الانتخابات النصفية الأمريكية: موازين القوى والضغوط الداخلية والخارجية

تقدير موقف، أكتوبر 2026
22 أكتوبر، 2026

تقترب الولايات المتحدة من استحقاق  مفصلي في الثالث من نوفمبر 2026 يكمن في انتخابات التجديد النصفي التي ستكون بمثابة استفتاء شعبي مباشر على أداء الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب خلال نصف ولايته الأول، أكثر مما هي تنافس تقليدي بين مرشحين.

 

هذا الرئيس الذي انخرط في إعادة تشكيل العلاقات الدولية لبلاده بطريقة جذرية، من أوكرانيا إلى إيران والصين وفنزويلا والشرق الأوسط، يواجه مشهداً اقتصادياً وسياسياً متدهوراً في الداخل بشكل متسارع، ويضع مستقبل أجندته الخارجية والداخلية على محك نتائج هذه الانتخابات.

 

مع اقتراب موعد الاقتراع، تكشف أحدث استطلاعات الرأي عن تراجع حاد في تأييد ترامب. فقد هبطت نسبة تأييده إلى أدنى مستوى مسجل منذ توليه الولاية الثانية  بين 28 أغسطس و1 سبتمبر 2026، والأكثر دلالة أن هذا التراجع لم يعد مقتصرًا على الناخبين المستقلين أو المعارضين، بل امتد إلى قاعدته الجمهورية نفسها، التي هبط فيها تأييده بأكثر من نقطتين مئويتين ليصل إلى 72%، وهو أيضاً أدنى مستوى مسجل داخل هذه الشريحة.

 

في السياق نفسه، تؤكد استطلاعات أخرى، وإن تفاوتت فيها الأرقام الدقيقة بين مؤسسة وأخرى ذلك، حيث سُجّل هبوط في شعبية ترامب الوطنية إلى 35% مقابل 59% رفضاً بحلول 31 أغسطس 2026، و33% تأييدًا، وهو أدنى نسبة رُصدت له عن أدائه.  وحتى داخل القاعدة الجمهورية، تتفاوت التقديرات دون أن يتغير الاتجاه بحيث رصدت الاستطلاعات تراجعاً في نسبة المؤيدين إلى 79% فقط، وبانخفاض 12 نقطة مئوية منذ مطلع الولاية. ورغم اختلاف الأرقام المطلقة بين المؤسسات، فإنها تتفق جميعها على تآكل غير مسبوق في شعبية ترامب حتى داخل معسكره.

 

في مواجهة هذا التراجع، لجأ ترامب إلى مهاجمة الاستطلاعات نفسها ووصفها بـالمزيفة، مطالباً لجنة الاتصالات الفيدرالية بالتدخل ضد وسائل الإعلام الناشرة لها.  يعكس رد الفعل هذا، بحسب محللين، إدراكاً داخلياً بحجم الخطر الانتخابي الذي تمثله هذه الأرقام، أكثر مما يعكس ثقة فعلية بزيفها.

 

 

التحديات الاقتصادية التي يواجهها ترامب

 

يشكّل الملف الاقتصادي جوهر أزمة ترامب الانتخابية. إذ يرى نحو ثلثي الناخبين المسجلين ونسبتهم 65% أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الخاطئ، فيما أفاد 57% منهم بأن وضعهم المالي الشخصي تدهور في عهده. أما على ملفي التضخم وتكاليف المعيشة تحديداً، وهما الأكثر التصاقاً بحياة الناخب اليومية، فقد سجل ترامب عدم رضا بلغ 82% في ملف تكاليف المعيشة وحده.

 

تتقاطع هذه المؤشرات مع معطيات اقتصادية كلية مقلقة. إذ سجّل سعر الديزل، وقود الصناعة والزراعة الأمريكية، مستوى قياسي بلغ6.179 دولارات للغالون. وتجاوز الدين الفيدرالي 40 تريليون دولار. أما عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأمد، فقد بلغت أعلى مستوى لها منذ 2002 وسجّلت أعلى مستوياتها5.31% في 5 أكتوبر 2026، وسط مخاوف من الاقتراض الحكومي المتصاعد والآثار التضخمية لتكاليف الحرب الأمريكية-الإيرانية.

 

تصل هذه الضغوطات إلى المستهلكين بطرق مختلفة إذ يتأثرون مباشرةً بارتفاع أسعار الديزل وغيره من السلع. كما تؤثر عوائد الخزانة الأمريكية المرتفعة على أسعار الفائدة المرتبطة بالرهن العقاري والقروض ذات الفائدة الثابتة، حيث يدفع هذا الارتفاع المستثمرين إلى المطالبة بتعويض أكبر مما يزيد من أعباء الديون. تصعب مواجهة هذه الأرقام سياسيًا لأنها ملموسة يومياً، على عكس النجاحات الدبلوماسية أو العسكرية الخارجية التي يسهل تسويقها إعلامياً لكنها لا تنعكس مباشرة على أوضاع الناخبين المالية.

 

كما كشف تقرير عن أرباح تجاوزت مليار دولار جناها ترامب وعائلته من مشاريع العملات المشفرة خلال العام الماضي، مما أثار موجة غضب في الرأي العام وهو مؤشر على أن ملف تضارب المصالح بدأ يتسرب حتى إلى صفوف مؤيديه.

 

بالإضافة إلى ذلك، بلغ مجموع أيام الإغلاق في ولايتي ترامب مجتمعتين 161 يوماً، إغلاقان كاملان، وإغلاقان جزئيان، وإغلاق واحد لوزارة الأمن الداخلي (DHS). يعكس هذا خلافات حادة بين الجمهوريين والديمقراطيين حول إعانات التأمين الصحي بأسعار معقولة المقرر انتهاء صلاحية دعمها، وحول صلاحيات إنفاذ القانون الممنوحة لموظفي الهجرة الاتحاديين.

 

كذلك سعى الحزبين، الجمهوريين والديمقراطيين، إلى تمرير تشريع تمويل مؤقت حرصاً على تجنّب إغلاقاً رابعاً للمؤسسات الحكومية فبيل الانتخابات النصفية، وذلك خشية أن يلقى الناخبون الذين يعانون من غلاء المعيشة، مسؤولية إضافية في حال تعطلت الخدمات الحكومية. ويكشف هذا التحول التكتيكي أن كلا الطرفين بات يدرك هشاشة موقفه أمام الناخبين التي باتوا يفقدون صبرهم. فلم يرغب أي من الحزبين في المخاطرة بتحمل المسؤولية، غير أن الصراعات حول التمويل ستعود للظهور مجدداً بعد ذلك.

 

 

 إعادة رسم الدوائر الانتخابية والتنافس الحزبي

 

 لجأ ترامب لمواجهة تراجع شعبيته إلى سلاح  إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون، سعياً لتعويض أي خسائر متوقعة عبر الهندسة الجغرافية بدل الإقناع السياسي. فبدفع مباشر منه، مرّرت تكساس خريطة انتخابية جديدة قد تمنح الجمهوريين خمسة مقاعد إضافية في الكونغرس، وأقرّت المحكمة العليا الأمريكية ذات الأغلبية المحافظة هذه الخريطة رغم اتهامات باستخدام معيار عرقي في رسمها.

 

 وتبعتها ولايتا ميزوري وكارولاينا الشمالية بخرائط مماثلة تضيف مقعداً جمهورياً إضافياً لكل منهما. وتُستخدم حاليًا الخريطة الانتخابية الخاصة بولاية كارولاينا الشمالية في حين منعت أعلى محكمة في ولاية ميزوري استخدام خريطتها المقترحة في انتخابات نوفمبر 2026 استنادًا إلى قرار المحكمة العليا الأمريكية. يتيح هذا القرار للناخبين المؤهلين في تلك الولاية تقرير مصير ولايتهم. كما اعتمدت ولايات أخرى، يقودها الجمهوريون، خرائط جديدة، ولكنها لا تزال تحت الإجراءات القانونية.

 

في المقابل، ردّ الديمقراطيون في كاليفورنيا، عبر استفتاء شعبي أقرّه الناخبون، بخريطة مضادة تمنحهم خمسة مقاعد إضافية هناك. غير أن جهود الديمقراطيين في ولاية فرجينيا قوبلت بالرفض من قِبل المحكمة العليا في الولاية. وهذه المعركة المتبادلة تعني عملياً أن مصير الكونغرس بدأ يُحسم في المحاكم وصناديق الاقتراع الولائية، قبل أن يُدلي الناخبين بأصواتهم الانتخابية.

 

تعيش الولايات المتحدة حالة تناقض بنيوي فريد من حيث الاستقطاب الحاد في القمة السياسية، مقابل انفضاض شعبي متزايد عن الانتماء الحزبي التقليدي في القاعدة. وأعلن ما يقارب 47% من الأمريكيين عدم انتمائهم الفعلي لأي من الحزبين الكبيرين، وهي أعلى نسبة جرى رصدها منذ أكثر من عقد وتعكس فجوة متسعة بين النخب الحزبية والمجتمع. وسجّل الحزب الديمقراطي 27%، بينما سجل الحزب الجمهوري 26%، بينما تبلغ كتلة المستقلين 47%مما يجعلهم الكتلة الأكبر في البلاد. وعادة ما ينتهي بهم المطاف بالتصويت لأحد الحزبين الرئيسيين أو لأحزاب ثالثة أصغر.

 

أما الحزب الديمقراطي فيعيش أزمته البنيوية الخاصة، التي اتخذت خلال 2026 شكلاً ملموساً بعدما فجّر صعود عمدة نيويورك التقدمي زهران ممداني تمردًا داخليًا غير مسبوق على القيادة التقليدية. فقد امتدت موجة الانتصارات التقدمية لتشمل فوز جينيس لويس جورج في انتخابات عمدة واشنطن التمهيدية، وكريس راب في الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب في فيلادلفيا، وغراهام بلاتنر في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ماين لمجلس الشيوخ الأمريكي، كلّ ذلك على حساب أسماء ديمقراطية راسخة، وزخم حركة ممداني.

 

وقد وُصف هذا المسار بأنه انقلاب أبيض داخل الحزب، إذ بات زعيما الأقلية الديمقراطية في الكونغرس تشاك شومر وحكيم جيفريز، وكلاهما من نيويورك تحديداً، عاجزين عن التأثير في السياسة الحزبية داخل ولايتهما نفسها إذ فاز ثلاثة مرشحين لمجلس النواب، ممن حظوا بدعم ممداني في نيويورك بمقاعد في الكونغرس الأمريكي، متغلبين على شاغلي المناصب الذين كانوا يحظون بدعم جيفريز. ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرتهما على قيادة الحزب وطنياً في مرحلة الانتخابات النصفية.

 

وينقسم الديمقراطيون حيال دلالة هذا الصعود، فبينما يحذّر المعتدلون من أن الانزلاق نحو اليسار قد يتسبب بهزيمة ساحقة في الدوائر المتأرجحة الحاسمة، يرى آخرون في هذا الزخم فرصة لإعادة تشكيل هوية الحزب حتى انتخابات 2028.

 

يضاف إلى ذلك بُعد جيلي عميق، إذ يشكو الديمقراطيون الشباب منذ سنوات من شيخوخة قيادة حزبهم، وهي شكوى تفاقمت مع وفاة عدد من نوابه المسنين في الكونغرس مؤخراً، وكان  بينهم السيناتور ليندسي غراهام سادس عضو في الكونغرس الذي توفى وهو على رأس عمله في يوليو 2026، في حين لم تؤدِّ التغييرات الجزئية في القيادة إلى إنهاء التوترات في سد الفجوة بين قاعدة شبابية متمردة وقيادة تقليدية متمسكة بمواقعها.

 

 

معادلة انتخابات نوفمبر 2026

 

سيكون التنافس في نوفمبر على مقاعد مجلس النواب الـ435 بالكامل، و35 من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ، إضافة إلى 39 انتخابات لحكام الولايات والأقاليم. والمعادلة الحالية تمنح الجمهوريين 53 مقعداً في مجلس الشيوخ مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم. في مجلس النواب، فالفارق أضيق وسيحتاج الديمقراطيون إلى انتزاع بعض المقاعد التي فاز بها ترامب في عام 2024 ليتمكنوا من تحقيق أغلبية تبلغ 218 مقعدًا. ولا تقل انتخابات حكام الولايات أهمية، لا سيما في الولايات التي يتمتع فيها الحكام بسلطة استخدام حق النقض (الفيتو) ضد خطط إعادة ترسيم الدوائر التشريعية، أو سلطة التصديق على عمليات إعادة ترسيم الدوائر مما سيمنحها بعداً استراتيجياً يتجاوز الدورة الانتخابية الحالية وصولا إلى دورة عام 2031.

 

ومع ذلك، تختلف هذه العملية من ولاية إلى أخرى، وتعتمد أيضاً على هوية الحكام الذين سيكونون في مناصبهم في ذلك الوقت. التاريخ الانتخابي الأمريكي غير مشجّع تقليدياً لحزب الرئيس في منتصف الولاية. فقد خسر الحزب الحاكم مقاعدًا في مجلس النواب في 20 من أصل 22 انتخابات نصفية منذ عام 1938.

 

قد لا ينطبق هذا النمط بالضرورة على نتائج انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، لكنه يضع الجمهوريين في موقف أساسي غير موات. ويُبرز تراجع شعبية ترامب واستياء الرأي العام من الوضع الاقتصادي تحدياتٍ إضافية. وعلى الرغم من أن بعض جهود إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية قد تُحسّن من مواقف الجمهوريين، إلا أن سيطرتهم الكاملة على مجلس النواب لا تزال غير مؤكدة.

 

في هذا الإطار، لخّص المستشار الجمهوري ويت أيرس العلاقة الإحصائية التاريخية بين مستوى التأييد الرئاسي وحجم خسائر حزب الرئيس، موضحاً أنه حين يتجاوز التأييد 50% يخسر الحزب مقاعد لكن بعدد محدود، أما حين يقل عن هذا المستوى فمعدل الخسارة التاريخي يبلغ نحو 32 مقعداً، وهو معيار يضع الجمهوريين، عند مستويات تأييد ترامب الحالية، في منطقة خطر جدي على أغلبيتهم في مجلس النواب.

 

ترتبط سياسة ترامب الخارجية ارتباطًا وثيقًا بحساباته الانتخابية الداخلية. ويتعين عليه تقديم نفسه أمام ناخبيه باعتباره الشخص الذي “أنهى الحروب” وحرّر أمريكا من التزامات مكلفة ، وهو نهج يزداد تعقيدًا في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية وارتفاع أسعار الوقود،  ومن يحسم بسرعة وحزم حين يتعلق الأمر بأمن حديقته الخلفية، وقد روّجت إدارته لـعملية اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو في مطلع يناير 2026 باعتبارها نصراً حاسماً وسريعاً، إلّا أن هذا يتناقض مع النزاعات المعقدة والمستمرة التي لم تُحل بعد، التي يُصعب تسويقها سياسًا، بما في ذلك الحرب الأمريكية الإيرانية، والقضايا العالقة في كل من غزة وأوكرانيا.

 

تُعد الحرب الأمريكية الإيرانية، التي اندلعت في فبراير 2026، قضية السياسة الخارجية الأكثر ارتباطًا مباشرةً بميزانيات الناخبين. فقد بلغت تكلفة الحرب نحو 43.6 مليار دولار حتى الثالث من سبتمبر، و1.5 مليار دولار إضافية خُصصت للوقود مقارنة بتقديرات بلغت قرابة 38.1 مليار دولار في الأول من أغسطس، مع توقعات بزيادة تتراوح بين 2 إلى 3 مليارات دولار شهريًا مع استمرار الحرب.

 

 ويقع العبء الأكبر على كاهل الأسر من خلال أسعار الوقود؛ إذ بلغ سعر الجالون من البنزين العادي 4.30 دولار، بينما وصل سعر الديزل إلى 6.32 دولار بحلول 18 أكتوبر. وتشير التقديرات إلى أن الحرب كلّفت الأسرة الأمريكية المتوسطة ما يقرب من 2000 دولار، منها جزء يتعلق بالطاقة يتزايد بمعدل 50 دولاراً أسبوعياً في ظل أسعار الوقود الحالية، ما أدى إلى تحول الرأي العام إلى معارضة الحرب. وتُظهر هذه الأرقام وجود رابط وثيق بين الحرب والأسعار وتراجع شعبية ترامب؛ ورغم أن هذه ليست القضية الوحيدة التي تحدد خيارات الناخبين، إلا أنها تحمل وزناً أكبر مقارنة بالقضايا الأخرى.

 

كذلك، تظهر فنزويلا بشكل رئيسي كنقيض للنجاح السريع الذي تدعيه إدارة ترامب، بينما تبرز غزة وأوكرانيا كصراعين تُعد الجهود الدبلوماسية المبذولة بشأنهما جزءًا من الأجندة الانتخابية. ويتجلى هذا التشابك بوضوح في ملف غزة، حيث تطرح القضية تفاعلاً معقدًا بين السياستين الداخلية والخارجية. إذ يسعى ترامب إلى تسويق المسار السياسي الذي فرضه على غزة عبر خارطة طريق السلام، بما في ذلك نزع سلاح حركة حماس وتفكيك الأنفاق، بوصفه إنجازًاً ً قبيل صناديق الاقتراع. ومع ذلك، بقيت الخطة متعثرة حيث يماطل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تنفيذ خارطة الطريق ذاتها لحساباته الانتخابية الخاصة.

 

فإسرائيل نفسها متجهة إلى انتخابات برلمانية مبكرة في 27 أكتوبر 2026، أي قبل أيام قليلة من الانتخابات الأمريكية النصفية، ما يخلق هذا التزامن الزمني تضاربًا في دوافعهما، فنتنياهو يميل إلى تأجيل أي تنازل قد يُفسّر كضعف أمام ناخبيه، فيما يحتاج ترامب إلى نصر جاهز أمام ناخبيه. هذا التقاطع الزمني النادر بين استحقاقين انتخابيين حليفين يجعل من ملف غزة، أكثر من أي وقت مضى، رهينة مباشرة لحساباتهما الانتخابية الخاصة.

 

ومن المرجح أت تزيد قضايا أخرى شائكة تتعلق في السياسة الخارجية الأمريكية من تعقيد الحسابات الانتخابية،  مثل الدبلوماسية المتعثرة مع موسكو حول أوكرانيا، والهدنة التجارية المؤقتة مع بكين، وتصاعد الحرب في اليمن. وقد تعزز هذه القضايا الانطباع بأن إدارة ترامب تواجه ضغوطات خارجية متعددة، ولكن تداعياتها تظهر بشكل أوضح عند الربط بين الشؤون الداخلية والخارجية.  فنتائج نوفمبر لن تُقرأ في واشنطن وحدها بوصفها استفتاءً على السياسة الداخلية، بل أيضاً كمؤشر على مدى قدرة الناخب الأمريكي على تحمّل كلفة الانخراط المتزامن في عدة جبهات خارجية، في وقت يشعر فيه بأنه هو من يدفع الثمن.

 

 

خلاصة

 

تدخل الولايات المتحدة موسم الانتخابات النصفية في وضع صعب بالنسبة لترامب، شعبية في أدنى مستوياتها، اقتصاد يراه الأغلبية يسير في الاتجاه الخاطئ، أزمة حكم انعكست في إغلاقات حكومية، ومعارضة ديمقراطية تعيش تحولاً جيليًا وأيديولوجيًا عميقًا قد يُضعفها في المدى القصير لكنه قد يعيد تشكيلها في المدى الأبعد.

 

وعلى الرغم أن حرب الخرائط الانتخابية المتبادلة قد تُخفف من وطأة الخسائر للحزب الجمهوري وتساعد ترامب في المحافظة على أكبر قدر من الدعم داخل مجلس النواب، إلا أنّ المؤشرات المستمدة من البيانات التاريخية والاقتصادية واستطلاعات الرأي بما فيها تقدّم الديمقراطيين المستقر في متوسطات التفضيل النيابي العام، تُشير إلى نتائج صعبة بانتظار ترامب وحزبه في نوفمبر 2026.

 

فخسارة الأغلبية في مجلس النواب، ولو بهامش ضيق، ستمنح الديمقراطيين أدوات تشريعية ورقابية فعلية لأول مرة منذ عودته إلى البيت الأبيض. وفي المقابل، فإن استمرار الأغلبية الجمهورية، رغم الشعبية المتراجعة، سيوفر للرئيس غطاءً سياسياً يتيح له المضي قدمًا في نهجه الحالي مع قيود أقل من جانب الكونغرس، علماً بأن المحاكم كانت حتى الآن هي العائق الرئيسي أمام سياساته.

 

وما يجعل هذا الاستحقاق أبعد أثرًا على السياسة الخارجية هو أن نتائجه لن تحدد فقط موازين القوى داخل الكونغرس، بل ستحدد أيضاً مدى قدرة ترامب على مواصلة مقارباته الخارجية غير التقليدية، من التفاهم المتوتر مع بكين وموسكو، إلى إدارة ملفات غزة ولبنان وإيران وفنزويلا.  ويعتمد كل ذلك على مدى قدرة مجلس النواب، في حال سيطر عليه الديمقراطيون، على فرض تغيير في هذا المسار؛ إذ يمكنهم زيادة الضغوط السياسية والتشريعية على نهج ترامب من خلال جلسات الاستماع، ووضع شروط للإنفاق، وممارسة ضغوط شعبية، لكنهم لن يتمكنوا من فرض تغيير جذري.

 

كما ستكون الانتخابات النصفية بمثابة اختبار مبكر لموازين القوى داخل الحزب الديمقراطي نفسه قبيل سباق الترشح للانتخابات الرئاسية في عام 2028؛ فإما أن يخرج التيار التقدمي الصاعد، والذي يُعد زهران ممداني أحد أبرز رموزه،  بنتائج جيدة في الدوائر الانتخابية التنافسية وقدرة على فرض أجندته على قيادة الحزب التقليدية، أو أن يُحمّله المعتدلون مسؤولية أي تراجع محتمل في الدوائر المتأرجحة الحاسمة. ففي نهاية المطاف، تدخل الولايات المتحدة موسم الانتخابات. وقد أثبتت السياسة الخارجية والداخلية لترامب أنهما لم تعودا مسارين منفصلين، بل وجهين لمعادلة سياسية واحدة سيحكم عليها الناخب الأمريكي بعد أسابيع قليلة.