند باب المندب ليس فصلًا يمنيًا في حرب إقليمية، بل إعلان عن نظام بحري جديد تُدار فيه الممرات الدولية لا بالسيادة ولا بالقانون، بل بالإذن. فقد أصبح المرور «طوعيًا ومجانيًا» بقرار من جماعة مسلحة، وتحولت حرية الملاحة الدولية من حق مكتسب إلى امتياز مؤقت قابل للسحب، وتدفع التجارة العالمية إيجارًا صامتًا اسمه قسط التأمين وأجرة الانتظار وأميال الالتفاف. وهذا هو حاضر المنطقة عبارة عن ممرات تُستأجر من فاعلين لا يملكونها. أما المستقبل فأخطر من التنبؤ بحرب أو تسوية، فقد يشكّل تقدّم الحوثيين سابقة تتيح فيها السيطرة على شريط ساحلي محدود نسبيًا، لكنه يقع في موقع استراتيجي، مما بعطى نفوذًا يفوق حجمه على حركة التجارة الإقليمية وتدفقات الطاقة. وفي هذا السياق، تكتسب السيطرة على جزر مثل ميون أهمية استراتيجية تتجاوز مساحتها بكثير.
ومن هنا فإن الرد الحقيقي لن يكون في عدد المدمرات العابرة ولا في حجم الضربات المعلنة، بل في القدرة على إعادة توطين السيادة على السواحل نفسها، أي في بناء دولة يمنية تستطيع أن تحرس ضفتها، لأنّ كل بديل عن ذلك سيكون شكلًا من دفع الإيجار بأسماء مختلفة. والدرس الذي ستُقاس به السنوات المقبلة بسيط وقاسٍ: من يترك الباب لمن لا يملكه، لن يفاوض غدًا على حرية العبور بل على سعره.