تُشكّل الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية التي اندلعت في 28 فبراير، والتي لم تكن مجرد حلقةً جديدةً في سلسلة مألوفة من المواجهات، شرخاً بنيوياً بالنسبة إلى منطقة الخليج، ولحظةً لا يُمكن بَعدها إعادة بناء الأُسس الأمنية فيها ببساطة.
لقد سعت قطر جاهدةً إلى الضغط لمنع تجدّد التصعيد، ولكن دون جدوى. وفي غضون 48 ساعة من الضربات الأولى، ردّت إيران باعتداءات على دول مجلس التعاون الخليجي الست كافة، وتلقّت قطر، التي تضمّ أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة وأهمّ مجمع لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، ضربات كانت، بحكم تصميمها، رمزية وبنيوية في آن واحد.
في مطلع أبريل 2026، توقفت المرحلة القتالية المباشرة مع وقف مؤقت لإطلاق النار يُعتبر هشاً للغاية. إلّا أنّ الاضرار الناجمة عن هذه الضربات تبقى جسيمة وطويلة الأمد مهما كانت النتيجة. فقد أدّت ضربات الصواريخ والطائرات المسيّرة على قطر في أوائل مارس إلى تعطيل البنية التحتية الاقتصادية الأساسية. وفي 2 مارس، أوقفت الهجمات إنتاج الغاز الطبيعي المسال في مدينة رأس لفان الصناعية، بينما تسبب هجوم لاحق أكثر خطورة في 18 مارس بأضرار جسيمة لمنشأة تحويل الغاز إلى سوائل في قطر، حيث حذّرت قطر للطاقة من أنّ إصلاح الوحدات الأكثر تضرراً قد يستغرق ما يصل إلى خمس سنوات. وتُمثّل وحدتا الإنتاج المتضررتان وحدهما حوالي 17 في المئة من الطاقة الإنتاجية الوطنية لقطر.
لم تقتصر الاضطرابات على قطاع الطاقة فحسب، بل تمّ استهداف مطار حمد الدولي وقاعدة العديد الجوية أيضاً، وذلك في الأيام الأولى من التصعيد، ما يؤكّد اتساع نطاق المخاطر التي تُهدّد البنية التحتية المدنية والعسكرية. وفي الوقت نفسه، أعلنت شركة قطر للأسمدة (قافكو)، التي تنتج في الظروف العادية نحو 14 في المئة من إمدادات اليوريا العالمية المنقولة بحراً، حالة القوة القاهرة.
وفي السادس من أبريل، اضطرت ناقلتان قطريتان للغاز الطبيعي المسال، كانتا تحاولان عبور مضيق هرمز لأول مرة منذ بدء الحرب، إلى العودة من المضيق، ما يسلّط الضوء على استمرار حالة عدم اليقين المحيطة بالملاحة البحرية.
كذلك، لا يزال وقف إطلاق النار الحالي هشاً. وحتى إن استمر، فإنه سيوفر هدنة مؤقتة لا حلاً دائماً. حيث تبقى شروط المرور عبر مضيق هرمز غامضة، وتبقى الظروف الأساسية التي أدّت إلى اندلاع الحرب قائمة وهي: البرنامج النووي الإيراني، وهيكلية العقوبات، والموقف الإستراتيجي الإسرائيلي المتشدّد، وغياب أي إطار أمني إقليمي موثوق. لكنّ هذه الفترة قد تتيح، فرصة لقطر للتفكير في مسائل وجودية اقتصادية وإستراتيجية.
تحتل قطر موقعاً إستراتيجياً غير اعتياديّ في هذه الأزمة. فهي تستضيف المقر الرئيسي للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) في قاعدة العديد، وهي أكبر منشأة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، بينما تحافظ في الوقت نفسه على قناة اتصال ثنائية مهمة مع طهران، تم بناؤها على مدى عقود من العمل الدبلوماسي الدؤوب والإدارة المشتركة لحقل الشمال –بارس الجنوبي.
في الوقت نفسه، تُعدّ قطر من أكبر مُصدّري الغاز الطبيعي المسال في العالم، إذ تُسدهم بنحو 19 في المئة من الإمدادات العالمية، كما أنّها وسيط إقليمي بارز. كما شاركت في التوسّط للتوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة في يناير وأكتوبر 2025، ويسّرت الاتصالات التي أنهت المواجهة الأولى بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025. وتحت وطأة الهجمات الإيرانية المتواصلة، أعلنت قطر في 24 مارس أنّها لا تُشارك بشكلٍ فعّال في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، مركّزةً بدلاً من ذلك على الدفاع عن البلاد.
ويستند هذا التوجه الإستراتيجي إلى قدرة مالية كبيرة: فمن خلال جهاز قطر للاستثمار، تمتلك قطر أصولاً سيادية تُقدَّر بنحو 580 مليار دولار.
لكن كلّ من هذه المواقع تتعرّض حالياً لضغوط متزامنة. فالقرارات التي ستتخذها الدوحة في الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة لن تحدّد مسارها الداخليّ فحسب، بل ستؤثر أيضاً في الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي وهياكلها الاقتصادية، وفي إدارة العبور عبر مضيق هرمز، واستقرار أسواق الغاز الطبيعي المسال العالمية، وفي إمكانيّة التوصل إلى حلّ تفاوضي للخروج من المواجهة مع إيران. ولذلك، فإنّ المخاطر تتجاوز حدود قطر بكثير.
تتعرّض الأسس الاقتصادية لهجوم متزامن. لقد كان الضرر الذي لحق بالنبية التحتية الاقتصادية لقطر شديداً، وفي جوانب رئيسية، جاء هذا الضرر هيكلياً لا دورياً. إذ تضمّ مدينة رأس لفان الصناعية طاقة قطر الكاملة في تسييل الغاز الطبيعي المسال، وأرصفة التصدير، وتوليد الطاقة، وتحلية المياه، والمعالجة الصناعية، ضمن نطاق يبلغ حوالي الـ10 كيلومترات. وقد كان هذا الأمر فعالاً ومنطقياً في بيئة مستقرة، إلّا أنّه أصبح نقطة ضعف مركزية في البيئة القائمة حالياً.
كذلك، أدّى الحصار السعودي الإماراتي البحريني الذي واجهته قطر بين العامين 2017 و2021 إلى تعزيز قدرتها على الصمود في وجه الاختناق الاقتصادي، وذلك بفضل استثماراتها الضخمة في الاحتياطيات الإستراتيجية والأمن الغذائي والبدائل اللوجستية. وقد وفّر هذا الاستعداد جزءاً من الحماية في الأزمة الحالية. ومع ذلك لم تكن هذه التحوّطات كافية لمواجهة الهجمات العسكرية على البنية التحتية للإنتاج. ونتيجة لذلك، ألحقت الحرب ضرراً بالأسس الاقتصادية الهيدروكربونية القطرية، والأسس الاقتصادية ما بعد الهيدروكاربونيّة في الوقت عينه.
بالإضافة إلى ذلك، يواجه برنامج التنويع الاقتصادي في قطر تهديداً كبيراً. إذ تعتمد إستراتيجية قطر “رؤية قطر الوطنية 2030″، شأنها شأن إستراتيجيات دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، على استمرار تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، والعمالة الوافدة، وترسيخ صورة الاستقرار. غير أنّ مشاهد إنذارات الغارات الجوية في مطار حمد الدولي وتعّرض رأس لفان لهجمات الصاروخية، والذي بُثّت عالمياً، تتعارض مع هذه الصورة بشكل يصعب تغييره بسرعة.
في هذا الإطار، خفضت مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس توقعاتها لنمو دول مجلس التعاون الخليجي بمقدار 4.6 نقطة مئوية للعام 2026، فيما تواجه قطر انخفاضاً أكبر في هذه التوقعات. كما يواجه مشروع توسعة حقل الشمال، الذي كان يهدف إلى رفع القدرة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال من 77 إلى 142 مليون طن سنوياً بحلول العام 2030، جدولاً زمنياً جديداً وافتراضات أمنية مُعدّلة.
مأزق مضيق هرمز والمسارات البديلة. تكمن نقطة الضعف الهيكلية الأبرز بالنسبة إلى قطر في اعتمادها الحصري على مضيق هرمز لتصدير الغاز الطبيعي المسال. إذ يمكن للمملكة العربية السعودية توجيه جزء من صادراتها من النفط الخام عبر خط أنابيب النفط بين الشرق والغرب إلى محطات البحر الأحمر، والإمارات العربية المتحدة عبر خط أنابيب أبو ظبي-الفجيرة، وذلك على الرغم من تعرّضهما للهجمات.
أمّا قطر فلا تملك مساراً بديلاً لتصدير الغاز الطبيعي المسال، إذ يجب تسييله في رأس لفان، ثم تحميله على ناقلات مبردة، ونقله عبر المضيق. وقد أكّد تغيير مسار الناقلة في 6 أبريل استمرار الحصار الإيراني الفعليّ. كذلك، تخلق سياسة المرور الانتقائي التي تعتمدها إيران، والتي تسمح بمرور السفن المرتبطة بالصين والهند وباكستان وروسيا وغيرها من الدول، بينما تعيق مرور سفن دول أخرى، ضغطاً تجارياً غير متكافئ في الأسواق التي تعتمد عليها قطر بشكل كبير.
من جهة أخرى، تُشكّل المسارات البرية البديلة لنقل السلع بالنسبة إلى قطر مثل ميناءي الدقم وصلالة في عُمان، وموانئ الساحل الشرقي للإمارات، والممر السعودي عبر البحر الأحمر بديلاً محدوداً وغير مثالي. إذ تعاني هذه المسارات من قيود حقيقية في القدرة الاستيعابية، وارتفاع كبير في التكاليف، كما أنهّا ليست بمنأى عن الهجمات الإيرانية.
كما أنّ الممر البري السعودي يطرح تعقيدات إستراتيجية خاصة به بالنسبة إلى دولة لا تزال تتذكر بوضوح سنوات الحصار. ويُمكن لهذه الطرق استيعاب جزء من حركة الشحن، على المدى القريب، لكن لا يمكنها أن تحلّ محلّ مضيق هرمز كقناة لتصدير الغاز الطبيعي المسال. وفي غياب بدائل لوجستية مُجدية، يبقى الحلّ الأعمق لمأزق هرمز حلاً سياسياً بامتياز. وبالتالي، فإنّ المبرر الاقتصادي للتوصل إلى تسوية تفاوضية عاجلة يُعدّ أكثر أهمية بالنسبة إلى قطر مقارنةً بالأطراف الأخرى في النزاع.
التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي ضرورة إستراتيجية. لقد كشفت الحرب عن منطق هيكلي كان قائماً بالفعل إلّا أنّه لم يحظَ بالتقدير الكافي: إذ لا تعتمد مرونة منطقة الدول الخليجية الاقتصادية على جاهزية كلّ دولة على حدة فحسب، بل على عمق الترابط الاقتصادي الإقليمي فيما بينها على حدّ سواء. لقد تبنّت دول مجلس التعاون الخليجي، تاريخياً، إستراتيجيات اقتصادية وطنية متوازية، حيث تتنافس أكثر ممّا تتعاون في مجالات الخدمات اللوجستية والسياحة والخدمات المالية والتنمية الصناعية. وقد أدّت الأزمة الحالية إلى تعطيل شرايين الخدمات اللوجستية الرئيسية والأسواق المالية وبنية تصدير الطاقة في كافة الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي في الوقت نفسه، ما يدل على أنّ هذا التشرذم يمثل عبئاً جماعياً.
من هذا المنطلق، أصبحت الظروف السياسية لتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي أكثر ملاءمةً من أي وقت مضى منذ تأسيس هذه المنظمة. فقد تراجعت حدّة التوترات الداخلية التي كانت قائمة بين دول المجلس قبل الحرب، والتي تفاقمت منذ العام 2017، في ظلّ تزايد المخاطر المشتركة.
ويحمل التوجه المتسارع نحو إنشاء الاحتياطيات الاستراتيجية المشتركة، وتنسيق البنية التحتية اللوجستية، وتوسيع التجارة البينية بين دول المجلس، والتصنيع المشترك للحد من الاعتماد على الواردات، بُعداً أمنياً إضافياً لم تكن الحجج الاقتصادية البحتة وحدها قادرة على تحقيقه سابقاً. وبالنسبة إلى قطر تحديداً، فإنّ تعميق التكامل مع مجموعة متنوعة من الشركاء الإقليميين، عبر ممرات متعددة، يقلل من المخاطر الناجمة عن الاعتماد على ممر واحد، ويُنوّع العلاقات الاقتصادية الثنائية التي تدعم موقعها الجيوسياسي. غير أنّ التجربة التاريخية تشير إلى أن هذه النافذة الزمنية لن تبقى مفتوحة لفترة طويلة.
يواجه نظام البترودولار ضغوطاً متزايدة. تتعرّض البنية النقدية التي دعمت الإستراتيجية الاقتصادية في منطقة الخليج منذ العام 1974- أي تسعير عائدات الهيدروكربونات بالدولار، وإعادة تدويرها في سندات الخزينة الأمريكية، بما يسهم في دعم الالتزام الأمني الأميركي بالمقابل- لضغوط هيكلية متزايدة بسبب الحرب. وقد تراجع التزام السعودية بنظام البترودولار غير الرسمي خلال السنوات الأخيرة. كذلك تشترط إيران مرور شحنات النفط عبر مضيق هرمز بدفع ثمنها باليوان أو بالعملات المشفرة بدلاً من الدولار. وإذا ما قامت الصين والهند، المستوردان الأكبر للغاز الطبيعي المسال القطري، بتطبيع معاملات النفط والغاز المسوّاة باليوان خلال فترة تعطل مضيق هرمز، فإنّ التحولات في مسار التسوية قد تستمر حتّى بعد وقف إطلاق النار.
صحيح أن ربط الريال القطري بالدولار لا يواجه تهديداً مباشراً، إذ تُوفّر أصول جهاز قطر للاستثمار واحتياطيات البنك المركزي البالغة 72 مليار دولار هامش أمان كافٍ. إلا أن الاقتصاد السياسي للترابط غير المشروط مع الدولار كان يعتمد جزئياً على الضمانات الأمنية الأمريكية التي أضعفتها الحرب الأمريكية متجاهلةً الاعتراضات الصريحة لشركائها الخليجيين. لذلك، تبدو السيناريوهات للبدائل المرتبطة بربط العملة بالدولار على المدى المتوسط أمراً حكيماً.
أظهرت الدروس المستخلصة من الحرب أنّ المعضلات الاقتصادية والإستراتيجية التي تواجهها قطر مترابطة بطبيعتها ترابطاً وثيقاً. فقد أظهرت الحرب نفسها التي عطّلت صادرات الغاز الطبيعي المُسال ثغرات في البنية الأمنية المصمّمة لمنع التوصّل إلى نتيجة مماثلة. ويعزّز هذان البُعدان أحدهما الآخر بشكل متبادل.
مسألة التحالف: ما الذي ينبغي لقطر أن تتجنبه ولا تعتمد عليه؟ بمناسبة زيارة دونالد ترامب إلى منطقة الخليج في مايو 2025، تعهّدت كلّ من المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة باستثمارات تجاوزت الـ700 مليار دولار. كما قدّمت قطر للرئيس طائرة من نوع بوينغ 747 كهدية. ومع ذلك، لم تُسفر هذه الاستثمارات عن أيّ تأثير ملموس على عملية صنع القرار في واشنطن، كما يتّضح من الضربات الإيرانية والإسرائيلية في يونيو وسبتمبر 2025، ومن الحرب المدمّرة الجارية حالياً التي سعت قطر جاهدة إلى منعها.
لم تردع قاعدة العديد الردّ الإيراني، بل شكّلت ذريعة له. كما تمّ اختبار تصنيف قطر حليفاً رئيسياً من خارج حلف الناتو في العام 2022، والأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب في سبتمبر 2025 والذي يُلزم الولايات المتحدة بالدفاع عنها، ليتبيّن عدم كفايتهما في مواجهة خصم مُصمّم على تحمّل تبعات استهداف قاعدة أمريكية.
العلاقات البديلة لم تُحقّق نتائج أفضل. إذ تحتفظ تركيا بنحو 3,000 جندي في قطر في إطار شراكة دفاعية تعزّزت بشكل ملحوظ عقب حصار العام 2017. كما جرى توقيع عدد من اتفاقيات التعاون بين تركيا وقطر مؤخّراً في أكتوبر 2025. وتُعدّ هذه العلاقة وثيقة بالفعل. إلّا أنّ الجيش التركي يواجه قيوداً حقيقية في صراع حادّ، إذ إنّه، على عكس الولايات المتحدة، غير مندمج في البنية الدفاعية الإقليمية التي تعتمد عليها قطر، فضلاً عن التحفّظات الإستراتيجية الخاصة بأنقرة بشأن الانخراط في الصراع.
بالمثل، تبدو شراكة السعودية الدفاعية مع باكستان، و مذكرة التفاهم التي أبرمتها الإمارات مع الهند، غير مُجديتين في الصراع الراهن، إذ يعاني الطرفان من نقص مماثل في التكامل الدفاعي الإقليمي، ولا يبدو أنّ أيّاً منهما في وضع يُتيح له تقديم دعم ملموس في مجال الدفاع الجوي أو ضمان فتح المضيق بشكل فاعل، فضلاً عن الاستعداد لحمل السلاح إلى جانب الدول الخليجية. أمّا الصين وروسيا، فعلى الرغم من أنّهما تُبديان اهتماماً بإنهاء الصراع، إلا أنّهما قد انحازتا إلى الجانب الإيراني، أو على الأقلّ أظهرتا تردّداً في اتّخاذ موقف حاسم إزاء الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي، ناهيك عن مظلّة دفاعية قوية.
وبالتالي، لا توفّر أي علاقة خارجية منفردة ضماناً أمنياً كافياً. وينطبق ذلك على دول مجلس التعاون الخليجي كافة، ولا سيّما قطر، التي اعتمدت في بنيتها الأمنية بشكل أوضح من غيرها على الضمانات الثنائية التي تقدّمها الولايات المتحدة.
بنية الأمن في مجلس التعاون الخليجي: التقارب وحدوده. يقدّم التكامل على مستوى دول الخليج بديلاً في حال كانت الاتفاقيات الدفاعية الخارجية متقلّبة. وبالفعل، فقد ولّدت الحرب تضامناً سياسياً حقيقياً بين دول مجلس التعاون الخليجي يفوق أيّ تطوّر شهدته المنظمة منذ تأسيسها. فقد عزّزت التدابير التي اعتُمدت عقب الضربة الإسرائيلية على الدوحة في سبتمبر 2025، والتي أسفرت عن مقتل ضابط أمن قطري، الالتزام الدفاعي الجماعي لدول المجلس التعاون الخليجي. وأعلن المجلس رسمياً أنّ أمن دوله كلّ “لا يتجزأ”. وقد كان هذا المستوى من التقارب والتعاون الأمني، لا سيما بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، مستبعداً في السابق، في ظلّ تنافسهما الإستراتيجي على اليمن والسودان.
غير أنّ الواقع العملياتي جاء مثيراً للقلق. فبينما تنفق دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعةً أكثر من 100 مليار دولار على الدفاع، لا تزال هياكل القيادة المشتركة المؤسسية، والدفاع الجوي المشترك، وقواعد الاشتباك الموحّدة غير مُحقَّقة إلى حدّ كبير، على الرغم من الجهود المبذولة لتعزيز التكامل وقابلية التشغيل البيني، كما ظهر مؤخّراً في مناورات درع الخليج في يناير. ومع ذلك، تولّت كلّ دولة الدفاع عن مجالها الجوي خلال هذه الحرب عبر قنواتها الثنائية مع الولايات المتحدة، وليس من خلال أيّ آلية رسمية لمجلس التعاون الخليجي.
كما أنّ مبادرة «حزام التعاون» للدفاع الجوي المتكامل، وهي الإطار المخصّص للتتبّع المشترك للطائرات والاستجابة المنسّقة، التي أنشئت في العام 1997 لا تزال طموحة. ولا يزال التقارب السعودي–الإماراتي هشّاً، كما أظهر اندلاع الصراع في اليمن في ديسمبر.
وتحت ستار الوحدة الرسمية، انقسم مجلس التعاون الخليجي إلى مواقف متباينة تجاه إيران: إذ تنتهج كلّ من قطر وعُمان ضبط النفس وخفض التصعيد بسرعة، في حين تنحاز الإمارات العربية المتحدة والبحرين بصورة أوثق إلى إستراتيجية الردع الأمريكية، وتفضّلان إضعاف إيران أكثر على حساب استمرار الضربات العسكرية. أمّا المملكة العربية السعودية والكويت فتتّخذان موقفاً أكثر غموضاً، إذ يضعهما بعض المحلّلين في موقعٍ وسطي، بينما يرى آخرون أنّ السعودية تميل أكثر نحو الجانب الأمريكي، في حين تميل الكويت نحو الجانب الآخر. ومهما كانت تفاصيل هذا التصنيف، لم يُترجم التضامن السياسي إلى تماسك إستراتيجي.
في هذا السياق، يتمثّل قلق قطر في عدم الاستفادة من الحاجة الملحّة الحقيقية للتقارب الأمني لتجاوز الضمانات المؤسّسية التي عملت على ترسيخها. فقد أظهر حصار العام 2017 أنّ تضامن مجلس التعاون الخليجي يمكن استخدامه كسلاح من جانب الدول الأكبر ضدّ الدول الأصغر. ومن منظور الدوحة، فإنّ أيّ بنية أمنية جماعية مجدّدة تمنح المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة سلطة فعلية على خيارات السياسة الخارجية والأمنية لقطر، من شأنها أن تعيد إنتاج ظروف الحصار، ولكن في صيغة مؤسسية مختلفة. ولذلك، فإنّ تصميم المؤسسات الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي لما بعد الحرب لا يقلّ أهمية عن مجرّد وجودها.
أيّ إيران نتعامل معها؟ كلّ السيناريوهات المتاحة لها ثمن. يتعلّق التحدّي الإستراتيجي الأعمق الذي تواجهه قطر بنتائجها بقدر ما يتعلّق بمسار هذه الحرب. وتبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة لإيران في مرحلة ما بعد الصراع، يطرح كلٌّ منها إشكاليات مختلفة، ولا يُعدّ أيّ منها مريحاً لقطر.
لقد اتّسمت نظرة إيران للعالم بالعدائية، وتفاقمت جرّاء الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، وعمليات الاغتيال المتتالية، وما تعتبره القيادة في طهران هجوماً وجودياً. من هذا المنطلق، لجأت إيران، المتشدّدة والمتسلحّة، في ظلّ غياب رادع نووي، إلى احتجاز المنطقة بأسرها رهينة. وتواصل تنفيذ هجمات ضدّ دول مجلس التعاون الخليجي وتهديد الملاحة البحرية الخليجية. ورغم أن وقف إطلاق النار الحالي قد يغيّر هذا المسار، فإنّه من غير المرجّح أن يعلّقه أو يعكسه، نظراً لأنّ الأسباب الجذرية للصراع لا تزال من دون حلّ.
كذلك، سيشكّل انهيار إيران أو تفكّكها خطراً مماثلاً. إذ سيؤدّي انهيار الدولة الإيرانية إلى نشوء مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، تضمّ قدرات نووية من دون وجود سلطة مركزية قادرة على ضبطها أو التفاوض بشأنها. كما أنّ ضمان سلامة الملاحة في مضيق هرمز سيعتمد على حسن نية الفصائل المتنافسة والجهات الفاعلة غير الحكومية، بدلاً من حكومة ذات سيادة. بالإضافة إلى ذلك، ستكون العواقب الإنسانية وتداعيات أزمة اللاجئين وخيمة على المنطقة بأسرها، بما في ذلك دول الخليج التي تستضيف ملايين المهاجرين الإقليميّين.
أخيراً، سيُثير أي نظام مُنصّب بدعم أمريكي-إسرائيلي في إيران مشكلة مختلفة تماماً لم ينسها التاريخ الخليجي. فقد كانت إيران في عهد الشاه، من العام 1953 إلى العام 1979، الشريك الإستراتيجي المفضّل لدى كلّ من واشنطن وتل أبيب، بينما كانت الدول الخليجية مهمّشة جيوسياسياً وصناعياً في خلال تلك الفترة. وبرزت هذه الدول كجهات فاعلة مؤثّرة جزئياً نتيجة إزالة هذا التنافس عقب ثورة العام 1979. فإنّ إيران المتحالفة مع الولايات المتحدة والطموحات الإقليمية المتعاظمة لا تخدم مصالح قطر أو مصالح مجلس التعاون الخليجي بشكل عام.
ما تتطلّبه ملحة قطر، ضمنياً، هو وجود إيران فاعلة مستعدّة للعمل ضمن إطار تفاوضي: بحيث تقبل بقيود محدّدة على برنامجها النووي وقدرتها على تسليح مضيق هرمز، مقابل تخفيف العقوبات والاعتراف بمصالحها الأمنية، من دون أن تنهار، أو تنصّب كدولة تابعة، أو تحتفظ بقدرة غير مقيّدة على زعزعة الاستقرار الإقليمي. وهذه هي النتيجة بالتحديد التي قد تسهم الوساطة الرسمية في صياغتها. غير أنّ الهجمات الإيرانية المتواصلة جعلت دور قطر كوسيط رسمي مستحيلاً، وهو ما يشكّل مشكلة تضيّق إلى حدّ كبير هامشها الإستراتيجي.
تيسير تسوية مُستدامة بدلاً من وقف لإطلاق النار. ينما يقيّد موقف قطر كوسيط رسمي نتيجة انتهاك سيادتها بالاعتداءات الإيرانية، لا تزال قنوات اتصالها بكلّ من واشنطن وطهران قائمة. وعلى المدى القصير، من المهم للدوحة تفعيل قنوات تواصل خلفية بالتنسيق مع عمان وتركيا ومصر للدفع نحو تسوية تعالج الأسباب الجذرية للصراع بدلاً من التركيز على ديناميكياته الآنية.
وعلى المدى المتوسط، يتعيّن على قطر تشكيل ائتلاف من الأطراف التي تشاركها مصلحتها الإستراتيجية الحقيقية: وجود إيران فاعلة تعمل ضمن إطار تفاوضي، بعيداً عن الأهداف التوسعية، وعن سيناريوهات الإخفاق المختلفة التي لا تخدم أيّ مصلحة إقليمية. وتُعدّ الصين والهند، بصفتهما أكبر مستهلكي الهيدروكربونات، والحكومات الأوروبية المعتمدة على الغاز الطبيعي المسال القطري، إلى جانب عمان بصفتها محاوراً ثابتاً لطهران، مرشّحين طبيعيّين لهذا الائتلاف. ويوفّر هذا الإطار متعدّد الأطراف بديلاً للقيادة القطرية التي يتعذّر عليها توفير هذا الحوار في الوقت الراهن.
التعامل مع رأس لفان باعتبارها عائقاً إستراتيجياً كما أثبتت الوقائع. من غير الحكمة التعويل على تسوية دائمة للأعمال العدائية من دون الاستعداد في الوقت عينه لهجمات متجدّدة. وفي هذا السياق، يُعدّ الاستثمار في التوزيع، والتحصين، والتكرار، ومراجعة افتراضات الإنتاج، أولوية قصوى من الدرجة الأولى للأمن القومي. كما ينبغي التعامل مع تقدير السنوات الخمس اللازمة لإصلاح أكثر المنشآت تضرّراً باعتباره حدّاً أدنى لا حدّاً أقصى.
بناء هيكل أمني لمجلس التعاون الخليجي تستطيع قطر التعايش معه. من المهم بالنسبة إلى دولة قطر أن تدعم بفاعلية تفعيل مبادرة حزام التعاون للدفاع الجوي المتكامل، وكذلك الترتيبات الأوسع للأمن الجماعي، مع الإصرار على تصميم مؤسسي يحول دون هيمنة أيّ طرف. ففي الواقع، يجب ترسيخ دروس العام 2017، المتمثّلة في إمكانية الاستفادة من التضامن غير الرسمي من جانب الدول الأكبر، ضمن ضمانات مؤسسية رسمية، بدلاً من تجاهلها في ظلّ تضامن اللحظة الراهنة.
اغتنام فرصة التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي. تبدو الظروف السياسية المواتية لتعزيز الاحتياطيات الإستراتيجية المشتركة، وتنسيق البنية التحتية اللوجستية، وتوسيع التعاون الصناعي البيني بين دول المجلس، اليوم أكثر ملاءمة ممّا كانت عليه منذ جيل كامل. ويتعيّن على قطر أن تتحرّك بفاعلية وبسرعة، إذ لن تبقى هذه الفرصة متاحة بمجرّد انحسار الضغوط المباشرة للصراع.
الشروع في تخطيط احترازي لسيناريوهات البنية النقدية. ينبغي أن يتمّ التخطيط لسيناريوهات تداعيات استمرارية تعطّل مضيق هرمز، وتطبيع التسوية باليوان في أسواق الغاز الطبيعي المسال الرئيسية، والضعف الهيكلي في منظومة البترودولار، كجزء من إستراتيجية مالية متوسطة الأجل، بهدوء، ولكن بجدية.