من الصعب بلوغ مرحلة «حلف الناتو الإقليمي» من دون التخلي عن طموح إنشاء «تحالف شامل»، ومن دون عبور مرحلة التكامل التدريجي التي تُنهي عقودًا من الاعتماد على مظلة أمنية خارجية أحادية لم تعد تحظى بالثقة.
يشهد الشرق الأوسط تحولاً جذرياً يُعاد فيه تعريف معنى الأمن وأدواته والفاعلين القادرين على إنتاجه. فقد كشفت المحطات الفارقة التي مرّت بها المنطقة على مدار السنوات الثلاث الماضية، بدءًا من الحرب على غزّة، وصولاً إلى تجدد الحرب الإسرائيلية الأمريكية -الإيرانية في فبراير 2026، أنّ المعادلات القديمة لم تعد قادرة على ضمان الاستقرار والأمن الإقليميين.
ومع تبلور هذه التحوّلات، برز النقاش مُجدداً عن أهمية استحداث إطار أمنيٍّ إقليميٍّ جماعي يُشار إليه غالباً بعبارة «الناتو الإسلامي»، بوصفه استجابةً لتراجع الثقة بالمظلّة الأمنية الخارجية والضمانات المرتبطة بها.
وعلى الرغم من أهمية هذا المفهوم، إلا أنه يصطدم بعوائق بنيويةٍ عميقة، مما يرجح تبنّي استراتيجية مغايرة منوطة بـ «التحوط الاستراتيجي» بدلاً من تشكيل تحالف عسكري صلب.
لطالما طُرحت فكرة التحالف الإقليمي ودوافعها في النقاشات السياسية بأشكالٍ متعددة على مدى العقدين الماضيين من «الناتو العربي» إلى «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي». لكنّ ما يميّز اللحظة الراهنة أنّ هذا الطرح لم يعد نظرياً بامتياز، بل اكتسب طابعاً ملحاً نتيجة الصدمات الميدانية المتلاحقة التي طالت دولاً عدة في آن واحد.
فالحرب الإسرائيلية على غزة واستهداف إسرائيل لمقر سكني في الدوحة هزّت العواصم الخليجية العربية في العمق، لأنّها استهدفت دولةً ترتبط بتحالفات أمنية متقدّمة مع الغرب وتستضيف أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة، حيث كشف هذا الاعتداء أنّ الوجود الأمريكي أخفق في توفير الحصانة التلقائية. ثم جاءت حرب فبراير 2026 لتُعمّق الصدمة، مع مقتل ثمانيةٍ وعشرين شخصاً على الأقل في دول مجلس التعاون الست، بسبب الهجمات الإيرانية بالمسيّرات والصواريخ، مما حوّل التهديد من احتمال نظريٍّ إلى واقعٍ دموي شمل المدن والبنى الحيوية. وبموازاة ذلك، يتآكل الافتراض بأنّ الضمانات الغربية ستبقى متاحةً بالكثافة نفسها مع مرور حلف شمال الأطلسي بأزمةٍ استراتيجيةٍ بنيوية، وتباين الأولويات الأمريكية الأوروبية، وانشغال واشنطن المتزايد بالمحيطين الهندي والهادئ في المنافسة مع الصين.
وهكذا اجتمع العاملان الأكثر حساسية من الناحية الأمنية وهما: تراجع مصداقية الحماية الخارجية من جهة، وتصاعد التهديد المباشر من جهةٍ أخرى، ليُنتجا قناعةً متزايدةً بأنّ المنطقة بحاجة ماسة إلى الاعتماد على الذات في شؤونها الدفاعية.
لقراءة المشهد الحالي، لا بُدّ من العودة إلى الأدوات النظرية لفهم سلوك الدول في لحظات الأزمات والخطر. تُظهر نظرية التحالفات الكلاسيكية المرتبطة بشكل وثيق في المدرسة الواقعية، أنّ الدول تتحالف إمّا موازنة لقوةٍ صاعدة، أو لتتخذ مسار مؤيد لقوّة معينة.
لكنّ عالِم السياسة الأمريكي ستيفن والت طوّر هذا الطرح حين بيّن في نظريته عن توازن التهديد، أنّ الدول لا تتحالف لمجرد مواجهة القوة المتفوقة وسعياً منها لتحقيق توازن القوى فحسب، بل تتحالف ضدّ القوة التي تُعدّ مصدر تهديد لها، وهكذا يرتكز التحالف على أربعة عوامل تتفاعل فيما بينها وتتجسد في: القدرات الشاملة، والقدرات الهجومية، والقرب الجغرافي، والنيات العدوانية.
تُعدّ هذه العوامل أساسية في هذه الحالة، فالعائق الرئيسي الذي يقف أمام تشكيل تحالف واسع من الدول لا يكمن في نقص القدرات، بل في مستوى إدراك التهديد. فقد ترى دول معينة في إيران خصماً وجودياً، بينما تُفضّل أخرى احتواءها عبر الدبلوماسية والتهدئة والتعاون الاقتصادي.
ويضيف الحقل النظري تحذيراً ثانياً يُعرف بمعضلة التحالف، وهي متلازمة الوجود بين خطرَين: خطر التورّط في حروب الحليف التي لا تخدم المصالح المباشرة للدولة، وخطر التخلّي عن الدعم وقت الحاجة. من هذا المنطلق، يُمكن تفسير المعضلة القائمة أمام دول الخليج تحديداً بأنها ليست في اختيار المعسكر، بل في تفادي أن تُبتلَع لصالح مشروع اصطفافٍ صُمِّم في مكانٍ آخر لخدمة أولوياتٍ لا تنسجم مع مصالحها، وبالتالي الوقوع في فخّ التحالف الذي يقوّض سيادتها، ويجرّها إلى فلك التبعية ويورطها في مواجهاتٍ لم تخترها.
أما الركيزة النظرية الثالثة التي يُمكن الانطلاق منها، فتتمثّل في مفهوم الردع الذي يُمكن اللجوء إليه في مواجهة الأزمات، وهنا من المُهم التمييز بين الردع المباشر الذي تمارسه الدولة حمايةً لنفسها، والردع الموسَّع الذي تقدّمه إحدى القوة الكبرى لحلفائها.
على مدار عقود، قامت البنية الأمنية الخليجية على ركيزة الردع الموسَّع الأمريكي، الذي توفره الولايات المتحدة وما يصاحبه من ضمانات للحماية. غير أنّ فاعلية هذا الردع الموسَّع اعتمدت كلّياً على متغيّرٍ واحدٍ هش وهو: المصداقية.
فعندما تعرّضت مدن خليجية للاستهداف، من دون أن تُفعّل المظلّة الأمريكية ردعاً حاسماً، تآكلت مصداقيتها، وانهارت قيمة معادلة الردع. وقد أدّى ذلك إلى نشوء حوافز استراتيجية لبناء قدرات ردعِ محلية وضمان الاستقلالية، وحوّل التطلعات نحو إمكانية تشكيل تحالف إقليمي لضمان الحماية.
لا شكّ أن المنطقة بعيدة كل البُعد عن أي سيناريو متفائل، فالمنطقة لا تسير نحو قطبٍ أمنيٍّ واحدٍ جامع، بل نحو ثلاثة مشاريع اصطفاف متنافسة تجد دول الخليج نفسها عند تقاطعاتها. يكمن المشروع الأول في الشبكة الإيرانية، وهي بنية غير تقليدية تقوم على القدرات الصاروخية والمسيّرات والوكلاء والقدرة على تهديد الممرّات البحرية أكثر من قيامها على تحالفاتٍ رسمية. والمفارقة اللافتة أنّ إيران نفسها دعت في 2026 إلى «تحالفٍ أمنيٍّ إسلامي» يضمّ باكستان والسعودية وتركيا ومصر وقطر ويستبعد الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو طرح يُربك منطق «الناتو» المُوجَّه ضدّ إيران، إذ تتداخل عضويته المحتملة مع عضوية الدول نفسها المرشحة للانضمام إلى الحلف المقابل. والمشروع الثاني هو المحور الإسرائيلي، أو ما وصفه نتنياهو بـ«السداسي» الممتد من شرق المتوسط إلى جنوب آسيا، الذي يسعى إلى دمج القدرات الإسرائيلية في منظومة إقليمية أوسع. أمّا المشروع الثالث فهو النواة الخليجية–العربية، وهو الأقرب إلى الطرح محلّ النقاش، والقائم على مصالح ذاتية مشتركة وقدرات متكاملة. ويكمن التحدي الذي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي في إدارة تموضعها بين هذه المشاريع الثلاثة بما يحفظ استقلالية قرارها ويجنبها الوقوع في فخ التبعية وليس في الاختيار بين معسكرين متناقضين.
تمتلك الدول القادرة على تشكيل نواة «خليجية-عربية» مقومات استثنائية لا يمكن إنكارها. فدول الخليج تمثّل مركز الثقل الاقتصادي والطاقي العالمي وتملك موارد مالية ضخمة وقدرات متزايدة في التكنولوجيا والدفاع، فيما تبقى مصر صاحبة أكبر قوةٍ عسكريةٍ عربية، ويوفر الأردن خبرة أمنية واستخباراتية متقدّمة.
إلى جانب هذه المجموعة الأساسية، يُمكن لهذه النواة الاستفادة من نقاط القوة المميزة لشركاء رئيسيين من خارج العالم العربي، مثل الصناعات الدفاعية التركية المتقدمة والعمق الاستراتيجي لباكستان بفضل قدراتها العسكرية والنووية. ومع ذلك، تصطدم هذه المقوّمات بعوائق بنيوية لا يجوز تجاهلها. فقد ظلّ التطبيق العملي لاتفاق الدفاع المشترك الخليجي محدوداً رغم عقود، ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول القدرة على بناء تحالف أوسع وربّما أكثر تعقيداً.
غير أنّ اتفاقية مكة الذي وُقّعت في 7 أغسطس 2026 بين السعودية، وتركيا، وباكستان قد أضفت طابعاً رسمياً على ميثاق دفاع جماعي ثلاثي مُشكّلاً بذلك سابقة هامة، فالاتفاقية تستفيد من نقاط القوة التي تمتلكها كلّ دولة فيها، وتجمع بين القدرات التركية المدمجة في حلف الناتو والقاعدة الصناعية الدفاعية القوية، والترسانة النووية الباكستانية، والثقل المالي والدبلوماسي للسعودي تحت مظلة واحدة، مما يضع ركيزة أساسية لهذا التعاون الأمني والإقليمي على نطاق أوسع.
ومع ذلك، فإن تحوّل اتفاقية مكة إلى نواة مؤسسية لما يشبه «ناتو إسلامي» أو اقتصار أهميتها على البُعد الرمزي مع قدرتها المحدودة على العمل، سيعتمد على كيفية استجابة الدول الأعضاء عند تعرضها للاختبار.
وبالطبع، يبقى العامل الأشد تعقيداً هو القضية الفلسطينية التي تضع سقفاً سياسياً أمام أي اصطفافٍ يضمّ إسرائيل لا سيّما بعد الاعتداءات الإسرائيلية على الدوحة. من الناحية النظرية، تتمحور العقبات حول متغيرين رئيسيين: تباين التصورات بشأن التهديدات، ومحدودية المصداقية المؤسسية.
هذه العوامل مجتمعة هي التي تجعل إبرام أي معاهدة دفاع جماعي على غرار المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) -التي تنص على أن «أي هجوم مسلح ضد عضو أو أكثر من أعضاء الحلف في أوروبا أو أمريكا الشمالية يُعد هجوماً عليهم جميعاً» أمراً غير قابل للتحقق في المستقبل المنظور. وفي الوقت نفسه، ثمة مؤشرات إيجابية، أبرزها المعارضة العربية الجماعية والموحدة للهجمات التي تستهدف دول الخليج والأردن.
بالنظر إلى المستقبل، يرتبط الخيار الأكثر واقعية في التحوّط الانتقائي داخل إطارٍ خليجيِّ محوري. تقوم هذه المقاربة على أن توافق الدول في سياساتها الخارجية ليس شرطًا ضروريًا، بل يكاد يكون مستحيلًا في ظل تباين مصالحها. والأهم هو التوصل إلى حد أدنى من التوافق حول خطوط حمراء مشتركة، تشمل حماية السيادة، وتأمين البنى التحتية للطاقة، وصون الممرات البحرية، وحماية المراكز الحضرية من الضربات.
تتحقّق هذه المقاربة عبر أربع طبقاتٍ متدرّجة. تبدأ الطبقة الأولى بتعميق التكامل الخليجي الداخلي في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي وتبادل المعلومات وحماية البنى الحيوية، بوصفه النواة الصلبة الأكثر تماسكاً. وتتمثّل الطبقة الثانية في تنويع الشراكات الخارجية دون الانزلاق إلى كتلةٍ جامدة، عبر شراكاتٍ مرنةٍ مع تركيا وباكستان والمملكة المتحدة، وعبر مبادرة إسطنبول للتعاون مع الناتو، بما يوزّع المخاطر ويتجنّب الاعتماد على مصدرٍ واحد. أمّا الطبقة الثالثة فهي بناء طبقةٍ أمنيةٍ عربيةٍ حول الخليج مع الأردن ومصر في تنسيق الدفاع الجوي والاستخبارات، دون أن ترقى إلى حلفٍ عسكري تقليدي مُلزم.
وتكتمل المنظومة بالطبقة الرابعة في إبقاء قنوات الدبلوماسية مفتوحةً مع إيران لإدارة التصعيد وتفادي الانزلاق إلى مواجهةٍ شاملة، خصوصاً في حال اقتراب التوصل إلى هدنة أمريكية–إيرانية مطوّلة قد تُعيد رسم قواعد الاشتباك.
من المهم الانطلاق من لغة الهندسة الأمنية المتدرّجة بدلاً من مصطلح الناتو الشرق أوسطي، وذلك تجنّباً لاستدعاء نموذج المادة الخامسة من حلف الناتو، فضلاً عن ضرورة استبعاد مواطن استفزاز لدى الخصوم من مصطلح الناتو وما يحمله هذا الحلف من أعباءٍ رمزيةٍ قد لا تحتملها المنطقة. ويوصي ثانياً بالتمييز التحليلي الصارم بين المشاريع الثلاثة المتنافسة عند أي معالجة بحثية، تفادياً للوقوع في وهم المشروع الواحد المتماسك.
كذلك، لا بُدّ من التعامل مع اتفاقية مكة بوصفها لبنة ثنائية قابلة للتوسيع التدريجي عبر اتفاقاتٍ مماثلةٍ متشابكة، لا نواةَ حلفٍ جاهز يُبنى دفعةً واحدة. ناهيك عن أهمية توجيه الاستثمار نحو القدرات البينية بما يشمل أنظمة الدفاع الجوي المتكاملة، وشبكات الإنذار المبكر، وبروتوكولات تبادل المعلومات، بوصفها المدخل البراغماتي الأقل كلفةً من الناحية السياسية والأعلى مردوداً من الناحية الردعية، لقدرتها على تحقيق نوع من التماسك الوظيفي الحقيقي دون أن فرض التزاماتٍ تعاهدية تصطدم بالحساسيات السيادية والسياسية.
إنّ الحديث عن ناتو إقليمي لم يَعد مجرّد عنوان إعلامي جاذب، لكنّه في المقابل ليس مشروعاً ناضجاً للتطبيق الفوري. إنّه انعكاس لحاجة حقيقية فرضتها التحوّلات الجيوسياسية الكبرى، وتقتضي ترجمتها إلى واقع مؤسّسي، والتخلّي عن طموح «الحلف الجامع» لصالح تكامل تدريجي ينطلق من القدرات المشتركة والثقة المتبادلة.
وإذا نجحت الدول المعنية في ذلك، قد يشهد الشرق الأوسط بالفعل ولادة نظام إقليمي أكثر استقلالية وتوازناً، لا عبر قفزة تأسيسية واحدة، بل عبر عملية تراكمية تدريجية وظيفية استراتيجية محسوبة تضع حداً لعقودٍ من الاعتماد الأحادي على مظلّات خارجية غير مضمونة.