بين القطيعة والتمثيل:

الحركة الوطنية الفلسطينية ما بعد السابع من أكتوبر  

ملف، أبريل 2026
زميل أول غير مقيم

20 أبريل، 2026

المقدّمة 

  

شكّل الهجوم الذي شنّته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر والإبادة الجماعية في غزة التي بدأت في اليوم نفسه ولا تزال مستمرّة بعد أكثر من عامَين، منعطفاً تاريخيّاً مفصليّاً للشعب الفلسطيني. ففي حين أنّ حجم الدمار والخسائر في الأرواح والنزوح في غزة قلّ نظيره في التاريخ المعاصر، تتجاوز دلالة هذه اللحظة الكارثة المباشرة. فبالنسبة إلى الفلسطينيين، لم يشكّل أكتوبر 2023 مجرّد فصل آخر من نضالهم الطويل من أجل التحرير، بل كشف النقاب عن التبعات المتراكمة لعقودٍ من التشرذم السياسي والانحلال المؤسّساتي والشلل الإستراتيجي داخل الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها.    

 

هناك إجماع واسع على أنّ هذه الأحداث تُشكّل قطيعة تفصل بوضوح بين ما قبلها وما بعدها. فقد ركّز جانب كبير من البحوث والتحليلات والتعليقات المتعلّقة بهذه المرحلة، ولأسباب مفهومة على السلوك العسكري لكلّ من إسرائيل وحماس، والخسائر البشرية والإنسانية، والاستجابات القانونية والدبلوماسية، فضلاً عن الانعكاسات الإقليمية والدولية. غير أنّ ثمة بُعداً واحداً حظي باهتمام أقل نسبياً من حيث الدراسة المتواصلة والمتكاملة، ألا وهو ما كشفته تلك اللحظة عن الوضع الراهن للحركة الوطنية الفلسطينية وعن دور الديناميّات التي أُطلق العنان لها منذ أكتوبر 2023 في إعادة رسم مسارها المستقبلي.  

 

لقد أبرزت الأزمة التي اندلعت في أكتوبر 2023 بشكلٍ صارخ كمّا هائلاً من التحديات التي تواجه هذه الحركة، والتي كانت قد تراكمت على مدى فترة طويلة. في الواقع، لم يكن القرار بشنّ الهجمات نتيجة إستراتيجيّة وطنية موحّدة أو قرار جماعي. والأهم أن ذلك لم يكن ممكناً أصلاً، لأنّ السياسة الفلسطينية شهدت حالة من التشرذم لعقود طويلة لا سيما منذ الانفصال بين حركتَي فتح وحماس وما رافقه من تقسيم جغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة بدأ في العام 2007.  

  

في هذا السياق، لم تكن أيّ مؤسسة بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية المعطّلة وظيفياً، تملك السلطة أو الشرعية أو القدرة على وضع إستراتيجية وطنية متماسكة وعلى تنفيذها في مختلف المجالات الدبلوماسية، والقانونية، والعسكرية والمجتمعية.        

 

في المقابل، ردّت إسرائيل على هجمات السابع من أكتوبر بالقتل الجماعي والتدمير المنهجي للبنى التحتية المدنيّة في غزة، واستهداف مقوّمات الحياة الأساسية، والتهجير القسري لكامل السكان تقريباً، ما شكّل تحدياً وجودياً للوجود الفلسطيني الجماعي وللمشروع الوطني الفلسطيني على نطاقٍ أوسع. وقد تزامن ذلك مع تصعيد حاد في أعمال العنف والقمع والاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، ومع تكثيف الجهود الآيلة إلى تهميش التمثيل السياسي الفلسطيني، أو تجاوزه أو إعادة تشكيله في أُطر التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب. وقد فرضت هذه التطوّرات مجتمعة ضغوطاً لا تُحتمل على ما تبقّى من المؤسّسات السياسية الفلسطينية، وأثارت تساؤلات جوهرية حول قدرتها على البقاء، ناهيك عن التكيّف.   

 

من هذا المنطلق، يكمن المحور الرئيسي لهذا الملف فيما كشفته عن السياسة الفلسطينية وسرّعت وتيرته، وليس في التداعيات المباشرة للإبادة الجماعية في غزة بحدّ ذاتهافكيف وصلت الحركة الوطنية الفلسطينية إلى حدّ العجز البنيوي عن الاستجابة لمثل هذه اللحظة؟  

 

فما هي تبعات هذا الوضع على فاعليّة الحضور الفلسطيني في مجالات رئيسية مختلفة، بما فيها القيادة، والقانون الدولي، والدبلوماسية الإقليمية، وإعادة الإعمار المادي، ونشاط الشتات، والتفاعل مع المنظومة الحكومية الدولية؟ وما هي دلالات هذا المنعطف في ما يتعلّق بآفاق التجدّد السياسي أو إعادة التشكيل أو التحّولأو على العكس، المزيد من التشرذم والتفكّك وربما الانهيار في المستقبل المنظور؟      

 

لقد شكّلت هذه اللحظات المفصلية المضطربة على مرّ التاريخ نقاط تحوّل وعوامل محفّزة في تطوّر السياسة الفلسطينية. فقد دمّرت نكبة العام 1948 هياكل القيادة والمنظومة الاجتماعية والاقتصادية التي نشأت إبان فترة الانتداب البريطاني، فولّدت أشكالاً جديدة من التنظيم والتعبئة السياسية في أعقاب فترة طويلة من البلبلةوتمخّضت عن إعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية غداة حرب يونيو 1967 كحركة وطنية تملكها وتديرها التنظيمات الفلسطينية، قادرة على فرض نفسها على الساحة السياسية الإقليمية والدولية، بدلاً من كونها أداة في أيدي الدول العربية التي كانت قد مُنيت بالهزيمة وفقدت مصداقيّتها. في المقابل، جسّدت عملية أوسلو في التسعينات شكلاً مختلفاً من أشكال التحوّل، إذ أعادت توجيه الحركة بعيداً عن مسار التحرير، نحو حكم ذاتي محدود تحت الاحتلال، بما ترتّب عن ذلك من تداعيات واسعة النطاق على التمثيل وصناعة القرار والشرعية.   

 

تُشير التطوّرات التغييرية التي شهدتها السنتان المنصرمتان إلى أنّ مشروعاً وطنياً فلسطينياً جديداً ومختلفاً سينهض من تحت الركام. بيد أنّ شكله النهائي ستُحدّده طبيعة الحركة الوطنية التي ستُبنى في السنوات القادمة. ومع أنّ الحركة ومشروعها متداخلان عضوياً ويعزّز كل منهما الآخر، ما من مشروع يبصر النور في غياب حركة قادرة على توليده وضمان استمراريته.    

 

وعليه، تضع فصول هذا الملف المرحلة المفصلية التي جاءت ما بعد أكتوبر 2023 ضمن هذا السياق التاريخي الأوسع. وتَصف مجتمعةً مشهد حركة وطنية منهكة وعاجزة عن تحويل ما في حوزتها من موارد إلى نفوذ وقوة سياسية 

 

لكن، في رصيد الفلسطينيين اليوم مجموعة غير مسبوقة من المكتسبات في مجالات متنوّعة، إذ أصدرت الهيئات القانونية الدولية أحكاماً وآراء أكّدت عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي وممارسات الفصل العنصري وأعمال الإبادة الجماعية في غزة. وقد شهد الرأي العام العالمي تحوّلاً ملحوظاً لصالح حقوق الفلسطينيين، لا سيما في المجتمعات الغربية. وتحرّكت شرائح واسعة من دول الجنوب العالمي دبلوماسياً وقانونياً، دفاعاً عن القانون الإنساني الدولي، في حين أثبتت جاليات الشتات الفلسطيني قدرتها التنظيمية وتأثيرها الخطابي بصورةٍ لافتةبيد أنّ هذه التطوّرات لم تتضافر أو تُوجَّه نحو مشروع سياسي موحّد قادر على التأثير في مجريات الواقع على الأرض، لا سيما وأنّ الأُطر السياسية والقدرات المؤسساتية الضرورية لتحقيق ذلك قد أُفرغت من مضمونها وباتت، من الناحية العملية، بحاجة إلى إعادة بنائها من الأساس.     

 

من هذا المنطلق، تتمحور فصول هذا الملف حول عدد من الميادين المتراطبة التي يتجلّى فيها الحضور الفلسطيني الفاعل، أو يغيبيتناول كل من نور عودة، وعمر حسن عبد الرحمن على التوالي في الفصلين الأول والثاني، الخلل الوظيفي الداخلي على مستوى القيادة والمؤسسات. وبطرق متكاملة، يتساءل المؤلّفان عن كيفية مساهمة التشرذم وترسيخ السلطوية وإرث أوسلو في تقويض صناعة القرار الجماعي، والتسبّب بفراغ سياسي قبيل هجوم السابع من أكتوبر وغداته، ما ترك الشعب الفلسطيني من دون قيادة في أعقابه.    

 

ثم تحلّل مجموعة من الفصول كيفية تأثير هذه الأزمة الداخلية على انخراط الفلسطينيين في ساحات خارجية حاسمة. ففي الفصل الثالث، يستكشف معين رباني الجوانب الإيجابية والسلبية للقانون الدولي ومؤسساته والمنظمات التي تروّج لمعاييرها وقيمها المتعلقة بالقضية الفلسطينية. ويقدّم رباني تقييماً نقدياً لفعالية النظام القانوني الدولي بحدّ ذاته، محذّراً من مغبة تجاهله باعتباره ساحة محورية من ساحات الصراع السياسي حيث يمكن للفلسطينيين أن يتموضعوا في صلب المعركة الدائرة حول مستقبلهم.   

 

يركّز خالد الجندي وسارانج شيدور في الفصلين الرابع والخامس، على البيئات السياسية الخارجية، العالم العربي والجنوب العالمي على التوالي، ويتساءلان عن دور التحوّلات التي تشهدها موازين القوى الإقليمية والعالمية في تحديد إطار التضامن وأدوات النفوذ المتاحة للفلسطينيين. ويحلّل الجندي تراجع أهمية فلسطين في السياسة العربية، ويسبر أغوار التغيّرات البنيوية في العالم العربي وفي الديناميّات البينيّة العربية وفي العلاقات العربية الإسرائيلية، التي تساعد على توضيح أسباب هذا التحدي الجوهري الذي يواجه الحركة الوطنية الفلسطينية. من جهته، يتناول شيدور، من منظور الجنوب العالمي وليس الحركة الوطنية الفلسطينية، كيفية استجابة الدول للإبادة الجماعية في غزة والأسباب الكامنة وارءها، لا سيما ضمن إطار متعدّد الأطراف.      

 

أما في الفصل السادس، فيتطرّق عبدالرحمن كتانة إلى إعادة إعمار غزة ما بعد الحرب، بوصفها صراعاً سياسياً على الأرض والسيادة والعدالة المكانية. ويشدّد على أنّ عملية إعادة الإعمار ليست مشروعاً عقارياً تجارياً تُصمّمه الجهات المانحة وفق أجندات تُعتمد في العواصم الأجنبية، بل تُجسّد رؤية ستحدّد مستقبل مجتمع بأكمله، وهو مجتمع يجب إعادة بناء حقوقه وشبكاته ومؤسّساته، والمحافظة عليها.     

 

أخيراً وليس آخراً، تتناول زها حسن في الفصل السابع نشاط الشتات والتضامن في المجتمعات الغربية، مع تركيز خاص على الولايات المتحدة، وتقيّم تأثيره المتنامي بالإضافة إلى القوى الرجعية الساعية إلى قمعه. وتلفت حسن مجدداً إلى الترابط أو الانفصال بين الإنجازات المحقّقة في أحد الميادين وعدم قدرة القيادة السياسية الحالية على توظيفها لإحداث أيّ تغيير.   

 

تقيّم فصول هذا الملف مجتمعة مختلف جوانب الحركة الوطنية الفلسطينية والساحات التي تتحرّك فيها. ومن خلال إدراج هذه الأبعاد ضمن إطار تحليلي واحد، يسلّط الملف الضوء على نمط متكرّر، وهو أنّ الفلسطينيين يمتلكون الموارد والالتزام والحلفاء الضروريين لإعادة تمكينهم من تقرير مستقبلهم، ولكنّهم يفتقرون إلى القدرة المؤسساتية والسياسية على صياغة إستراتيجية فعالة كفيلة بتحويل هذه المكاسب إلى قوة ونفوذ دائمَين.  

 

يصل كل مؤلّف، بأسلوبه الخاص، إلى الخلاصة نفسها: ما لم يحقّق الفلسطينيون الانسجام الوطني ويعيدوا بناء حركتهم الوطنية ومؤسساتها كعاملٍ فعال واستباقي من عوامل التغيير، سيبقى زمام المبادرة في أيدي الآخرين، وغالباً على حساب الفلسطينيين.    

 

ومن باب التوضيح، لا يقدّم هذا الملف خريطة طريق للتجدّد السياسي الفلسطيني، كما لا يخلص إلى أنّ هذا التجدّد وشيك أو يتنبأ به، بل يسعى إلى دراسة طبيعة الأزمة التي اندلعت منذ أكتوبر 2023، وإلى تحديد الظروف البنيوية التي يمكن أن تَتحقّق عملية إعادة التشكيل السياسي في ظلّها، أو لا تتحقّق.  

 

في نهاية المطاف، يهدف هذا الملف إلى فتح مساحة تحليلية للتفكير الجاد في مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية في الوقت الذي تتعرّض فيه مكوّناتها لضغوط لم يسبق لها مثيل. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت القطيعة الحالية ستؤدي إلى تجدّد التنظيم السياسي أو إلى استمرار التشرذم أو إلى نشوء صيغ جديدة من النضال. لكنّ المؤكّد هو أنّ السابع من أكتوبر جعل الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، وقضى في الوقت نفسه على الشروط التي كانت تسمح بعودتهتعالج الفصول التالية هذا الواقع من زوايا مختلفة، وتُبرز مجتمعةً الفرص والقيود التي سترسم معالم السياسة الفلسطينية في السنوات القادمة.   

 

تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المشروع انطلق وأُنجز في سياق متغيّر بوتيرة متسارعة، ما انعكس على عمليتَي الكتابة والتحرير وجعل من استخلاص النتائج مَهمّة صعبة. بالفعل، ما زال الوضع الميداني في فلسطين-إسرائيل يتطوّر على نحو جذري ويتّخذ مسارات تحويلية، إلا أنّ هذه الفصول كافة صُمّمت بحيث تبقى صالحة وذات صلة إلى أقصى حدّ ممكن.    

 

 

قائمة المحتويات

 

المقدمة –  عمر حسن عبد الرحمن ومعين رباني

الفصل الأول: الحركة الوطنية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر: تقييم وتوصيات – نور عودة

الفصل الثاني: السابع من أكتوبر وعمق الأزمة في القيادة الفلسطينية – عمر حسن عبد الرحمن

الفصل الثالث: فلسطين والعالم العربي: صعود وسقوط النفوذ الإقليمي الفلسطيني وإمكانات إحيائه – خالد الجندي

الفصل الرابع: الحركة الوطنية الفلسطينية وتحدي القانون الدول –  معين رباني

الفصل الخامس: كيفية إعادة إعمار غزة: الأرض، السيادة، والحق في العودة – عبد الرحمن كتانة

الفصل السادس: تضامن أم لامبالاة؟ قراءة في استجابات الجنوب العالمي للعدوان على فلسطين – سارانج شيدور

الفصل السابع: النشاط الفلسطيني في الغرب بعد السابع من أكتوبر: الفرص والتحديات – زها حسن

الخاتمة – معين رباني وعمر حسن عبد الرحمن

 

 

فصول الملف

لفهم المأزق الفلسطيني الراهن والآفاق المستقبلية للحركة الوطنية على نحو أفضل، ينظر هذا الفصل في مظاهر الأزمة قبل أكتوبر 2023 وما بعده، بالإضافة إلى ما تنطوي عليه هذه التطوّرات من دلالات على المستقبل في هذا المنعطف التاريخي المفصلي.
نور عودة