كسر الحلقة المفرغة:  

فرصة تاريخية لإعادة بناء العلاقات السورية–اللبنانية

تقدير موقف، يونيو 2026
11 يونيو، 2026

لا يمكن قراءة الزيارة الثانية لرئيس مجلس الوزراء اللبناني الدكتور نواف سلام إلى العاصمة السورية دمشق بوصفها مجرد محطة دبلوماسية عابرة أو إجراء بروتوكولي روتيني ضمن جدول أعمال حكومة تصريف الأعمال اللبنانية. بل إن القراءة العميقة تقتضي وضع هذا الحدث في سياقه الجيوسياسي الأوسع، باعتباره محاولة حثيثة وإستراتيجية لإعادة تنظيم وصياغة العلاقات السورية – اللبنانية في لحظة تاريخية فارقة، تتسم بتحولات إقليمية ودولية جذرية تختلف تماماً عن المعادلات التقليدية التي سادت وحكمت العلاقات بين البلدين على امتداد العقود الأربعة الماضية. 

 

تاريخ العلاقات بين بيروت ودمشق، لم يشهد في أي مرحلة من مراحل التاريخ المعاصر، استقراراً يحاكي العلاقات الدبلوماسية التقليدية بين دولتين جارتين؛ بل شكّلت هذه العلاقة على الدوام نموذجاً معقداً وشديد الحساسية لتداخل الدولة باللا-دولة، وتقاطع الجغرافيا بالأمن الوطني، والسيادة بالشبكات العابرة للحدود. بالإضافة إلى ما يشهده هذا النموذج من تداخل الأبعاد السياسية بالتاريخ، وإكراهات الاقتصاد بالصراعات الإقليمية، والديموغرافيا بالتوازنات الطائفية الحساسة التي تشكل اليوم البنية الأساسية للكيان اللبناني. 

 

كذلك، لم تُدر هذه العلاقة التاريخية عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية أو المؤسسات الشرعية للدولتين على امتداد العقود المنصرمة إلا في نطاق ضيق وشكلي. فالتاريخ يحفل بسلسلة من الاتفاقيات المعقودة خارج أطر التكافؤ في السيادة، أبرزها معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق لعام 1991 وسائر الاتفاقيات التي قنّنت في ذلك الحين النفوذ السوري الأحادي في لبنان وجعلت القرار السياسي والأمني لبيروت ملحقاً بدمشق.

 

 وبحسب الوقائع فإنّ الإدارة الفعلية التي جرت لعقود عبر منظومة أمنية وسياسية متشابكة وموازية، ضمّت أجهزة استخباراتية نافذة، وقوى حِزبية وطائفية محلية، وشبكات تهريب عابرة، واقتصادات حدودية غير شرعية. 

 

بناءً على هذا الواقع المركب، تبقى أي رغبة معلنة في «فتح صفحة جديدة» أو أي تصريح عن تدشين مرحلة من العلاقات المستقرة بين البلدين، مشروطاً، بمدى قدرة الطرفين على معالجة الملفات العالقة المتراكمة منذ عقود، والتي أنتجت عامل من فقدان الثقة المزمن، وانقسامات داخلية حادة في كلا الساحتين. 

 

من هذا المنطلق، تكتسب اللقاءات الراهنة والزيارات المتبادلة أهمية استثنائية تتجاوز الأطر التقليدية، لا سيما مع التطورات الأخيرة المتمثلة في إعادة تفعيل اللجان الفنية المشتركة ومشاركة وزراء معنيين بملفات حيوية بالغة الأهمية كالطاقة، والاقتصاد، والمعابر، والتجارة. غير أن الأهمية الحقيقية لهذه التحركات لا تكمن في جداول الأعمال الرسمية المعلنة، بل في ما تكشفه من إدراك متبادل وحتمي لدى النخب الحاكمة في بيروت ودمشق بأن استمرار القطيعة أو الجفاء السياسي لم يعد خياراً واقعياً أو ممكناً لأي منهما. ويأتي هذا الإدراك مدفوعاً بـ الأزمة الاقتصادية والمالية اللبنانية المتمادية التي بدأت عام 2019، والحاجة السورية الملحة لاستعادة دورها السياسي والاقتصادي وتوسيع هوامش حركتها الإقليمية بعد سنوات طويلة من الحرب الشرسة والعزلة الدولية الخانقة.  

 

ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر حساسية وجوهرية قائماً ومطروحاً على طاولة النقاش: هل تعكس الديناميكية السياسية الحالية سعياً حقيقياً من البلدين لإعادة صياغة علاقاتهما وفق مبادئ الندّية والمصالح المشتركة، والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية؛ أم أنها مجرد ترتيبات مؤقتة تمليها الضرورة الإستراتيجية وتمرير الوقت من دون معالجة الجذور العميقة للأزمة التاريخية القائمة بين الطرفين؟ 

 

 

 

المعضلة السياسية وصراع الذاكرة  

تتمثل العقدة السياسية الأساسية في العلاقات السورية – اللبنانية في غياب الثقة المتبادلة، وهي ثقة لم تُبنَ أصلاً في أي مرحلة من التاريخ الحديث للبحث في آليات استعادتها أو ترميمها. فالجانب اللبناني، بمختلف أطيافه السياسية، لا يزال يقرأ علاقته مع دمشق من خلال إرث طويل وقاسٍ من الهيمنة السياسية والأمنية السورية، أو ما يُعرف بمرحلة الوصاية التي امتدت منذ دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 كجزء من قوات الردع العربية، وحتى انسحابه العسكري الشامل في 26 أبريل عام 2005 نتيجة  “انتفاضة الاستقلال” التي تلت جريمة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وهي الحقبة التي وثّقتها تقارير الأمم المتحدة المتابعة لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559. 

 

خلال تلك العقود الثلاثة، لم تكن دمشق مجرد لاعب مؤثر أو فاعل ونافذ في المشهد اللبناني، بل تحولت إلى “اللاعب الحاكم” والمحور الأساسي الذي يتحكم بكافة التوازنات السياسية والأمنية وبمفاصل الدولة، وصناعة القرار في تنصيب الرؤساء، وتشكيل الحكومات المتعاقبة، وفرض الخيارات الاستراتيجية الكبرى على السياسة الخارجية والداخلية اللبنانية.  

 

وعلى الرغم من تغير النظام الإقليمي بأكمله، وسقوط المعادلات الكثيرة التي حكمت تلك المرحلة، لا يزال جزءاً واسعاً من النخبة السياسية والمجتمعية اللبنانية يتعامل مع دمشق بوصفها «مصدر تهديد محتمل وتدخل مستمر» أكثر من كونها شريكاً استراتيجياً ممكناً وطبيعياً. ولذلك، فإن الانفتاح اللبناني الحالي على سوريا يجري بحذر شديد، وتحت سقف توازنات داخلية بالغة الحساسية، وهو ما يُفسر بوضوح غياب رئيس الجمهورية اللبنانية عن تصدر مشهد التواصل المباشر مع القيادة السورية حتى الآن، وترك مهمة التواصل السياسي والتنسيق التنفيذي لرئاسة الحكومة والوزراء المختصين، في توزيع للأدوار يعكس عمق الانقسام الداخلي اللبناني حول طبيعة العلاقة وشكلها المنشود مع الدولة الجارة. 

 

بحكم الترابط الجغرافي والأمني والاقتصادي بين البلدين، ترى دمشق أن لبنان لا يستطيع، مهما بلغت درجة الانقسام داخله أو حدّة الخطاب المناهض لها، الاستمرار في سياسة “النأي بالنفس” (التي أعلنتها الحكومة اللبنانية عام 2011 مع اندلاع الأزمة السورية) أو الفصل السياسي عنها، بحكم الترابط الجغرافي والأمني والاقتصادي والعضوي بين البلدين. وتعتبر الرؤية السورية الرسمية أن مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تفتح الباب أمام علاقة متكافئة لا تقوم على صيغ الوصاية والتدخل المباشر القديمة التي تجاوزها الزمن، بل على المصالح المشتركة والتنسيق الأمني والسياسي المتبادل بين دولتين متجاورتين تواجهان تحديات وجودية مشتركة في محيط إقليمي ملتهب. 

 

غير أن هذه الرؤية المعلنة تصطدم بدورها بإرث الحرب السورية ذاتها وما خلفته من انقسامات لبنانية حادّة وصدمات مجتمعية متبادلة. فمشاركة حزب الله العسكرية الواسعة والمباشرة في الحرب السورية منذ عام 2013 إلى جانب النظام السابق لم تكن مجرد تفصيل عسكري عابر، بل شكّلت نقطة تحول عميقة وخطيرة في الوعي السوري تجاه لبنان، لا سيما مع ما رافقها من انقسام لبناني بين محور مؤيد للنظام ومحور مناصر للمعارضة السورية، وما ترتب على ذلك من تدفق ملايين اللاجئين السوريين إلى الأراضي اللبنانية. أضافت هذه العوامل تراكمات جديدة على ملفات المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، لتُنتج معادلة بالغة التعقيد: كل طرف يحمل ذاكرة ألم وخوف تجاه الآخر، وكلاهما مطالب اليوم بتجاوز هذه الذاكرة قسراً لتلبية متطلبات الواقع وبناء قنوات اتصال حيوية، وتجاوز ضرورة معالجة الشروخ التاريخية والمجتمعية بمسؤولية واضحة وشجاعة سياسية. 

 

 

 

التحديات الأمنية في بيئة إقليمية متعددة الطبقات 

 

إذا كان الاقتصاد يمثل الدافع الأساسي للتقارب الراهن، فإن الأمن يبقى العامل الذي يجب أن ينطلق منه الجانبان لتشكيل مستقبل العلاقة بين البلدين. إذ، لطالما تمحورت العلاقة السورية – اللبنانية حول المعيار الأمني قبل أي شيء آخر بسبب الحدود المشتركة بينهما الممتدة لأكثر من 375 كيلومتراً، والتي لم تتحول يوماً إلى حدود مستقرة ومنضبطة بالمعنى التقليدي. ونتيجة للمشهد الإقليمي المتوتر والمتشابك وارتباطه ببنية الحضور العسكري الأجنبي وحجمه فوق الأراضي السورية واللبنانية، أصبحت عملية ضبط المشهد الأمني الحدودي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. وهنا يُشير الواقع إلى أربعة ملفات رئيسية بالغة الخطورة والتداخل تُشكل جزءاً من التحديات الأمنية التي تفرض نفسها على طول الحدود المشتركة وتشمل:   

 

1. نشاط شبكات التهريب المنظمة والعابرة للحدود: والتي تستنزف السلع الحيوية كالمحروقات والأسلحة والسلع الغذائية. وتكشف المؤشرات أن خسائر الخزينة اللبنانية جراء تهريب المازوت والطحين عبر المعابر غير الشرعية  تقدر بمئات الملايين من الدولارات سنوياً، مما يلحق أضراراً فادحة باقتصاد البلدين. 

 

2. مُخدّر الكبتاجون والاتجار بالبشر: تحولت هذه التجارة إلى تجارة عابرة للحدود ذات أبعاد اقتصادية موازية ضخمة وبات يشكل معضلة أمنية وسياسية تضغط على علاقات البلدين الخارجية. وقد تم توثيق التأثيرات الإقليمية والعالمية المتعددة لهذه الشبكات العابرة للحدود على نطاق واسع. 

 

3. غياب الترسيم الكامل والنهائي للحدود الرسمية: يغيب هذا العامل عن العلاقات بين البلدين رغم أهميته الجيو استراتيجية لا سيما في مناطق مزارع شبعا، وشمال شرق لبنان (منطقة دير العشاير والطفيل)، ومصب نهر الكبير الجنوبي. إذ يرفض الجانب السوري منذ عقود الشروع في الترسيم المشترك متذرعاً بظروف الاحتلال أو التداخل العقاري، مما يخلق ثغرات قانونية وأمنية دائمة تستغلها قوى غير رسمية لفرض نفوذها، واستمرار الفوضى الحدودية يعني بقاء مناطق نفوذ شاسعة خارجة عن سيطرة الدولتين. كذلك، فإنّ أي مقاربة أمنية للعلاقة السورية – اللبنانية لم تعد ممكنة من دون إدخال البًعد الإسرائيلي بوصفه عاملاً مركزياً وضاغطاً. 

 

4. سلاح حزب الله والتموضع الإقليمي: يبرز سلاح حزب الله كأحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في العلاقات الثنائية، وإن كان يجري تجنّب طرحه علناً وبصورة مباشرة في الاجتماعات الرسمية بين الحكومتين لتفادي نسف المحادثات. إن الحزب لم يعد مجرد فاعل لبناني داخلي، بل تحول إلى ركيزة أساسية في معادلة أمنية إقليمية ممتدة عابرة للحدود السياسية الرسمية، وتربط لبنان بسوريا وإيران في حلف استراتيجي وعسكري وثيق. استمرار وجود قوة عسكرية موازية خارج إطار المؤسسات الشرعية يعرقل أي محاولة جدية لبناء سياسة دفاعية وطنية مستقلة. 

 

 

الاقتصاد السياسي وتبادل المصالح الحيوية 

 

رغم الطابع الأمني والسياسي الغالب على تاريخ العلاقة بين البلدين، إلا أنّ الاقتصاد يُعدّ المحرك الأكثر واقعية وإلحاحاً للتقارب والجلوس على طاولة المفاوضات، خصوصاً في ظل الانهيار المالي والاقتصادي اللبناني، والحاجة السورية الماسة إلى إعادة الإعمار وتفكيك العزلة الاقتصادية المفروضة عليها بموجب العقوبات الغربية المشددة، وعلى رأسها قانون قيصر لعام 2019. 

 

فسوريا تُشكّل الرئة البرية الأساسية  والمنفذ الجغرافي الوحيد للبنان نحو الأسواق العربية الحيوية (عبر معبر نصيب/جابر الحدودي). ولذلك، فإن إعادة تفعيل حركة الترانزيت البري وتخفيض الرسوم الجمركية الباهظة يمثلان أولوية اقتصادية قصوى لبيروت. وفي المقابل، تحتاج سوريا بشدة إلى الاستفادة من المرافئ اللبنانية (بيروت وطرابلس)، ومن الخبرات المصرفية والتجارية اللبنانية المتبقية لإعادة تنشيط دورتها الاقتصادية، لا سيما أن البنية المصرفية السورية لا تزال تعاني بشدة من تبعات احتجاز ودائع رجال الأعمال السوريين في المصارف اللبنانية، التي تراوحت تقديراتها بين 20 و42 مليار دولار أمريكيلكنّ هذه الأموال أصبحت جزءًا من أزمة مالية مشتركة بين لبنان وسوريا، مما عمّق حالة التشابك في المأزق المالي لكلا البلدين وأدى إلى توسع الاقتصاد النقدي غير الشرعي ونشاط معابر التهريب. 

 

في هذا الإطار أيضاً، يبرز قطاع الطاقة كأحد أهم مجالات التعاون الممكنة، سواء عبر مشاريع نقل الغاز والكهرباء، أو إعادة إحياء مشاريع الربط الإقليمي التي تعطلت بسبب الحرب والعقوبات. ويدرك لبنان، الغارق في أزمة كهرباء مزمنة أنتجت اقتصاداً موازياً من المولدات الخاصة، أن أي حل طويل الأمد قد يمر جزئياً عبر سوريا، سواء عبر نقل الغاز المصري أو شراكة استجرار الكهرباء الأردنية عبر شبكة النقل السورية (والتي تحتاج لإعادة تأهيل لمحطات التحويل في خربة الغزالة)، وهو ما يتطلب تفاهمات سياسية واقتصادية معقدة لتفادي العقوبات التي تُعرقل هذه المشاريع الحيوية.

 

كذلك، قد تُشكّل إعادة إعمار سوريا، المقدّرة كلفتها بمئات المليارات من الدولارات، فرصة اقتصادية تاريخية للبنان، سواء من خلال قطاع الخدمات أو المصارف أو شركات المقاولات والخبرات الهندسية اللبنانية المعروفة إقليمياً. إلا أن هذه الرهانات تصطدم حتى الآن بالعقوبات الغربية المفروضة جزئياً على دمشق، وبحالة الترقب الدولي تجاه مسار التحوّل السوري، إضافة إلى غياب رؤية اقتصادية مشتركة وواضحة لدى الطرفين تُحوّل الفرص النظرية إلى مشاريع فعلية قابلة للتنفيذ. 

 

 

اللاجئون السوريون والمعضلة الديموغرافية  

تبقى مسألة النازحين السوريين في لبنان أحد أكثر الإشكاليات تعقيداً وخطورة على الإطلاق. فلبنان، الذي يستضيف نسبياً واحدة من أعلى كثافات اللاجئين في العالم  قياساً إلى مساحته الصغيرة يواجه معضلة إحصائية وبنيوية حادة. تشير البيانات الرسمية إلى أن عدد السوريين في لبنان يتراوح بين 1.5 إلى 2 مليون لاجئ، منهم نحو 800 ألف فقط مسجلون رسمياً لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين .  

 

وقد يُضيف هذا الوجود الكثيف غير المنظم، الذي لم يتم معالجته ضمن استراتيجية واضحة، عبئاً اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً هائلاً يتجاوز قدرة البلاد على التحّمل. لذا، يكمن جوهر هذه المعضلة المستعصية في إمكانية تحوّل مسألة اللاجئين من بُعدها الإنساني والأخلاقي الصرف إلى ورقة ضغط سياسية واستراتيجية متعددة الاستخدامات والأطراف في الصراع الإقليمي والدولي على عدّة مستويات. على مستوى الداخل اللبناني قد تُستخدم مسألة اللاجئين كأداة رئيسية للتعبئة السياسية والشعبوية، وأداة لتعليق الفشل الحكومي في إدارة الأزمات الاقتصادية والمالية المتلاحقة. أما خارجياً، فقد تحاول بيروت استخدام ورقة استضافة اللاجئين والعبء المترتب عليها كأداة ضغط في علاقاتها مع المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي للحصول على مساعدات مالية ودعم للخزينة العامة، والتحذير المستمر من موجات هجرة غير شرعية واسعة النطاق نحو السواحل الأوروبية. وعلى مستوى آخر من قبل دمشق، قد توظف القيادة السورية مسألة اللاجئين كأداة مقايضة سياسية أساسية في مفاوضاتها المستمرة مع الدول الغربية والعربية؛ وتربط ملف العودة الآمنة والتسهيلات الأمنية (مثل مراسيم العفو) بملفات رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، والحصول على أموال إعادة الإعمار، وفتح قنوات التطبيع الدبلوماسي الكامل. 

 

 

تلاقي المصالح المؤقتة وإدارة الأمر الواقع 

 

 يُمكن القول إنه على الرغم من المؤشرات الإيجابية المتمثلة في تبادل الزيارات الرفيعة والتصريحات المرحبة بين بيروت ودمشق، لا تزال العلاقات الثنائية تراوح مكانها في “منطقة رمادية” تحكمها معادلة قوامها: حاجة متبادلة قسرية مقابل خوف تاريخي مزمن. ويمكن تفكيك هذا التناقض البنيوي من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية: أولها البُعد الجغرافي والتاريخي الذي يفرض حتمية التعاون والتنسيق لتفادي الأزمات، في حين تكبح الذاكرة السياسية المثقلة بالتجاوزات بناء ثقة مجتمعية وسياسية حقيقية. وثانيها البعد الاقتصادي والسياسي الذي يدفع الانهيار المالي نحو فتح الأسواق والتكامل، بينما تضع الهواجس السياسية كوابح تمنع التخطيط الإستراتيجي بعيد المدى. ومن ثم البُعد الأمنـي والسيادي الذي يستدعي ضبط الحدود من خلال مكافحة مشتركة للإرهاب والتهريب، لكن هواجس السيادة في لبنان تحذر من التحوّل مجدداً إلى حقبة الهيمنة وفقدان استقلالية القرار. 

 

كذلك لا بُدّ من التوقف عند ارتباط العلاقة بين البلدين بالمعادلات الإقليمية والدولية، حيث لم يعد قرار هذه العلاقة محلياً صِرفاً، بل بات رهينة التسويات والنزاعات الكبرى في الشرق الأوسط، وتحديداً مسار المواجهة الإقليمية وتداعياتها، والترتيبات الأمنية في جنوب لبنان والالتزام بالقرار الدولي 1701 الذي نص على إنهاء العدوان بين حزب الله وإسرائيل، بالإضافة إلى حجم الحضور العسكري الدولي وطبيعته في سوريا، إلى جانب موقع دمشق في خارطة التطبيع العربي ومشاريع ممرات الطاقة والتجارة الدولية. وبناءً عليه، فإن أي استقرار حقيقي للعلاقات يبقى مشروطاً بإنتاج توازن إقليمي يقلص حاجة القوى العظمى لاستخدام الساحتين كـ “صناديق بريد” لتصفية الحسابات. 

 

 

الخاتمة  

أما فيما يتعلّق بخارطة الطريق نحو رؤية مؤسسية جديدة، فإنّ إن الانتقال من منطق “إدارة الأزمات المياومة” إلى مفهوم “الدولة الحديثة والسيادة القانونية المتكافئة” لا يتحقق بالزيارات البروتوكولية، بل يتطلب خطوات تنفيذية حاسمة تتركز في خمسة مسارات إستراتيجية تشمل: الترسيم والضبط العسكري من خلال انهاء الترسيم القانوني الكامل للحدود المشتركة، ونشر قوى عسكرية نظامية متكافئة، وتفعيل أبراج المراقبة لقطع دابر شبكات التهريب. ومأسسة التنسيق الأمنـي الذي يتمحور حول حصر قنوات الاتصال العسكري والاستخباراتي عبر مؤسسات الدولتين الرسمية والشرعية (الجيشين والأجهزة الرسمية) لتقليص نفوذ الشبكات الموازية العابرة للحدود؛ بالإضافة على تعزيز العلاقات الاقتصادية الشفافة من خلال مراجعة الاتفاقيات السابقة، واعتماد قواعد تنظيمية عادلة تربط المرافئ والمطارات بشبكات نقل حديثة بعيداً عن اقتصادات الظل. ناهيك عن تنظيم  وضع اللاجئين عبر آلية واضحة للعودة التدريجية والآمنة بالتنسيق المباشر مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ووقف توظيف هذه القضية الإنسانية كأداة ضغط سياسي. ناهيك عن وحدة الموقف الإستراتيجي من خلال تنسيق المواقف الدبلوماسية كخطوة وقائية تحمي البلدين من التحول إلى مسارح لحروب بالوكالة تخدم الأجندات الخارجية. 

 

قد لا تظل النافذة الزمنية المتاحة أمام بيروت ودمشق للتحرك في ظل إعادة رسم خرائط النفوذ والممرات الاقتصادية في المشرق العربي مفتوحة طويلاً. وقد يشكل استثمار هذه اللحظة الراهنة بحكمة وبراغماتية، وتغليب منطق الدولة والسيادة، الفرصة الأخيرة لبناء علاقات صحية ومتينة، قبل أن تعيد الجغرافيا السياسية العنيفة إنتاج المأزق والصدام والتبعية ذاتها، ولكن بسيناريو جديد وأكثر قسوة وتدميراً على الجميع.