فلسطين والعالم العربي: انحسار النفوذ الفلسطيني الإقليمي وفرص إحيائه

مايو 2026
زميل أوّل، معهد كوينسي لفنّ الحكم المسؤول
17 مايو، 2026

خلال العامَين الأوّلين من الإبادة الجماعية في غزة، بذل الفلسطينيون جهوداً حثيثة لحشد دعم أو تدخّل عربي ملموس دفاعاً عنهم، لكنّها لم تتكلّل إلا بنجاح محدود. وبعيداً عن التباين في حسابات الحكومات العربية المتعلّقة بمصالحها وهواجسها إزاء التحرّك بحزمٍ أكبر، يمكن فهم هذه النتيجة بصورةٍ أفضل في سياق انحسار النفوذ السياسي الفلسطيني لدى الدول العربية، بفعل الضعف المتنامي للقيادة السياسية الفلسطينية، وتفاقم حالة التشرذم داخل الحركة الوطنية الفلسطينية على مدى العقود القليلة الماضية. لذا، من الضروري فَهم تاريخ النفوذ الفلسطيني الإقليمي وأُسسه وتراجعه من أجل فَهم الوضع الراهن.

مصادر النفوذ الفلسطيني

لطالما كانت العلاقة تكافلية بين القضيةَ الفلسطينية والدول العربية والعروبة، على الرغم مما شابها من توتّر شديد وعدم اتساق. فبالنسبة إلى الشعب الفلسطيني المحروم من الدولة، جسّدت الدول العربية عمقاً إستراتيجياً وقاعدة جماهيرية سياسية طبيعية، ومصدراً أساسياً للدعم المعنوي والسياسي والمالي، وأحياناً العسكري، في مسألة النضال ضد الصهيونية وإسرائيل. وقد انطبق ذلك تاريخياً على الجمهوريات العربية “الثورية”، كما على الأنظمة الملكية المحافظة والموالية للغرب، إذ ضخّ العديد منها أموالاً طائلة في خزائن منظمة التحرير الفلسطينية طوال السبعينات والثمانينات.1

وفي الوقت نفسه، تَلْقى قضيّتا فلسطين والقدس صدى عميقاً لدى الجماهير العربية، بحيث تتجاوزان الاختلافات الوطنية والطائفية والأيديولوجية، وتشكّلان ركناً أساسياً من أركان الهويّة العربية الحديثة. من هذا المنطلق، لطالما حظي القادة الفلسطينيون بنفوذٍ يفوق حجمهم لدى الدول العربية، بيد أنّه شهد تراجعاً حاداً في السنوات الأخيرة بفعل مسارَين متوازيين ومتعاضدين: الضعف المتواصل الذي أصاب القيادة السياسية والمؤسسات الفلسطينية، وتراجع أولوية القضية الفلسطينية لدى الحكومات العربية.

حتى العام 1967، بقيت القضية الفلسطينية إلى حدّ كبير ضمن دائرة نفوذ الدول العربية، التي غالباً ما تنافست في ما بينها على الدفاع عنها. بيد أنّ الهزيمة التي مُني بها العرب في حرب 1967 سرعان ما بدّدت آمال الفلسطينيين بتحقيق التحرير على يد الدول العربية بمفردها، وأرغمتهم على الاضطلاع بدورٍ أكبر في تقرير مصيرهم. وبحلول العام 1969، كانت الفصائل الفلسطينية المسلّحة قد أحكمت سيطرتها على منظمة التحرير الفلسطينية، التي أنشأتها جامعة الدول العربية في العام 1964، وحوّلتها إلى هيئة مستقلّة فعلياً لصناعة القرار الفلسطيني.

وعلى الرغم من القيود الجيوسياسية البديهية، تمكّنت منظمة التحرير الفلسطينية من فرض نفسها على الساحة السياسية والدبلوماسية الدولية، وبلغ نفوذها ذروته خلال العقد والنصف اللذين أعقبا حرب 1967. بحلول العام 1974، وفي ظلّ القيادة الكاريزماتية لياسر عرفات وحركة فتح، كانت المنظمة قد ضمنت الاعتراف بها كـ”الممثّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني” أولاً من جامعة الدول العربية — وهو ما اضطرت حتى المملكة الأردنية الهاشمية إلى القبول به، علماً أنّها تُعدّ خصم المنظمة اللدود في مسألة التمثيل — ثم بُعيد ذلك من الأمم المتحدة.2

استمدّت منظمة التحرير الفلسطينية نفوذها لدى الدول العربية من ثلاثة مصادر رئيسية. تَمثّل المصدر الأول في الحضور الفعلي للجاليات الفلسطينية الكبيرة في الشتات ولتجمّعات اللاجئين الفلسطينيين في بعض الدول العربية، لا سيما في الأردن ولبنان، حيث عملت منظمة التحرير الفلسطينية فعلياً كـ”دولة ضمن الدولة”، وكان لها حضور عسكري وسياسي وديمغرافي وازن. وحتى بعد طرد المنظمة من الأردن عام 1970 ومن لبنان عام 1982، ظلّ وجود الفلسطينيين الديموغرافي في الدولتين مصدر نفوذ، على الرغم من تراجعه.

تجلّى المصدر الثاني للنفوذ في الكفاح المسلّح، الذي كانت الريادة فيه للحركات الفدائية التي أصبحت لاحقاً الفصائل المكوّنة لمنظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن تسير على نهجه حركة حماس وغيرها من فصائل المقاومة الإسلامية. وقد أسهمت العمليات المسلّحة ضد إسرائيل، انطلاقاً من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو من الدول العربية المجاورة، في تعبئة الرأي العام العربي، ودفعت في بعض الأحيان الأنظمة العربية إلى الردّ، سواء عسكرياً أو سياسياً. في الواقع، لم يكن الدعم العربي الرسمي للفلسطينيين إيثارياً بحتاً، بل ساعد أيضاً في تعزيز شرعية هذه الأنظمة داخلياً بنظر مواطنيها الذين كانوا يرون في فلسطين قضية عربية جوهرية على نطاق واسع.

أخيراً، غالباً ما كان القادة الفلسطينيون يناشدون الرأي العام العربي مباشرةً، إذ كان ولا يزال مؤيّداً بشدة للنضال الفلسطيني. وقد أتقن ياسر عرفات فنّ استثمار هذا التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين وتوظيفه في علاقاته مع القادة العرب. كما أسهمت قدرته على التعامل مع التنافس الداخلي بين الدول العربية في حماية القيادة الفلسطينية من التدخّل الخارجي المفرط، وفي المحافظة على قدر من الاستقلالية في صناعة القرار. وبحلول أواخر السبعينات، لم تبرز منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة عرفات كمجرّد حركة تحرير وطنية جادة، بل غدت جهة فاعلة إقليمية تمارس نفوذاً واسعاً بحدّ ذاتها.

النفوذ المفقود

شهدت مصادر النفوذ الثلاثة الآنفة الذكر تآكلاً مع مرور الزمن بفعل مسارَين متوازيين ومتعاضدين، يتمثّل أوّلهما وأهمّهما في الخلل والضعف السياسي المطّرد في المؤسسات والقيادة السياسية الفلسطينية، وهو ضعف ذو طابع بنيوي وناجم عن عوامل داخلية.

وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد بدأت مسار تراجعها المتواصل بعد طردها من لبنان عام 1982 على يد إسرائيل، ما قطع صلة المنظمة بآخر قاعدة جغرافية مستقلّة متبقية لها على حدود الوطن الفلسطيني.3 تسارعت عملية إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية في أعقاب القرارات التي اتّخذها عرفات خلال أزمة العراق والكويت عام 1990، والتي أدخلت المنظمة في ضائقة مالية وعزلة سياسية. غداة ذلك، تخلّت المنظمة رسمياً عن النضال المسلّح ثمناً لانخراطها في عملية السلام بقيادة الولايات المتحدة، متنازلةً بذلك عن أحد أبرز مصادر نفوذها (الذي سارعت حركة حماس وغيرها من الفصائل إلى تبنّيه). وقد أعطى التوقيع على اتفاق أوسلو في مطلع التسعينات دفعاً مؤقّتاً لقيادة منظمة التحرير، لكنّه أسهم في نهاية المطاف في تعميق الضعف الفلسطيني ومأسسته، فضلاً عن تقليص هامش المبادرة الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، أسهم تقسيم الدبلوماسية العربية إلى مسارات تفاوضية منفصلة في عملية السلام برعاية الولايات المتحدة في تقويض النفوذ الفلسطيني.

لم تكن أوسلو مجرّد عملية سلام. فبالإضافة إلى إعادة تشكيل العلاقات الفلسطينية مع إسرائيل، وبالتالي مع الولايات المتحدة، أعادت تنظيم السياسة الفلسطينية الداخلية وصناعة القرار والعلاقات الخارجية بصورة جذرية. واستلزم اتفاق أوسلو، بصفته مشروعاً لصناعة السلام وبناء الدولة، من القيادة الفلسطينية التخلّي عن جزء من استقلاليّتها الداخلية، مقابل الانخراط في المفاوضات والتعويل على أن تتمكّن واشنطن في نهاية المطاف من تأمين موافقة إسرائيل وإقامة الدولة الفلسطينية. وللمرة الأولى في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة، بات للولايات المتحدة وإسرائيل رأي مباشر، وفي غالب الأحيان حقّ نقض فعلي في السياسة الفلسطينية الداخلية. وقد تجلّت هذه الديناميّة في تهميش عرفات بعد عام 2001 ورفض نتائج انتخابات عام 2006، ما سرّع وتيرة الانقسام بين حركتي فتح وحماس.

علاوة على ذلك، أصبحت الصلات العضوية والوجودية، التي كانت تربط منظمة التحرير الفلسطينية بالدول العربية، ثانوية. فبينما كانت المنظمة تعتمد إلى حدّ كبير على الدول العربية وتستجيب لها، باتت السلطة الفلسطينية الناشئة تعتمد على رُعاة جُدد، لا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل والجهات المانحة الغربية، الذين كانوا أقلّ تعاطفاً مع معاناة الفلسطينيين وأقل تأثّراً بالضغط الفلسطيني. وفي ظلّ انهيار مسار أوسلو تحت وطأة التوسّع الاستيطاني والقمع وفشل المفاوضات واندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، سعى عرفات إلى التحرّر من قيوده وإعادة التأكيد على استقلاليّة القرار الفلسطيني بشكلٍ ضمني من خلال الكفاح المسلّح، لكن سُرعان ما تمّ احتواؤه وتهميشه.

في أعقاب الانتفاضة الثانية

تعمّق الضعف السياسي الفلسطيني في ظلّ قيادة محمود عباس الذي ترأس سلطةً منقسمة تعاني من الجمود والخلل وكان من السهل تجاهلها بسهولة. وقد تركت القطيعةُ مع حركة حماس في العام 2007 السلطةَ الفلسطينية من دون برلمان فاعل لأكثر من 12 عاماً، قبل أن يقدم عباس على حلّه في العام 2018،4 ما أدى إلى تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى وإلى تكريس حالة عدم الاستقرار في غزة.

كما أسهم الفساد المستشري وتنامي النزعة السلطوية في إضعاف الشرعية الداخلية للسلطة الفلسطينية. وعلى الرغم من تعدّد اتفاقات المصالحة، استمرّ عباس في تفضيل استمرار الانقسام الوطني على احتمال التعرّض لعقوبات إسرائيلية أو أمريكية. لذا، لم يكن مستغرباً أن تتدهور مكانته الداخلية. فقبل السابع من أكتوبر 2023، كان 78 في المئة من الفلسطينيين يطالبون باستقالته، وقد ارتفعت هذه النسبة إلى 88 في المئة في أواخر العام 2023 في ظلّ حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على غزة، واتّساع حملة القمع في الضفة الغربية، وعجز عباس عن مواجهة الأزمتين.5 على هذه الخلفيّة، قد يتساءل البعض: لماذا ينبغي على الدول العربية إعطاء الأولوية لمصالح الفلسطينيين على حساب مصالحها الوطنية، لا سيما وأنّ القيادات الفلسطينية نفسها عجزت عن تجاوز التنافس بين الفصائل وعن تلبية الاحتياجات الأساسية لشعبها؟

بعد استيعاب الدروس المستقاة من تهميش عرفات، تمسّك عباس بالمقايضة الأصلية لاتفاق أوسلو، معزّزاً اعتماده على الولايات المتحدة وإسرائيل كمسألة بقاء.6 وحالَ اعتماد القيادة المفرط على “المُنقذ” الأمريكي دون تطوير إستراتيجية دبلوماسية أكثر مرونة، بما في ذلك على الساحة العربية والإسلامية، ما جعلها عاجزة عن تحديد التحديات الدبلوماسية أو اقتناص الفرص كما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تفعل في السابق. وعلى الرغم من أنّ ذلك لا يُعد عاملاً حاسماً، فإنّ إهمال الفلسطينيين للملف العربي فشل في منع تطبيع الإمارات والبحرين مع إسرائيل عام 2020.

في ظلّ تقلّص النفوذ الفلسطيني، تراجعت أولوية فلسطين لدى الدول العربية، لا سيما في أعقاب الثورات العربية التي اندلعت عامَي 2010 و2011. وإلى جانب انحسار صداها، كشفت هذه الثورات عن تقاطع أيديولوجي بين التحرير الفلسطيني والحركات الشعبية العربية،7 ما دفع القوى الثورية المضادة إلى التصدّي لهما معاً.8 وأعاد تجدّد السلطوية، لا سيما في مصر بعد انقلاب العام 2013، تعريف التضامن مع فلسطين في السياسة العربية المحلية والإقليمية كتهديدٍ لاستقرار الأنظمة بدلاً من صمّام أمان لتنفيس الاحتقان الشعبي. فأدى ذلك إلى تسريع فكّ الارتباط العربي بالقضية الفلسطينية، إذ تراجعت المساهمات العربية المقدَّمة للسلطة الفلسطينية بنسبة 95 في المئة بين عامَي 2013 و2020، واستمرّ هذا التراجع بعد التوقيع على اتفاقيات أبراهام.9 وقد شكّل ذلك دليلاً قاطعاً على أنّ الدول العربية لم تعد مستعدّة لإخضاع مصالحها الثنائية أو الإقليمية لسراب الدولة الفلسطينية.

في خضمّ الإبادة الجماعية

لم يكن الهجوم الإسرائيلي المروّع وغير المسبوق على غزّة بعد السابع من أكتوبر كافياً لكسر حالة اللامبالاة الرسمية العربية، لا بل العداء في بعض الأحيان، تجاه الفلسطينيين، على الرغم من بروز مؤشّرات واضحة إلى الغضب في صفوف الشعوب العربية. كما أنّ قمع أنشطة التضامن مع الفلسطينيين، منذ شنّ إسرائيل حرب الإبادة الجماعية، يُسلّط الضوء على شعور الأنظمة العربية بعدم الأمان. وقد تجلّى ذلك بوضوح في إقدام حكومة السيسي على فضّ “قافلة الصمود” بعنف ضمن “المسيرة العالمية إلى غزة”، حين توافد نشطاء عرب ودوليون إلى مصر سعياً لكسر الحصار الإسرائيلي شبه الكامل على سكان غزة المحرومين من الغذاء.10

يبدو أنّ المشهد العام قد شهد تغيّراً جذرياً منذ ذروة منظمة التحرير الفلسطينية في السبعينات، مقارنةً مع مصادر النفوذ التقليدية لدى الفلسطينيين. فعلى الرغم من أنّ الهجمات المسلّحة ضد إسرائيل لا تزال تحظى بشعبية نسبية في مختلف أرجاء العالم العربي،11 ولا تزال قادرة على حشد انخراط عربي (كما تجلّى في الدور الجوهري الذي اضطلعت به الوساطة القطرية والمصرية في الحرب الحالية)، فإنّ تكلفتها ارتفعت بشكلٍ ملحوظ مقابل تراجع مكاسبها. وقد أدّى تدمير غزة، وضعف ردود الفعل العربية، وانتشار الصراعات الإقليمية العنيفة على مدى العقد والنصف المنصرمين، إلى إضعاف الكفاح المسلّح بصفته مصدراً فعّالاً للنفوذ الفلسطيني. بالإضافة إلى ذلك، تراجع التأثير الديمغرافي — باستثناء محتمل للأردن — بسبب غياب حركة سياسية منظّمة وعضوية داخل التجمعات الفلسطينية. بالتالي، لا يزال مصدر النفوذ الرئيسي للفلسطينيين إزاء الدول العربية يكمن في القوة الراسخة والمستدامة لقضيتهم في الوعي العام العربي.

كذلك، يساعد الخلل الوظيفي الذي يشوب القيادة الفلسطينية، والمقرون بتراجع أولوية القضية الفلسطينية لدى الأنظمة العربية الرسمية، على فهم فتور الردود العربية على حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل، سواء بالمقارنة مع حكومات أخرى في العالم أو مع مواقفها الخاصة خلال الأزمات السابقة في فلسطين.

فمنذ أكتوبر 2023، اقتصر التحرّك العربي على الدعوات إلى وقف إطلاق النار والدعم الخطابي للفلسطينيين وانتقاد إسرائيل، بالإضافة إلى بعض البوادر الرمزية المتقطّعة، من دون ممارسة أيّ ضغط حقيقي على إسرائيل أو على راعيها الأساسي، أي الولايات المتحدة. ففي غضون عام واحد بعد السابع من أكتوبر، بادرت كولومبيا وبوليفيا ونيكاراغوا إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل على خلفيّة أفعالها في غزة، في خطوةٍ لم تتّخذها أيّ دولة عربية، إذ اكتفت كلّ من الأردن والبحرين بسحب سفيرها من إسرائيل.

كما امتنعت الدول العربية عن فرض أي عقوبات أو قيود على الأسلحة، وعن تقليص العلاقات الاقتصادية، متخلّفةً عن بعض الدول في أوروبا وأمريكا اللاتينية. وحتى على المستوى الخطابي، لا تزال الدول العربية متأخّرة عن بلدان مثل جنوب أفريقيا وكولومبيا في الدفاع عن الفلسطينيين. وباستثناء فلسطين نفسها، وحدها ليبيا انضمت إلى الدعوى بتهمة ارتكاب إبادة جماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا لدى محكمة العدل الدولية.

باستثناء الوساطة المصرية القطرية، جاءت التدخّلات العربية الجادة متقطّعة ومتفرّقة. وعلى الرغم من أن المبادرة السعودية الفرنسية الرامية إلى تنفيذ إطار حلّ الدولتين، التي جاءت في أعقاب تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2024 على اعتماد قرار محكمة العدل الدولية المتعلّق بعدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي، كانت لافتة، إلاّ أنها بدت بعيدة كل البعد عن واقع الكارثة الآنية في غزة. وفي الوقت نفسه، لم تتبلور الخطة المصرية لإعمار غزة في مرحلة ما بعد الحرب إلا بعد دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المثيرة للقلق لإفراغ القطاع من سكانه بغية بناء “ريفييرا” على أنقاضه. وتجلّى تردّد الدول العربية مجدداً في استخدام نفوذها خلال زيارة ترامب إلى الخليج في مايو 2025. وعلى الرغم من تصاعد السخط الدولي إزاء الحصار الإسرائيلي على غزة وسياسة التجويع، رفضت الدول الخليجية ربط تعهداتها الاستثمارية الضخمة تجاه الولايات المتحدة بشرط تغيير سياسة واشنطن حيال غزة، في حين دفعت باتجاه تخفيف العقوبات المفروضة على سوريا.

استعادة النفوذ الفلسطيني

ينبغي عكس الاتجاهات السلبية المذكورة أعلاه بغية استعادة النفوذ الفلسطيني لدى الدول العربية، وهذا يعني تعزيز القيادة الوطنية الفلسطينية، وإعادة إدراج القضية الفلسطينية ضمن السياسة العربية الأوسع. غير أنّ ذلك لن يتحقّق على الأرجح من دون سدّ الفجوة المتّسعة بين الشعوب العربية وحكوماتها، وإتاحة مساحة أكبر للديمقراطية في شتى أرجاء المنطقة؛ ولا يلوح أيّ من هذين الأمرين في الأفق المنظور. في الوقت نفسه، تكمن الخطوة الأكثر فعالية التي يمكن أن يتّخذها الفلسطينيون وحلفاؤهم في التركيز على إعادة بناء حركتهم الوطنية ومؤسّساتهم السياسية. وهذا يشمل تشكيل قيادة وطنية موحّدة تحظى بتمثيل واسع وبشرعية داخلية، والأهم من ذلك أن تكون قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة.

يُعدّ التعاطف الواسع مع القضية الفلسطينية، على أهميّته، غير كافٍ بحدّ ذاته. ففي غياب جهة فاعلة سياسية فلسطينية موثوقة وقادرة على ترجمة التضامن الشعبي العربي إلى دعم سياسي ملموس، من المرجّح أن يبقى الشارع العربي مكتفياً بالتعبير عن استيائه وغضبه المعنوي، عوضاً عن التعبئة المستدامة لصالح الأهداف الفلسطينية. وحدها قيادة فلسطينية موثوقة ومستقلّة تملك الأدوات الضرورية لوضع إستراتيجية واضحة ومتماسكة للتحرير الوطني، بما فيها إستراتيجية دبلوماسية قابلة للتنفيذ. ومن الصعب الاستمرار في الجمود العربي (واللامبالاة) أو الدفاع عنه أمام الجمهور الداخلي في وجه حركة وطنية فلسطينية موحّدة ومتجددة، تماماً كما شعر القادة العرب بضرورة الالتفاف حول منظمة التحرير الفلسطينية في السبعينات.

ستتطلّب إعادة ترسيخ الاستقلالية السياسية الفلسطينية اتخاذ خيارات داخلية صعبة. وتشمل هذه الخيارات ابتعاد القيادة الحالية عن اعتمادها شبه الحصري على الغرب وعلى إسرائيل، لصالح إستراتيجية دبلوماسية متعدّدة المستويات تُعيد تموضع الدول العربية ودول الجنوب العالمي وتجد سُبلاً لإدماج حركة حماس ضمن نظام سياسي موحّد وخضع للإصلاح. فقد ولّى زمن عملية السلام بقيادة الولايات المتحدة. أمّا التمسّك بإطار أوسلو الفاشل والبالي، الذي تعمل إسرائيل والولايات المتحدة على تفكيكه علناً، فسيؤدي لا محالة إلى استمرار التهميش والجمود السياسي.

في الختام، لا يزال المصدر الأكثر استدامة لنفوذ الفلسطينيين تجاه الدول العربية يكمن في أولوية القضية الفلسطينية في قلوب المواطنين العرب وعقولهم في شتى أنحاء المنطقة. غير أنّ هذا الرصيد لا يمكن توظيفه بالكامل من دون إصلاح حقيقي للحياة السياسية الفلسطينية الداخلية، وفي غياب قيادة مستقلّة فعلياً تحظى بشرعية محلية ودولية. ورغم أنّ مثل هذه القيادة المتجدّدة قد لا تتمكّن بمفردها من عكس الاتجاهات الإقليمية غير المؤاتية أو استعادة التأثير في الوجدان العربي، من الصعب تصوّر تحقيق أيّ من ذلك في غيابها.


الهوامش
1 من الصعب تحديد رقم دقيق، لكنّ التقديرات تتراوح بين مئات الملايين من الدولارات ومليار دولار. أنظر: Rosemary Said Zahlan, Palestine and the Gulf States: The Presence at the Table (New York: Routledge, 2009), 63.
2 May Barakat and Yasser Amouri, “Who is representing the Palestinian People: The Palestine Liberation Organization or the State of Palestine? The Aftermath of United Nations General Assembly Resolution 67/19,” Arab Law Quarterly 38, no. 1-2 (2022): 50-79, https://doi.org/10.1163/15730255-BJA10115.
3 في أعقاب إخراجها القسري من لبنان، تعرّضت منظمة التحرير الفلسطينية لحملة مدعومة من سوريا ضد بقاياها في لبنان بين عامي 1983 و1988. للمزيد من التفاصيل حول التدخّل السوري في لبنان، أنظر: Adeed Dawisha, “The Motives of Syria’s Involvement in Lebanon,” Middle East Journal 38, no. 2 (1984): 228-236, http://www.jstor.org/stable/4326796.
4 Mohammed Daraghmeh and Fares Akram, “Palestinian president to dissolve parliament, Hamas irate,” AP News, December 22, 2018, https://apnews.com/general-news-dafe379cb9a245a49f41407d6957b2e2.
5 Palestinian Center for Policy and Survey Research (PCPSR), Public Opinion Poll No. 89, September 2023, https://www.pcpsr.org/en/node/955; PCPSR, Public Opinion Poll No. 90, December 2023, https://pcpsr.org/en/node/963.
6 Khaled Elgindy, “The Fall and Fall of Mahmoud Abbas,” Foreign Affairs, August 30, 2024, https://www.foreignaffairs.com/palestinian-territories/fall-and-fall-mahmoud-abbas.
7 Khaled Elgindy, “Egypt, Israel, Palestine: Prospects for Peace After the Arab Spring,” Cairo Review on Global Affairs, June 2012, https://www.thecairoreview.com/wp-content/uploads/2014/11/CR6-Elgindy.pdf.
8 Karim Haggag, The shifting security landscape in the Middle East: An Egyptian Perspective, MEI Perspectives Series 12 (Singapore: Middle East Institute at National University of Singapore, March 2019), 11, https://mei.nus.edu.sg/wp-content/uploads/2019/03/Karim-Haggag.pdf; Marc Lynch, “The Coming Arab Backlash,” Abu Aardvark’s MENA Academy (Substack blog), April 22, 2024, https://abuaardvark.substack.com/p/the-coming-arab-backlash; Yasmine Akrimi, “The Arab World, the Question of Palestine and the Spectrum of the Arab Spring,” Brussels International Center, April 4, 2024, https://www.bic-rhr.com/research/arab-world-question-palestine-and-spectrum-arab-spring.
9 Omar Shaban, “International Aid to the Palestinians: Between Politicization and Development,” Arab Center Washington DC, August 4, 2022, https://arabcenterdc.org/resource/international-aid-to-the-palestinians-between-politicization-and-development/.
10 Raouf Farrah, “On the Road to Rafah—The Sumud Convoy and New Maghrebi Geographies of Resistance,” Middle East Research and Information Project, October 20, 2025, https://www.merip.org/2025/10/on-the-road-to-rafah-the-sumud-convoy-and-new-maghrebi-geographies-of-resistance/.
11 على سبيل المثال، وبحسب استطلاع رأي بارز، اعتبر 67 في المئة من المشاركين من 15 دولة عربية أنّ هجوم حماس في السابع من أكتوبر يشكّل عملية مقاومة مشروعة. أنظر: Arab Center for Research and Policy Studies, Arab Public Opinion about the Israeli War on Gaza (Doha: Arab Center for Research and Policy Studies, January 2024), https://www.dohainstitute.org/en/Lists/ACRPS-PDFDocumentLibrary/arab-opinion-war-on-gaza-full-report-en.pdf.