الناتو ودول الخليج: إلى أين تتجه العلاقة؟

تقدير موقف، سبتمبر 2026
17 سبتمبر، 2026

يتناول تقدير الموقف هذا تطوّر العلاقة بين حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودول مجلس التعاون الخليجي في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية عام 2026 وقمّة الحلف في أنقرة. كما يقيّم طريقة انخراط “الناتو” مع الجنوب عملياتياً، وحدود هذا الانخراط، بالتوازي مع تنامي الترتيبات الإقليمية المصغّرة، من بينها “حلف مكة الدفاعي” الذي أُعلن عنه في أغسطس 2026.

 

تكتسب العلاقة بين حلف “الناتو” ودول مجلس التعاون الخليجي أهمية إستراتيجية متزايدة مع تشكّل نظام أمني إقليمي جديد. فقد تطوّر انخراط الحلف مع دول الخليج من مبادرة للشراكة إلى أداة مهمّة ضمن نهجه الأوسع تجاه جواره الجنوبي. وشكّلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية عام 2026، على وجه الخصوص، تحوّلاً جذرياً في السياق الإستراتيجي لهذه العلاقة، إذ كشفت عن التداعيات المباشرة لأمن الخليج على المصالح الأوروبية-الأطلسية، ما دفع الحلف إلى تسريع انخراطه مع شركائه في الجنوب، وجعل من قمّة أنقرة لعام 2026 نقطة تحوّل نحو شراكة أكثر تنظيماً وعملياتية.

 

ربط إعلان قمّة أنقرة صراحةً بين أمن الحلف والمنافسة الإستراتيجية وعدم الاستقرار وحرية الملاحة في مضيق هرمز، في أوّل ذكر للمضيق بالاسم في إعلان صادر عن قمة لـ”الناتو”. وعلى الرغم من أنّ التعاون أسس بين الحلف ودول مجلس التعاون الخليجي أُرسيت قبل أكثر من عقدين، فإن التحوّلات الجيوسياسية تشير إلى أن هذه العلاقة تدخل مرحلة جديدة. وعلى هامش القمّة، التقى مسؤولون من البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة وزراء خارجية دول الحلف، لبحث مسائل الأمن البحري والتعاون الدفاعي وتعميق الانخراط المؤسساتي.

 

فقد شارك وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي في الاجتماع الوزاري المعني بمبادرة إسطنبول للتعاون، إلى جانب الأمين العام لحلف الـ”ناتو” مارك روته، كما أجرى مباحثات ثنائية مع الممثل الخاص للحلف لشؤون الجوار الجنوبي خافيير كولومينا، ما يعكس عملياً ارتقاء الشراكة بين الطرفين.

 

وكانت مبادرة إسطنبول للتعاون قد أُطلقت خلال قمة “الناتو” في إسطنبول بتركيا عام 2004، وشكّلت حينها أول إطار رسمي للتعاون بين الحلف ودول مجلس التعاون الخليجي. وقامت المبادرة آنذاك على مبادئ المرونة والمنفعة المتبادلة وعدم فرض الالتزامات، وهدفت إلى تعزيز الأمن الإقليمي من خلال التعاون الدفاعي العملي، بدلاً من التركيز على الحوار السياسي. وعلى الرغم من إبداء الدول الستّ الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي اهتماماً بالمبادرة في البداية، لم تنضمّ رسمياً إليها عام 2005 سوى البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة، فيما فضّلت السعودية وسلطنة عُمان انتقاء مجالات التعاون مع الحلف.

 

نتيجة لذلك، لم يتبلور الإطار متعدّد الأطراف الذي كان مخططاً له بين “الناتو” ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل كامل، وتحوّلت مبادرة إسطنبول للتعاون فعلياً منذ عام 2008 إلى صيغة “ناتو + 4”. ومع ذلك، أرست المبادرة منصّة مستدامة للتعاون في مجالات إصلاح قطاع الدفاع، والعمل العسكري المشترك، ومكافحة الإرهاب، ومنع الانتشار النووي، وأمن الحدود، والتخطيط للطوارئ المدنية. لكن اختلاف التوقعات الإستراتيجية بين الجانبين حال دون تطوّر مبادرة إسطنبول للتعاون إلى شراكة استراتيجية أوسع. ففي حين كان الشركاء الخليجيون يبحثون عن ضمانات أمنية أقوى، ركّز “الناتو” على بناء القدرات والعمل المشترك، أضف إلى ذلك تفضيل دول الخليج منذ سنوات طويلة للعلاقات الأمنية الثنائية مع الولايات المتحدة.

 

إلا أنّ الظروف الإستراتيجية تغيّرت جذرياً في السنوات الخمس الماضية. فقد زاد الانسحاب من أفغانستان عام 2021، والحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، والتوترات الإقليمية التي أعقبت أكتوبر 2023، من التشابك بين أمن المنطقة الأوروبية-الأطلسية والشرق الأوسط. وبات أمن الطاقة والتجارة البحرية وحماية البنية التحتية الحيوية وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد أولويات إستراتيجية مشتركة، فيما أظهرت الاضطرابات في البحر الأحمر وخليج عدن أن تداعيات عدم الاستقرار الإقليمي تمتد إلى مختلف أنحاء العالم. وفي الوقت نفسه، دفع التحوّل نحو نظام دولي متعدّد الأقطاب دول مجلس التعاون الخليجي إلى تنويع شراكاتها الأمنية، بالتوازي مع سعيها إلى تعزيز استقلاليتها الإستراتيجية.

 

في أعقاب قمّة العلا عام 2021 واعتماد رؤية مجلس التعاون الخليجي للأمن الإقليمي عام 2024، أظهرت دول الخليج استعداداً أكبر لتنسيق سياساتها الأمنية الإقليمية والانخراط بشكل منهجي أكثر مع الشركاء الدوليين، ومن بينهم “الناتو”. وفي موازاة ذلك، منح “الناتو” أهمية أكبر للخليج ضمن إستراتيجيته تجاه الجنوب، من خلال اعتماد خطة العمل بشأن الجوار الجنوبي، وتعيين ممثل خاص لشؤون المنطقة، وتكثيف التواصل السياسي رفيع المستوى. عزّزت قمّة أنقرة هذا التحوّل الأوسع، إذ أكّدت رسمياً تولّي الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف وكندا مسؤولية دفاعية أكبر في “الناتو”، بالتزامن مع توسيع الحلف انخراطه مع جواره الجنوبي.

 

في ظلّ هذه التطوّرات، قدّمت قمّة أنقرة لعام 2026 أوضح مؤشّر على أن العلاقات بين “الناتو” ودول مجلس التعاون الخليجي بدأت تتجاوز حدود الإطار الأصلي لمبادرة إسطنبول للتعاون. فقد جاءت في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية. وبعد هجمات استهدفت منشآت عسكرية أمريكية وبنية تحتية حيوية في أنحاء الخليج، ما سلّط الضوء على الأهمية الإستراتيجية المتزايدة للمنطقة بالنسبة إلى الأمن الأوروبي-الأطلسي.

 

فقد أظهرت الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب التهديدات لحرية الملاحة في مضيق هرمز وخليج عدن، أن أمن الخليج لم يعد شأناً إقليمياً فحسب. ويعكس إطلاق أربعة مشاريع رئيسية للتعاون، تشمل الأمن البحري والطائرات المسيّرة ومكافحة الإرهاب والدفاع ضد التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، تحوّل “الناتو” نحو تعاون أكثر تركيزاً على الجوانب العملياتية وعلى تطوير القدرات مع شركائه الخليجيين.

 

يبرز الأمن البحري بشكل متزايد كأولوية مشتركة وملحّة. فقد كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية عن خطر أن تتحوّل ادعاءات السيطرة المؤقتة على مضيق هرمز إلى أساس للمطالبة بحقوق دائمة استناداً إلى القانون العرفي. كما أنّ الفارق الهائل في التكلفة بين النقل البحري والبرّي والجوّي يعني أن الممرّات البرية لا تستطيع أن تحلّ بديلاً عن الطرق البحرية الآمنة في المدى القريب، ما يجعل المتابعة المستمرة للتطورات في المجال البحري، والتواصل في أوقات الأزمات ضرورةً للشركاء الخليجيين ولحماية المصالح الأوروبية-الأطلسية على حدّ سواء.

 

مع ذلك، لا ينبغي النظر إلى تطوّر هذه العلاقة باعتباره مؤشراً إلى نشوء ترتيبات للدفاع الجماعي. فمن المستبعد جداً أن يحلّ “الناتو” مكان الولايات المتحدة كضامن أمني رئيسي للخليج، كما أن دول مجلس التعاون الخليجي لا تسعى إلى التزامات رسمية من التحالف. كذلك، لم يعتبر “الناتو” نفسه يوماً جهة توفّر الأمن بصورة مباشرة للخليج. في المقابل، تبرز ميزة الحلف في دعمه دول الخليج في تحديث منظومتها الدفاعية، وتعزيز قدرتها على العمل العسكري المشترك، إلى جانب التعاون في مجالات الاستخبارات والأمن السيبراني والأمن البحري وإدارة الأزمات.

 

من هنا، يمكن فهم طبيعة العلاقات بين “الناتو” ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل أفضل عند تناولها من منظور الأمن التعاوني. فعلى الرغم من توفير البيئة الجيوسياسية الراهنة حوافز غير مسبوقة لتعزيز التعاون، فإن تحقيق تقدّم مستدام يتطلب إضفاء طابع مؤسساتي أكبر على هذه العلاقة، عبر وضع جداول زمنية واضحة للتنفيذ، وإجراء تدريبات مشتركة، وتحقيق نتائج قابلة للقياس من حيث تطوير القدرات ضمن المشاريع الرئيسية. كما يتطلّب ذلك تعزيز التوافق بين الأولويات الإستراتيجية لـ”الناتو” تجاه الجنوب والأجندات الأمنية لكلّ دولة من شركائه الخليجيين.

 

 

الجوار الجنوبي لـ”الناتو” ضمن نظام أمني متعدد المستويات

 

بالنسبة إلى صنّاع السياسات في الشرق الأوسط، السؤال الأهم يتمحور حول تحديد موقع “الناتو” ضمن نظام أمني تتعايش فيه بشكل متزايد الضمانات الأمنية الخارجية، والقدرات الدفاعية الوطنية، وآليات مجلس التعاون الخليجي، والشراكات الثنائية، والترتيبات المصغّرة الجديدة. وهذا تمييز مهمّ لأنّه ينقل تركيز السياسات من مسألة الانضمام إلى التحالف إلى قضايا عملية، تشمل العمل المشترك، والدفاع الجوي والصاروخي، ومتابعة تطورات المجال البحري، وحماية البنية التحتية الحيوية، والمرونة السيبرانية، ونقل التكنولوجيا، والتنسيق في أوقات الأزمات.

 

يُرجح في المرحلة المقبلة أن تصبح الدبلوماسية الدفاعية المسار الأكثر عملية لتعزيز التعاون بين “الناتو” ودول مجلس التعاون الخليجي، في ظلّ بيئة أمنية تتجه نحو مزيد من تعددية الأقطاب والتنافس. ومع تزايد استهداف التهديدات الهجينة للبنية التحتية البحرية وسلاسل الإمداد ومنشآت الطاقة الحيوية والشبكات الممتدة تحت البحر، لم تعد نماذج التحالفات التقليدية وحدها كافية لمواجهة التحديات الأمنية التي تقع دون عتبة النزاع المسلح. لذلك، تبدو الشراكات المرنة التي تركز على القدرات خياراً أكثر واقعية من الناحية السياسية وأكثر فاعلية على الصعيد العملياتي.

 

تتكامل خبرة “الناتو” الواسعة في مجالات الأمن التعاوني وبناء القدرات والعمل العسكري المشترك، مع اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي المتزايد بتعزيز الصمود الإقليمي والحفاظ في الوقت نفسه على استقلاليتها الإستراتيجية. وبدلاً من السعي إلى ضمانات أمنية رسمية أو تكامل مؤسساتي، يمكن للجانبين توسيع نطاق التعاون عبر مبادرات عملية، تشمل التدريبات والمناورات المشتركة، والتعليم العسكري الاحترافي، وبرامج تبادل الضباط، ومتابعة المجال البحري والمرونة السيبرانية، إلى جانب دمج التقنيات الناشئة وتلك التي تحدث تغييرات جذرية.

 

وبالفعل، يوفّر مركز “الناتو” الإقليمي – مبادرة إسطنبول للتعاون في الكويت منصّة للعديد من هذه الأنشطة، فيما يمكن لتحالفات أصغر تضمّ دولاً راغبة من أعضاء “الناتو” ومجلس التعاون الخليجي أن تسرّع التعاون في المجالات التي لا يزال من الصعب التوصّل فيها إلى توافق سياسي أوسع. ويظهر تطوّر شراكات “الناتو” أن اختلاف السياقات الإقليمية يستدعي نماذج تعاون تتناسب مع كلّ منطقة. مثلاً في الخليج، أثبت إطار مبادرة إسطنبول للتعاون، القائم على طلب الشركاء وموافقتهم، والذي يتيح لكلّ دولة اختيار مجالات التعاون وفق أولوياتها الوطنية، أنه نموذج عملي وقابل للاستمرار سياسياً.

 

في هذا السياق، تشكّل مشاركة قطر في “مفهوم القدرات العملياتية” التابع لـ”الناتو” عام 2024 نموذجاً بارزاً على تعميق التعاون العملياتي، لا سيما في مجالي الجاهزية العملياتية والعمل المشترك. فقد أصبح “مفهوم القدرات العملياتية” أحد أكثر الأدوات فاعلية في تطبيق شراكة مبادرة إسطنبول للتعاون عملياً، إذ يوفر تقييماً منظّماً، إلى جانب التدريب المشترك ومسارات للعمل معاً، بما يتجاوز التعاون المؤقت والمخصص لحالات محددة.

 

كما تتيح “قائمة التعاون في إطار الشراكة” و”برامج الشراكة الفردية المصممة حسب الاحتياجات” بناء القدرات على مدى عدة سنوات وفق احتياجات الشركاء، رغم أن الدول غير المنضمّة إلى مبادرة إسطنبول للتعاون، مثل السعودية وسلطنة عُمان، لا تزال تواجه عوائق بيروقراطية تحدّ من استفادتها الكاملة من هذه البرامج. وتعكس المبادرات الدبلوماسية الأخيرة توجهاً متزايداً نحو ترسيخ الشراكة مؤسسياً، من خلال عمل المجموعة الاستشارية للسياسات التابعة لـ”الناتو”-مبادرة إسطنبول للتعاون، وتوسيع التواصل مع سلطنة عُمان والسعودية، وإطلاق مشاريع رئيسية جديدة للتعاون.

 

مع ذلك، لا تستطيع الدبلوماسية الدفاعية تجاوز الخلافات السياسية أو أن تحلّ بديلاً عن الترتيبات الأمنية الثنائية التي لا تزال تشكّل ركيزة أساسية لأمن الخليج. لكن يمكن أن تسهم في تعزيز الثقة المتبادلة، وتحسين العمل المشترك، وتعزيز الصمود، وتسهيل الحوار الإستراتيجي. ومن ثمّ، يُرجح أن يشكل التعاون التدريجي والعملي والموجّه نحو تطوير القدرات الأساس الأكثر استدامة للمرحلة المقبلة من العلاقات بين “الناتو” ودول مجلس التعاون الخليجي. وبدلاً من حصر التركيز على زيادة الطابع الرسمي لآليات الشراكة القائمة، ينبغي للحلف أيضاً تبنّي أشكال أكثر مرونة وأقلّ تقيّداً بالأطر المؤسسيّة للانخراط السياسي رفيع المستوى مع الشركاء الخليجيين، بما يتيح توسيع الحوار، ومراعاة تفاوت مستويات المشاركة، وتعزيز التعاون الإستراتيجي في مختلف أنحاء المنطقة.

 

 

حلف مكة الدفاعي: اختبار للتعددية القطبية بعد القمّة

 

يضيف “حلف مكة الدفاعي” بين السعودية وتركيا وباكستان بُعداً جديداً للمشهد الذي تبلور بعد قمّة أنقرة. ورغم أن الاتفاق يتضمن مبدأَ للدفاع المشترك، فلا ينبغي النظر إليه باعتباره “ناتو شرق أوسطي” أو بديلاً عن الترتيبات الأمنية القائمة. بل إن أهميته في المرحلة الراهنة تكمن في التشاور والتنسيق والردع بين ثلاث دول تكمّل قدرات بعضهاً بعضاً، رغم اختلاف تصوراتها للتهديدات. ومن المرجح أن يشكّل التحالف إطاراً أمنياً إقليمياً جديداً يضاف إلى الشراكات والترتيبات القائمة للدول الثلاث، بما فيها شراكات السعودية مع الولايات المتحدة وأطر مجلس التعاون الخليجي، وعضوية تركيا في “الناتو”، والعلاقات الدفاعية الحالية لباكستان. وفي 31 أغسطس، التقى مسؤولون كبار من الدول الثلاث في إسطنبول، في أول اجتماع لـ”اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية” التي أُنشئت حديثاً. كما أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن الاسم الرسمي للاتفاق، وهو “حلف مكة الدفاعي” على أن تكون أمانته العامة في الرياض، وسيتولى رئاستها في المرحلة الأولى أمين عام باكستاني.

 

يعكس هذا التطوّر أيضاً تحوّلاً أعمق، من “الأمن المستورد” إلى الأمن الإقليمي المشترك، إذ تسعى دول المنطقة إلى امتلاك دور أكبر في صياغة القواعد التي تحكم أمنها، في وقت تتزايد فيه الشكوك حول موثوقية الضامنين الخارجيين وأولوياتهم. وبالتالي، يتجه النموذج الناشئ بشكل متزايد نحو تعدّد المستويات والتداخل، حيث تتعايش العلاقات الراسخة مع القوى الخارجية إلى جانب الترتيبات الدفاعية الإقليمية والشراكات الثنائية وآليات أكثر مرونة للتشاور والردع. وقد يعزز هذا النموذج دور دول المنطقة ويمنحها ورقة تفاوضية. لكن قدرته على ترسيخ ردع يدعم الاستقرار، بدلاً من أن يقود إلى ظهور تكتلات أمنية متنافسة، ستتوقف على كيفية تطبيق هذه الترتيبات ودرجة شفافيتها ومدى انسجامها مع الحوار الإقليمي الأوسع.

 

كشفت مناقشات أنقرة عن مفارقة أساسية، فالتعاون الأمني يتنامى رغم بقاء المنطقة مشتّتة مؤسساتياً. فـ”الناتو” يعزّز روابطه العملية مع شركائه الخليجيين، فيما تختبر القوى الإقليمية ترتيبات مصغّرة، في وقت يُعاد فيه تقييم مصداقية الولايات المتحدة ودورها المستقبلي، بدل أن يتلاشى هذا الدور ببساطة. ويتيح ذلك فرصاً لتقاسم الأعباء واضطلاع دول المنطقة بدور أكبر، لكنه يزيد في الوقت نفسه مخاطر تداخل الأطر في غياب قواعد مشتركة تمنع التعارض فيما بينها.

 

 

بنية إقليمية تتجاوز التكتلات: ما الذي يمكن أن تقدمه عملية هلسنكي؟

 

رغم تنامي الإدراك بأن التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة باتت أكثر ترابطاً، ما يستدعي آليات أكثر تنظيماً للحوار وإدارة الأزمات، فإن الظروف السياسية الراهنة لا تزال غير مواتية لإنشاء منظمّة إقليمية شاملة. وبدلاً من ذلك، بدأ يتبلور نهج تدريجي لبناء الثقة يقوم على التعاون العملي بين الأطراف الإقليمية.

 

تشكّل “عملية هلسنكي” مرجعاً مفاهيمياً مهماً، ليس بسبب بنيتها المؤسسية فحسب، بل أيضاً لتركيزها على استمرارية الحوار السياسي، والتواصل الدبلوماسي غير الرسمي، وتدابير بناء الثقة بين القوى المتنافسة إستراتيجياً. ومن هذا المنطلق، يقدم إطار هلسنكي نهجاً مرناً لخفض التوترات في المناطق التي تشهد انقسامات سياسية، من دون اشتراط التوصّل مسبقاً إلى توافق بشأن الخلافات السياسية الأوسع. ولا تكمن أهمية “عملية هلسنكي” في هذا السياق في نقل “الوثيقة الختامية” لعام 1975 إلى الشرق الأوسط، بل في نجاحها في إطلاق حوار مؤسساتي بين الخصوم قبل تسوية خلافاتهم الجوهرية.

 

تتيح محاورها الثلاثة الشاملة، وهي الأمن السياسي والعسكري، والتعاون الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي، والبعد الإنساني، تنظيم التعاون على مراحل وبأهداف واقعية. أما الدرس المستفاد، فيتعلق بالنهج نفسه، إذ يظل التواصل المستمر والشفافية وتدابير بناء الثقة مهمة حتى في غياب نظام استراتيجي مشترك.

 

يمكن أن توفّر “محاور هلسنكي” التقليدية الثلاثة إطاراً مفيداً لتنظيم التعاون الإقليمي. فالمحور الأول، أي التعاون الأمني، قد يمهّد لإنشاء قنوات لتحسين التواصل في أوقات الأزمات، والشفافية العسكرية وتدابير بناء الثقة، وتشجيع دول المنطقة على تحمّل مسؤولية أكبر في التعامل مع التحديات الأمنية. وتمثل هذه المبادرات خطوات عملية نحو الحدّ من مخاطر التصعيد في بيئة استراتيجية تزداد تقلبّاً.

 

ويشكل التعاون الاقتصادي المحور الثاني، بما يحمله من إمكانات كبيرة لدعم الاستقرار. فلا تزال التحديات الاجتماعية والاقتصادية البنيوية، بما فيها الفساد والبطالة والتفاوت في مستويات التنمية الاقتصادية وضعف الترابط بين دول المنطقة، من أبرز مسببات عدم الاستقرار. ولا يقتصر تعزيز الترابط الاقتصادي، من خلال تطوير البنية التحتية والتجارة والاستثمار ومبادرات التنمية المشتركة، على تحقيق أهداف اقتصادية، بل يشكّل أيضاً أداة عملية لبناء الثقة يمكن أن تسهم بمرور الوقت في تخفيف التوترات السياسية.

 

أمّا المحور الثالث، وهو البعد الإنساني، فلا يقلّ أهمية، لكنه لا يزال أقل حضوراً نسبياً في المبادرات الأمنية الإقليمية. ويُنظر إلى التعاون في مجالات مثل التعليم والدبلوماسية الثقافية والقدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ وحقوق الإنسان وحماية اللاجئين على أنه أقل إثارة للخلافات السياسية، ما يجعله أكثر ملاءمة لاستمرار الحوار في فترات اشتداد التوترات الجيوسياسية. ويمكن لمثل هذه المبادرات أن تعزّز تدريجياً قدرة المجتمعات على الصمود، وأن ترسّخ ممارسات التعاون خارج إطار المؤسسات الأمنية التقليدية، بما يتكامل مع الترتيبات الأمنية متعدّدة المستويات التي يشارك فيها “الناتو” بصفته أحد الأطراف الخارجية، إلى جانب أطراف أخرى.

 

أظهرت النزاعات الإقليمية الأخيرة أيضاً أن التهديدات الأمنية الراهنة، بما فيها الهجمات الصاروخية وتعطّل التجارة البحرية وتزعزع أمن الطاقة والأزمات الإنسانية، تتجاوز الاصطفافات السياسية وتمتد تداعياتها إلى جميع الأطراف في المنطقة. وهذا التعرّض المشترك للتهديدات يوفر حوافز للحوار حتى بين الخصوم الجيوسياسيين، وقد يشكل أساساً أكثر استدامة للتعاون الإقليمي من محاولات تسوية الخلافات السياسية المزمنة.

 

إلى ذلك، هناك معضلة هيكلية أوسع تستحق التوقف عندها، إذ يتزامن تراجع النظام الدولي القائم على القواعد مع استمرار غياب إطار أمني إقليمي فاعل، ما يترك الشرق الأوسط من دون آلية خارجية قوية لدعم الاستقرار، أو منظومة أمنية إقليمية فاعلة تنطلق من دول المنطقة نفسها. يتفاقم هذا القصور المؤساتسي في ظّل الانقسامات السياسية العميقة، وتباين التصورات حيال التهديدات، وتضارب الأولويات الإستراتيجية، وهي عوامل لا تزال تعرقل نشوء ترتيبات للأمن الجماعي.

 

لذلك، أي بنية أمنية إقليمية مستقبلية يُرجح أن تتبلور تدريجياً، بدلاً من أن تقوم منذ البداية على إطار مؤسساتي شامل. وتبدو المجالات الأقل حساسية سياسياً، مثل تعزيز الترابط الإقليمي والتكامل الاقتصادي والتعاون الإنساني والمبادرات البيئية والتبادل التعليمي، من أكثر المجالات ملاءمة لبناء الثقة، قبل الانتقال إلى القضايا السياسية والأمنية الأكثر خلافية. كما قد توفر دبلوماسية “المسار 2” غير الرسمية وسيلة مهمة للحفاظ على الحوار، مع إمكانية تطورها مستقبلاً إلى إطار تشاوري إقليمي أوسع يضم ّأطرافاً رئيسية في المنطقة، مثل السعودية، وإيران وتركيا ومصر.

 

 

آفاق التعاون بين “الناتو” ودول الخليج

 

يُرجح أن يتجه النظام الأمني في المدى المتوسط نحو بنية متعدّدة المستويات، بدلاً من نشوء منظومة تحالفات شاملة جديدة. ومن المتوقع أن يتعمّق التعاون بين “الناتو” ودول الخليج في المجالات الفنية والعملياتية، من دون أن يمتد إلى الدفاع الجماعي.

 

قد تكتسب الترتيبات الإقليمية المصغّرة، مثل “حلف مكة الدفاعي”، أهمية متزايدة، لكن استمراريتها ستعتمد على قدرتها على تطوير آليات موثوقة للتشاور والتنفيذ. في الوقت نفسه، يُرجح أن تتبلور بنية أمنية إقليمية شاملة تدريجياً، مع تراكم تدابير بناء الثقة، بدلاً من أن تقوم على معاهدة تأسيسية أو مؤسسة واحدة. في نهاية المطاف إذا اختارت دول الخليج سلوك مسار الدفاع الجماعي في ما بينها، فستظلّ خبرة “الناتو” المؤسساتية في دمج القوات ووضع المعايير وإدارة الاختلافات بين الدول النموذج الخارجي الأنسب للاستفادة منه، حتى مع استبعاد العضوية الرسمية في الحلف أو الضمانات المنصوص عليها في المادة الخامسة.

 

يمكن أن تتكامل هذه المستويات في سيناريو أكثر إيجابية، فيعمل “الناتو” على تطوير قدرات العمل المشترك، فيما يعزز مجلس التعاون الخليجي والتكتلات المصغّرة مسؤولية دول المنطقة عن أمنها، وتوفر منصات “المسار 1.5″ و”المسار 2” قنوات للتواصل في أوقات الأزمات تشمل دولاً من خارج التكتلات الأمنية الرسمية. أما في السيناريو السلبي، فقد تتحوّل هذه الترتيبات إلى تكتلات متنافسة مع تكرار الالتزامات الدفاعية وضعف التواصل في ما بينها.

 

 

يتطلب تحقيق التعاون على المدى الطويل من “الناتو” والقوى الإقليمية التعامل بحذر مع عدد من التحديات:

 

  • تعدد الأطر وغياب التنسيق: قد تسهم مشاريع “الناتو”-مبادرة إسطنبول للتعاون، والضمانات الأمريكية الثنائية، وآليات مجلس التعاون الخليجي، و”حلف مكة الدفاعي”، وغيرها من التحالفات المؤقتة، في تعزيز القدرات، لكنها في الوقت نفسه، قد تؤدي إلى غموض التوقعات، وتكرار الترتيبات، وبناء الخطط على افتراضات متباينة. كما تزيد صعوبات التنفيذ من تعقيد هذه الترتيبات، إذ يتطلب تطبيق الاتفاقات السياسية المرور بإجراءات مطوّلة لتحديد نطاق التعاون، والحصول على الموافقات، وتأمين التمويل، سواء عبر “قائمة التعاون في إطار الشراكة” أو الصناديق الائتمانية أو التمويل الذاتي. كذلك، قد يحدّ إضفاء طابع رسمي مفرط على الشراكة من انخراط الدول التي تفضّل تجنّب الاصطفاف الواضح مع طرف دون آخر.

 

  • تنافس التكتلات: يمكن للتوجّه الإقليمي نحو ترتيبات ردع مصغّرة أن يرفع كلفة أي اعتداء محتمل، لكنه من ناحية أخرى، قد يفاقم المعضلات الأمنية ويؤدي إلى اصطفافات مضادة إذا وُجّه ضدّ خصوم محدّدين، خصوصاً في ظلّ استمرار التنافس بين إسرائيل وإيران.

 

  • اختلاف تصورات دول الخليج للتهديدات: لا تزال السعودية وسلطنة عُمان خارج مبادرة إسطنبول للتعاون، فيما تتباين مواقف دول مجلس التعاون الخليجي بشأن الدور الذي ينبغي أن يؤديه “الناتو” وغيره من الأطراف الخارجية. وقد يؤدي توسيع الأطر المؤسسية بما يتجاوز مستوى التوافق السياسي إلى إضعاف التعاون بدلاً من تعزيزه.

 

  • تماسك الحلف وصعوبة التنبؤ بالموقف الأمريكي: أظهرت قمّة أنقرة أن “الناتو” لا يزال قادراً على تقديم التزامات ملموسة في مجالي القدرات والإنفاق، لكن إعلان القمة، الذي جاء مقتضباً عن غير عادة، والخلافات الواضحة بين ضفتي الأطلسي، يشيران إلى أن التوافق على إستراتيجية مشتركة يظلّ محدوداً في القضايا التي تتجاوز مهام الردع والدفاع الأساسية.

 

  • مخاطر الشرعية: لا يزال دور “الناتو” في المنطقة يثير حساسيات سياسية في أجزاء من الشرق الأوسط، في ظلّ النظرة التاريخية إلى الحلف باعتباره أداة غربية، والتباين السابق بين تطلعات دول الخليج إلى ضمانات أمنية وتركيز “الناتو” على بناء القدرات. وقد يؤدي أي تعاون يبدو مفروضاً من الخارج، أو يغلب عليه الطابع العسكري، أو لا يراعي الأولويات المحلية، إلى إحياء الشكوك القديمة تجاه الحلف.

 

 

الخلاصة

 

في نهاية المطاف، سيتحدد مسار العلاقات بين دول الخليج و”الناتو” بمدى قدرة الجانبين على تحويل الالتزامات السياسية إلى تعاون عملي ومستدام. وعلى المستوى المؤسساتي، سيتوقف ذلك على وضع جداول زمنية واضحة لتنفيذ مشاريع “الناتو” الأربعة الرئيسية في الخليج، وإجراء تدريبات منتظمة في إطارها، وتحقيق نتائج قابلة للقياس في مجال تطوير القدرات، وإتاحة آليات مثل “مفهوم القدرات العملياتية” و”قائمة التعاون في إطار الشراكة” بمرونة أكبر أمام دول الخليج غير المنضمة إّلى مبادرة إسطنبول للتعاون، فضلاً عن المتابعة الفعلية لآليات بناء الثقة في المجال البحري والتواصل في أوقات الأزمات. كما سيتوقف على مدى تعميق السعودية وسلطنة عُمان تعاونهما العملي مع “الناتو” من دون الانضمام رسمياً إلى مبادرة إسطنبول للتعاون.

 

على المستوى الإقليمي، سيكون لتطور “تحالف مكة الدفاعي” أثر مهم، سواء من حيث قدرته على إنشاء آليات مستدامة للتشاور والقيادة والتدريبات والمشتريات، أو احتمال توسيع عضويته. كما ستؤثّر قدرة تركيا على الموازنة بين التزاماتها تجاه “الناتو” وتعميق شراكاتها الدفاعية الإقليمية وتوسيع علاقاتها في مجال الصناعات الدفاعية في ملامح البنية الأمنية الناشئة.

 

وقد تفتح دبلوماسية ما بعد الحرب المجال أمام آليات إقليمية أوسع للتواصل في أوقات الأزمات، تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والحوادث البحرية والبنية التحتية الحيوية، وربما تتضمن قنوات للتواصل مع إيران. وستحدد هذه التطورات ما إذا كان التعاون بين دول الخليج و”الناتو” سيظلّ في معظمه قائماً على تعاون ثنائي ومشاريع محدّدة، أم سيتطور إلى إطار أكثر تماسكاً للأمن الإقليمي وإدارة الأزمات.

 

أسهمت أوزغي غينج في تحرير تقدير الموقف هذا.