لا يمكن النظر إلى تدمير غزة في أعقاب السابع من أكتوبر 2023 باعتباره كارثة إنسانية فحسب، بل يمثّل هجوماً وجودياً على النضال الفلسطيني من أجل التحرير وسقوطاً أخلاقياً وقانونياً عالمياً. وفي ظلّ تدمير أكثر من 70 في المئة من المنازل أو تضرّرها، وتسوية المستشفيات والمدارس بالأرض، ومحو أحياء بأكملها، لم يضاهِ حجمَ هذا الخراب سوى صمت العالم. فقد أصبحت غزة نقطة انكسار عالمية، كاشفةً عن الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، وتآكل المعايير الإنسانية، وخضوع العدالة للمصالح الإمبريالية.1
في هذا السياق، تُجسّد فكرة “إعادة الإعمار” بحدّ ذاتها ساحة معركة. تاريخياً في غزة، لم تشكّل عملية التعافي ما بعد الحرب مساراً لإعادة التأهيل، بقدر ما شكّلت آلية للاحتواء، فهي تهدف إلى تحقيق الاستقرار خلال الأزمة وفي الوقت نفسه الإبقاء على جذورها الاستعمارية.2 اليوم، يتعاظم هذا المنطق، إذ ابتعد الخطاب عن التحرير والعدالة ليتمحور حول الأمن الإسرائيلي وحوكمة الجهات المانحة والإدارة التكنوقراطية. أما المسائل السياسية المهيمنة، مثل من سيحكم غزة وكيف ستُدار المساعدات، فتُصوّر القطاع على أنّه منطقة تعاني من أزمة إنسانية، لا أرض محتلّة بشكلٍ غير قانوني ويجب تحريرها. عدا عن ذلك، تُهمَّش السيادة الفلسطينية، ويُنزع عن المشاكل القائمة طابعها السياسي، وتتحوّل إعادة الإعمار إلى أداة لتطبيع الظلم وترسيخ التفوّق الإسرائيلي بدلاً من إعادة بناء المجتمع الفلسطيني.
يتناول الملف هذا الخطاب، ويطرح حججاً تتماشى مع “إطار فينيق غزة”، خطة إعادة الإعمار الوحيدة التي وضعها سكان غزة وأطلقها اتحاد بلديات قطاع غزة في يناير 2025.3 ويشدّد على ضرورة التعامل مع عملية إعادة الإعمار ما بعد الحرب باعتبارها ساحة معركة سياسية حول السيادة والعدالة المكانية والحق في التحرير. وعوضاً عن اختزال سكان غزة في دور الضحايا أو متلقّي المساعدات، يؤكّد أنّهم عناصر مؤثّرة وفاعلة في عملية تعافيهم وصناعة مستقبلهم. ولا يعتبر حقوق السكن والأرض والبنى التحتية مسائل تقنية، بل ركائز أساسية للتحرير. وفي الوقت نفسه، يدعو إلى إعادة توحيد الجغرافيا والاقتصاد الفلسطينيين، رافضاً التجزئة الاستعمارية التي تعزل غزة عن الضفة الغربية وتُفكّك التعافي الوطني.
وفي الختام، يتحدّى المفهومَ القائل بضرورة تمحور التخطيط المستقبلي لغزة حول الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية بالدرجة الأولى، على غرار ما يُعرف بـ”خطة ترامب للسلام” التي أقرّها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 17 نوفمبر 2025.4 ويشدّد على أنّ أيّ عملية فعليّة لإعادة الإعمار ينبغي أن ترتكز على العدالة والكرامة والتمثيل الفلسطيني. فإعادة إعمار قطاع غزة لا تعني إدارة سكانه، بل تمكينهم. وتنظر الأقسام التالية في مظاهر هذا التمكين في الممارسة، مُسلّطةً الضوء على رؤية لإعادة الإعمار تقوم على الحقوق الجماعية والتحرير الوطني.
في أعقاب هذه الكارثة، تتمثّل الأولوية المركزية في تمكين الناجين من استعادة زمام حياتهم وفق شروطهم الخاصة. ولا يعدّ هذا التمكين بادرة تعاطف إنساني أو منحة تنموية، بل ممارسة سياسية متجذّرة في الحق في تقرير المصير، والعدالة المكانية، والسيادة الشعبية. كما أنّ التحرير الحقيقي لا يُمنح على طبق من فضة بل يُنتزع ويكافَح في سبيله،5 وهذا يعني، في سياق غزة ما بعد الإبادة، إعادة التمثيل السياسي والمادي لسكان هذه الأرض.
في ظلّ الدمار الذي تعرّضت له غزة بلا هوادة، طرحت القوى الدولية والجهات الفاعلة الإقليمية والشركات ومراكز البحوث عدداً من مبادرات “اليوم التالي” تشمل مخططات سياسية وخططاً لإعادة الإعمار واقتراحات للتعافي. وفي دراسة مقارنة صدرت في يونيو 2025، خلص “معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني” (ماس) إلى أنّ معظم هذه الأُطر الموجّهة من الخارج اختزلت إعادة الإعمار في إدارة تقنية، وهمّشت التمثيل الفلسطيني، وطمست جذور الدمار الاستعمارية.6
تحمل هذه الرؤى في طيّاتها خطر تحويل غزة إلى موقع للسيطرة الخارجية والتجارب النيوليبرالية بدلاً من مساحة للتحرير ولسيادة السكان الأصليين. في المقابل، تطرح مبادرة “فينيق غزة” بقيادة فلسطينية مساراً آخر مرتكزاً على العدالة المكانية والاستمرارية الثقافية والمشاركة المجتمعية. بعبارة أخرى، ليست هذه المبادرة مجرّد خطة لإعادة الإعمار، بل تشكّل إطاراً للتعافي القائم على الحقوق.
لا بد أنّ يكون التمكين قائماً على تحوّل بنيوي، ما يتطلّب ضمان مجموعة من حقوق الشعب، لا سيما الحق في السكن اللائق والحق في الأرض والحق في المشاركة الجماعية في ملكية البنى التحتية وإدارتها. ولا تعدّ هذه الحقوق مستحقّات معزولة، بل أسساً متداخلة لما وصفه هنري لوفيفر بـ”الحق في المدينة”.7 ولا يشمل ذلك الحق في الوصول إلى الفضاء الحضري فحسب، بل أيضاً الحق في تصميمه والسكن فيه وامتلاكه كمكانٍ للانتماء والاستقلالية والحياة الجماعية. من هذا المنطلق، ينبغي على أيّ خطة رامية إلى إعادة بناء غزة أن تكرّس الحقوق التالية:
1. الحق في مسكن لائق
لا يقتصر السكن على حاجة إنسانية أو هيكل مادي. ففي سياقات ما بعد الحروب، يضطلع المسكن بدور جوهري في استعادة الحياة المجتمعية، وإعادة بناء الثقة، وترميم النسيج العائلي والاستقرار الاجتماعي. وفي غزة، دمّرت الحرب الإبادية بشكل منهجي المساحات التي تجعل الحياة الكريمة والمجتمعية ممكنة، إذ قُصفت المنازل وجُرفت ومُحيت؛ وسُويّت أحياء كاملة بالأرض، فيما نُسفت أُسس السكن عمداً، المتمثّلة في توفير المأوى، والأمان، والخصوصية، والاستمرارية.
وبالتالي، تتطلّب مرحلة ما بعد الحرب إنتاجاً سريعاً للمساكن بغية تلبية الحاجة الملحة والهائلة إلى مأوى. بيد أنّ هذه الضرورة يجب ألا تختزل السكن في سلعة أو منتج تتحكّم به الجهات المانحة، بل لا بدّ من الاعتراف بالحق في السكن كأساس جوهري للكرامة والاستقرار والتعافي. فالمنزل ليس خيمة، ولا وحدة سكنية جاهزة أو هيكلاً خرسانياً أو نسخة حداثية عن مشاريع الإسكان الفاشلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مثل مجمّع “برويت-إيغو” السكني (Pruitt–Igoe Apartments) في مدينة سانت لويس في ولاية ميزوري الأمريكية أو “وحدة السكن” (Unité d’habitation) في مدينة مرسيليا الفرنسية؛ بل هو تجسيد مادي لنوعية الحياة بما تشمله من سلامة وخصوصية واستمرارية للعائلة وشعور بالانتماء.
من هذا المنطلق، لا يشكّل التصميم في هذا السياق فكرة ثانوية، بل يحتلّ مكانة مركزية في عملية التعافي.8 بالفعل، ستؤثّر طريقة تصميم المنازل اليوم في طريقة عيش المجتمعات وتعافيها وترابطها لأجيال قادمة. لذا، يجب ألا يأتي إلحاح إعادة الإعمار على حساب الجودة وقابلية العيش والكرامة المكانية. كما يجب ألا يكون الإسكان الجماعي مرادفاً للتماثل أو الإهمال. ففي غياب مساحات لائقة وصالحة للعيش، لن يتحقّق أيّ تعافٍ حقيقي، بل سيستمرّ التهجير ولكن هذه المرة تحت غطاء إعادة الإعمار.
على هذا الأساس، وبينما تدعو خطة ترامب إلى بناء “ريفييرا غزة” على طراز المدن الإماراتية، تطرح “خطة فينيق غزة” مقاربة أكثر تجذّراً اجتماعياً، تستند إلى إعادة البناء على قطع الأراضي الأصلية، وتكييف التصميم مع حاجات المجتمع، وضمان مشاركة فعلية في عملية التخطيط. والأهم أنّها تدعو إلى إجراء بحوث جادة حول أنواع المساكن التي يطمح سكان غزة إلى العيش فيها. وقد أعدّت بلديات غزة استطلاعاً أُطلق بعد وقف إطلاق النار ولا يزال جارياً، يطرح على السكان أسئلة حول أنواع السكن التي يفضّلونها، ولا سيما التفاصيل الخاصة مثل عدد غرف النوم والحمّامات، مسلّطاً الضوء على ضرورة أن يرتكز التعافي على رغبات الناس المعيشية وممارساتهم وحاجاتهم اليومية.
2. الحق في الأرض
تُعدّ قدرة الوصول إلى الأرض ركناً أساسياً من أركان الاستقلالية. ففي سياقات الاستعمار الاستيطاني، فالأرض ليست مجرّد مساحة جغرافية، بل أداة للسيطرة والبقاء في آن معاً. وبحسب علماء الاستعمار الاستيطاني، يمرّ القضاء على السكان الأصليين عبر السيطرة على الأراضي ومنعهم من استعمالها.9 وتجسّد غزة المثال الأبرز على ذلك، حيث منعت الكثافة السكانية المفرطة والحصار الاقتصادي والقيود العسكرية الكثيرين من الوصول إلى الأرض التي تنبض تحت أقدامهم. وقد تفاقمت هذه القيود على نحو جذري خلال الحرب بفعل الكميات الهائلة من الأنقاض والركام، وتلوّث التربة على نطاق واسع، والتدهور البيئي الشديد.10
وعلاوة على ذلك، في سياقات ما بعد الحرب، غالباً ما تحدَّد إمكانية الوصول إلى الأرض بالقدرة المالية، ما يتيح للنُخب وأصحاب رؤوس الأموال السيطرة عليها، فيما تُدفع الفئات الأكثر احتياجاً إلى الهامش. ومن دون تدخّل مدروس، تصبح الأرض مكاناً للمضاربة وليس للتعافي. وفي غزة، تهدّد هذه الديناميّة بإعادة إنتاج أوجه عدم المساواة ما لم تُطبَّق سياسة متعمّدة لإعادة توزيع الأراضي. ولا بدّ أن يشمل أيّ إطار سليم لإعادة الإعمار مسألة إعادة توزيع جذرية للأراضي المملوكة من الدولة من خلال عقود إيجار طويلة الأمد أو أُطر قائمة على المشاع، بحيث تعطي الأولوية للأُسر المهمّشة والمحرومة من الأراضي.
ترتكز هذه المقاربة على التقاليد المحلية والإسلامية العريقة، ولا سيما مفهوم “الأرض الموات” — أي الأراضي غير المملوكة وغير المزروعة التي يمكن المطالبة بها عن طريق الزراعة أو البناء. ومن خلال إحياء مثل هذه التقاليد، يمكن لإعادة إعمار غزة أن تتحدّى المنطق الاستعماري والنيوليبرالي الذي يعتبر الأرض مجرّد سلعة. من شأن إعادة توزيع الأراضي أن توفّر للأُسر الأكثر فقراً في غزة أساساً للكرامة والإنتاجية. حيث يمكن للأسرة بناء ورشة عمل صغيرة أو زراعة الخضار أو إنتاج سلع مصنوعة يدوياً، على مساحة لا تتجاوز 20 متراً مربعاً، والتحوّل بذلك من متلقّين هامدين للمساعدات إلى عناصر فاعلة في التعافي المجتمعي. وبهذا المعنى، لا تجسّد الأرض أصولاً مادية فحسب، بل شرطاً للتمكين والتحرّر الاجتماعي.
3. الملكية الجماعية للبنى التحتية العامة
إلى جانب الحقّ في الأرض، تتطلّب إعادة الإعمار “ديكولونيالية” حقيقية، من خلال إعادة تصوّر جذرية للبنى التحتية العامّة ليس بصفتها مجالاً لجني الأرباح، بل باعتبارها مرفقاً مشتركاً وضرورياً للحياة الجماعية. ففي عددٍ من سياقات ما بعد الحرب، وظّف بعض المستثمرين من القطاع الخاص ومن جهات مانحة دولية، البنى التحتية كوسيلة لإعادة الهيكلة النيوليبرالية، عبر الترويج لخصخصة الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والنقل والمياه، تحت شعارات الفعالية والتحديث.11 وغالباً ما تقصي هذه النماذج المجتمعات نفسها التي تدّعي خدمتها عن الملكية والتشغيل، ما يؤدّي إلى تعميق التبعية وتقويض السيادة العامة. من أجل مقاومة هذا المنطق، لا بدّ من تمكين الفلسطينيين من التملّك المشترك لمشاريع البنى التحتية العامة وإدارتها عبر آليات مثل المساهمة المجتمعية والإدارة التعاونية. هذه المقاربة تُحوّل البنى التحتية من مجال للاستغلال، إلى منصّة لإعادة التوزيع والتضامن سواء في شبكات الطاقة الشمسية، أو أنظمة النقل العام أو محطات تحلية المياه. كذلك، تُكرّس نماذج الملكية الجماعية، العدالةَ الاقتصادية والمساءلة المدنية والمرونة الاجتماعية على المدى البعيد.
غالباً ما تركّز التدخّلات الإنسانية بشكلٍ كامل على بقاء السكان على قيد الحياة فيما تتجاهل حاجاتهم ومطالبهم الأخرى. في هذا السياق، من الضروري فهم أنّ إعادة الإعمار ينبغي ألا تقتصر على استعادة المنازل أو الوظائف، بل أن تشمل أيضاً استعادة الحضور السياسي للشعب. وكما حذّر جيورجيو أغامبن،12 فإنّ العمل الإنساني غالباً ما يختزل الناس في مجرّد كائنات حيّة ينبغي إدارتها، ولا يعتبرهم مواطنين يجب تمكينهم. غير أنّ الفلسطينيين ليسوا ناجين صامتين من كارثة طبيعية، بل هم فاعلون سياسيون يطالبون بحقّهم في الحرية وفي البناء والسكن والحكم الذاتي في وطنهم.
إنّ إغفال التمثيل الفلسطيني يحجب سؤالاً حاسماً: كيف تمكّن الفلسطينيون في غزة من تحمّل عامَين من القصف غير المسبوق، وتدمير البنى التحتية، ناهيك عن الجهود المتعمّدة لتفكيك المؤسسات الحكومية والدولية والمدنية؟ كما ويتم التغاضي عن الطرق التي تدخّلت بها البلديات والمنظمات، مثل “الهيئة العربية الدولية للإعمار في فلسطين”، ولجان الأحياء، والمنظمات غير الحكومية المحلية، والجمعيات الخيرية، والشركات والعائلات والأفراد من أجل المحافظة على مقوّمات الحياة في ظلّ الإبادة. وقد عملت هذه الجهات الفاعلة على إعادة وصل شبكات المياه، وإزالة الأنقاض، وتقييم سلامة المباني، وإنشاء المخيمات، وتوزيع الغذاء، وتنفيذ عدد لا يحصى من المهام الأساسية الأخرى، كلّ ذلك في ظلّ استمرار الهجمات والتهجير والحرمان بلا هوادة.
لذا، فإنّ تمكين الشعب حقاً لا يعني نزع الشرعية عن الدور المحلي أو إهماله، أو إدارة المساعدات ضمن حدود النظام القائم، بل تفكيك هياكل السيطرة التي جعلت هذه الحرب ممكنة والتي تستمرّ في تركيز إعادة الإعمار على الاهتمامات الإسرائيلية. غالباً ما يتحدّث الخطاب الدولي حول إعادة الإعمار عن سكان غزة، ولكن نادراً ما يستمع إليهم، بل يصوّرهم على أنّهم مشاكل يجب إدارتها. ومن جهتها، تؤطّر معظم خطط إعادة إعمار غزة غير الفلسطينية التمثيل الفلسطيني، إذا اعترفت به على الإطلاق، ضمن التسلسل الهرمي الذي تحدّده الجهات المانحة وآليات السيطرة التكنوقراطية. فـ”برنامج إعادة الإنعاش المبكر لغزة” التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي،13 وما يُعرف بـ”الخطة المصرية”،14 و”خطة مركز الحبتور لإعادة إعمار غزة”،15 و”خطة ترامب” كلّها تتبنّى مفهوم “الملكية المحلية”، لكنّها في الممارسة تختزل المؤسسات الفلسطينية في دور المنفّذ. ومع ذلك، فإنّ السلطة الإستراتيجية تبقى بيد الوكالات الدولية والدول الإقليمية أو المستثمرين من القطاع الخاص.
في المقابل، تُعيد “خطة فينيق غزة” التأكيد على التخطيط باعتباره فعلاً سياسياً مقاوماً، وتدرج إعادة الإعمار في إطار المعرفة المحلية والمشاركة المجتمعية والحوكمة الديكولونيالية. ويكشف هذا التناقض تحوّل التصميم المؤسساتي بحدّ ذاته إلى ساحة معركة، إذ إنّ الخطط الخارجية تنزع الطابع السياسي عن التمثيل الفلسطيني وتُخضعه، في حين أنّ الأُطر المحليّة تصرّ على السيادة من الأسفل إلى الأعلى.
يُعزى جزء كبير من المشكلة إلى غياب قيادة وطنية فلسطينية موحّدة، ما يقوّض التمثيل الفلسطيني ويحدّ من تأثيره في الخطاب الدولي. وتُستبعَد المؤسسات في غزة باعتبارها غير شرعية وبذريعة أنها خاضعة لسيطرة حركة حماس، بينما تُهمّش السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية عمداً، ما يسهم في تفكيك التمثيل الوطني الفلسطيني. ويؤدّي هذا التشرذم السياسي، مقروناً بالفشل المؤسساتي، إلى تقييد التمثيل الفلسطيني على نحو خطير، مسلّطاً الضوء على الحاجة الملحة إلى معالجة مسألة وجود قيادة موحّدة وشرعية.
على هذا الأساس، ينبغي أن يتجاوز الفلسطينيون التشرذم الجغرافي والسياسي والاقتصادي لاستعادة مساحة جغرافية وسياسية موحّدة. وعلى الرغم من التوافق الدولي على أنّ الضفة الغربية وقطاع غزة يشكّلان وحدة جيوسياسية واحدة تقع تحت احتلال غير قانوني، فإنّ تخطيط سياسات ما بعد الحرب يواصل ترسيخ التشرذم الجغرافي والسياسي الفلسطيني. على سبيل المثال، تستثني “خطة ترامب” السلطة الفلسطينية إلى أجل غير مسمى، فيما تحصر التمثيل الفلسطيني في إطار “لجنة تنفيذية” غير سياسية مكلّفة بمهام إدارية ضيّقة وبتنفيذ توجيهات مجلس تنفيذي يُعيّنه الخارج. لا يعكس هذا التأطير التكنوقراطي إخفاقات نماذج الحكم السابقة لفترة ما بعد الحرب فحسب، بل يكرّر المنطق الاستعماري القائم على الهيمنة الأجنبية وعلى سياسة “فرّق تسد”.
وعلاوة على ذلك، يؤثّر هذا الانقسام الجغرافي والسياسي في تعافي الفلسطينيين الاجتماعي والاقتصادي. على سبيل المثال، تضمّ الضفة الغربية مجموعة واسعة من الصناعات الصغيرة والورش وقطاعات التصنيع الخفيف، من صناعة الأغذية والأنسجة إلى مواد البناء والسلع المنزلية. وقد تعرّضت هذه القطاعات لتقويضٍ منهجي بفعل الضغوط المزدوجة الناجمة عن الاحتلال العسكري الإسرائيلي والتنمية المعتمدة على المساعدات. ومع ذلك، فإنّها لا تزال تشكّل ركائز حيوية لتعافٍ وطني قائم على التكافل والاعتماد على الذات. غير أنّ إمكاناتها تبقى غير مستغلّة، لا سيما بسبب الحدود المصطنعة والقيود الإسرائيلية على التحرّك.
ينبغي على أيّ استراتيجية ديكولونيالية لإعادة الإعمار أن تُعيد تصوّر تعافي غزة ضمن الجغرافيا الفلسطينية الأوسع، من خلال تفعيل القدرات الكامنة وإعادة ربط الفضاءات التي تقطّعت أوصالها. على سبيل المثال، من شأن تمكين المنتجين في الخليل أو نابلس من توفير السلع والمواد اللازمة لإعادة بناء المنازل والمدارس والأسواق في غزة أن يقلّص الوقت والتكاليف المتعلّقة بإعادة الإعمار، وينعش الصناعات في الضفة الغربية، ويدعم التعافي الاقتصادي والمادي الطويل الأمد في غزة. فالمسألة لا تتعلّق بالمساعدات، بل بإستراتيجية للتضامن الوطني الداخلي وللديكولونيالية الاقتصادية.
لماذا يستطيع الفلسطينيون من حَمَلة الجنسية الإسرائيلية في حيفا امتلاك منازل لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في مدينة روابي في الضفة الغربية، في ظلّ غياب أيّ سياسة جادة تنظر في السماح للنازحين من غزة باستئجار منازل هناك؟ ولماذا تُعد فكرة تنقّل عمّال غزة إلى مصانع الخليل غير واردة على الإطلاق في حين أنّ المستوطنين اليهود يتنقّلون يومياً عبر “طرق الفصل العنصري”16 من المستوطنات غير القانونية إلى أماكن عملهم في القدس وتل أبيب؟ تكشف هذه الأسئلة النقاب عن الظروف البنيوية العميقة لنزع الملكية التي تلقي بظلالها على حياة الفلسطينيين في ظلّ نظام متشابك من الاحتلال العسكري والاستعمار الاستيطاني. وتُسلّط الضوء على منظومة لا تُعتبر فيها قضايا التنقّل والإقامة وإمكانية الوصول المكاني حقوقاً، بل امتيازات موزّعة على أسس إثنية قومية ودينية.
هذا لا يعني أنّ مستقبل غزة رهنٌ بالضفة الغربية، بل لا بدّ من إعادة إعمار غزة من خلال ازدهار اقتصادها واستقلاليّته، ومستقبلها الحضري. لكن في الأمدين القصير والمتوسّط، ستتيح إعادة تنشيط الصناعات في الضفة الغربية، وضمان حرية التنقّل، ومقاومة التشرذم القسري، للفلسطينيين تسخير قدراتهم الجماعية كاملة في إعادة بناء ما دُمّر.
لقد أدّى فرض “خطة ترامب” وتبنّيها في أواخر العام 2025 إلى تهميش سائر خطط إعادة الإعمار ورؤى “اليوم التالي” المنتَجة دولياً، التي اختزلت بدورها التعافي في عملية تقنية أو مالية، متجاهلةً الظروف الاستعمارية التي قادت إلى الدمار في المقام الأول. أما “إطار فينيق غزة”، الذي وضعه اتحاد بلديات قطاع غزة، فيُقدّم بديلاً يَعتبر التخطيط نوعاً من أنواع التحرير وأداةً لاستعادة الكرامة والتمثيل وتقرير المصير.
من هذا المنطلق، يُشدّد هذا المقال على أنّ إعادة الإعمار ليست مَهمّة لوجستية محايدة، بل نضال سياسي من أجل تحقيق السيادة والتحرّر. ولا يمكن للتعافي الحقيقي أن ينبثق عن آليّات تُديرها الجهات المانحة أو عن أُطر تتمحور حول الأمن وتُهمّش أصوات الفلسطينيين، بل يجب أن يرتكز على حقوق سكان غزة في السكن والأرض والملكية الجماعية للبنى التحتية، وأن يقاوم في الوقت نفسه التجزئة الاستعمارية التي تفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية. فلا يمكن كسر دوّامة التدمير، ووضع حدّ للحرب، وإرساء ركائز الكرامة والتحرير والسلام، إلا من خلال جهود عادلة لإعادة الإعمار تتمحور حول الشعب، وتقوم على أُسس سياسية، وتكرّس الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.