ليبيا بين أزمة الحوكمة والتدخلات الدولية

تقدير موقف، يونيو 2026
24 يونيو، 2026

في الحادي عشر من أبريل 2026، أقرّت الحكومتان المتنافستان في ليبيا أول موازنة وطنية موحدة منذ عام 2013، بقيمة ناهزت 190 مليار دينار ليبي (نحو 30 مليار دولار)، في خطوة رعتها الولايات المتحدة عبر مبعوثها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وجرت مفاوضاتها أساساً بين إبراهيم الدبيبة، نجل شقيق رئيس حكومة الوحدة، وصدام حفتر، نجل القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية ووريثه المفترضوقد رحّبت عشر دول من بينها مصر وفرنسا وإيطاليا وقطر والسعودية وتركيا والإمارات والمملكة المتحدة وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية بالاتفاق باعتباره خطوة حاسمة نحو التنسيق الاقتصادي بين شرق البلاد وغربها.  

تزامن ذلك مع تدريبات عسكرية مشتركة بين قوات من الشرق والغرب في «سرت» ضمن مناورات «فلينتلوك» التي ترعاها القيادة الأمريكية في أفريقيا، وعودة لافتة لشركات الطاقة الأمريكية؛ إذ فازت «شيفرون» برخصة استكشاف في حوض سرت، ووقّعت «إكسون موبيل» مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفطغير أن  قراءة اتفاق الموازنة الوطنية الموحدة بوصفه اختراقاً سياسياً تظل قراءة قاصرة، لأنه جاء في الوقت الذي وثّق فيه التقرير الأحدث للجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي مستوى غير مسبوق من سيطرة الجماعات المسلحة على مؤسسات الدولة، وشبكات تهريب الوقود والسلاح التي تتغذى على الانقسام المستمرّ. 

تتعدد طاولات إعادة ترتيب الملف الليبي في آنٍ واحد: طاولة الأمم المتحدة، وطاولة الدبلوماسية الأميركية المتجددة، وطاولة الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين بات لكلٍّ منهم حساباته وأولوياته في ليبياومن هنا يبرز التوتر الجوهري في المشهد الليبي الراهن، وهو السؤال الذي يؤطّر هذا التقدير: هل تتجه البلاد نحو تسوية مؤسسية مستدامة تُعيد بناء الدولة على أسس دستورية وقانونية، أم نحو ترتيبات فوقية ثُنائية تُعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة وتؤجل الحلّ الجذري إلى أجل غير مسمى؟  

أزمة الحوكمة كجذر بنيوي 

يتطلب فهم المشهد الليبي الراهن الوقوف عند أزمة الحوكمة المتجذرة التي تُشكّل العمود الفقري لكل الأزمات الفرعية. فالأزمة الليبية، رغم أبعادها العسكرية والسياسية والإقليمية، هي في جوهرها أزمة دولة لم تكتمل ومؤسسات لم تترسخ وعقد اجتماعي سياسي لم يُتَّفق عليه، على الرغم من مرور أكثر من أربعة عشر عاماً على سقوط النظام السابق. 

تتجلّى هذه الأزمة في مظاهر متشابكة: أولها ازدواجية السلطة التنفيذية بين حكومتين متنافستين منذ عام 2014، تستند كل منهما إلى شرعية جزئية، وتسيطر على جزء من الجغرافيا والموارد. وثانيها انقسام المؤسسات السيادية التي يُفترض أن تكون فوق الخلافات كالمصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، والقضاء، وتحوُّلها إلى ساحات صراع حول نفوذ. وقد رصدت لجنة الخبراء الأممية أن الجماعات المسلحة حققت مستوى غير مسبوق من النفوذ على مؤسسات الدولة في الغرب والشرق على السواء. 

وثالثها الاقتصاد الموازي للسلاح والتهريب الذي بات بديلاً موضوعياً عن اقتصاد الدولة الرسمي في كثير من المناطق؛ فقد حدّدت اللجنة شبكات صدّرت نحو 450 ألف طن من الديزل من الميناء  القديم في بنغازي، عبر 185 عملية تصدير غير مشروعة منذ مارس 2022، بالتوازي مع تصدير أول شركة نفط ليبية خاصة نفطاً خاماً بقيمة 460 مليون دولار منذ مايو 2024 .  ورابعها تآكل مفهوم المواطنة المتساوية لصالح الولاءات الجهوية والقبلية والمناطقية، بما يجعل أي مشروع وطني جامع يصطدم بولاءات ضيّقة وأكثر رسوخاً في الواقع اليومي. 

المسار الأمريكي وإعادة الانخراط 

شهدت الأشهر الأخيرة عودة الدبلوماسية الأمريكية إلى الملف الليبي بصورة لافتة وذلك بعد سنوات من الانكفاء النسبي. وقد تكثّف انخراط المبعوث الأمريكي مسعد بولس في الملف منذ يوليو 2025، ضمن منطق «الاقتصاد أولاً» الذي يميّز المقاربة الأمريكية تجاه الدول الغنية بالموارد، عبر جولات وساطة في روما (سبتمبر 2025) وباريس (يناير 2026).  لكن المثير للانتباه أن واشنطن تفاوضت مع ممثّلي العائلتين الأقوى، الدبيبة في الغرب وحفتر في الشرق، مع دفعٍ نحو تمكين جيل جديد منهما لا مع تمثيل سياسي واسع 

ومع أن اتفاق الموازنة خطوة في الاتجاه الصحيح، فإن محلّلين بارزين يرون أنه اتفاق مالي بين عائلتين أكثر منه تقدماً نحو توحيد سياسي حقيقي، وأنه يكرّر في جوهره الترتيب الذي رعته الإمارات بدعم أمريكي عام 2022 , الذي أفضى إلى تنصيب عائلة الدبيبة رئيساً موالياً لحفتر على رأس المؤسسة الوطنية للنفط .وتتعاظم المخاوف من أن العائدات النفطية المتصاعدة التي قفزت بحسب المؤسسة الوطنية للنفط من نحو مليار دولار في فبراير إلى 2.9 مليار دولار في أبريل مع ارتفاع الأسعار العالمية، قد تُهدر أو تُحوَّل عبر شبكات النفوذ بدلاً من أن تذهب إلى الخدمات العامة وسداد الدين العاموتواجه المقاربة الأمريكية تحديات بنيوية: فتوحيد السلطة لا يتم بقرار خارجي، والترتيبات الفوقية عرضة للانهيار عند أول اختبار جدي، كما أن حسابات الفاعلين الآخرين قد لا تتقاطع بالضرورة مع التصور الأمريكي. 

البعثة الأممية بين الدور المطلوب والتنفيذ محلّ الجدل 

تحتلّ بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (يونسميل) موقعاً مركزياً في أي مقاربة دولية، باعتبارها الإطار الشرعي الجامع للوساطة. وقد أطلقت الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيته في أغسطس 2025 خارطة طريق من ثلاث ركائز: اعتماد إطار انتخابي قابل للتطبيق، وتوحيد المؤسسات تحت حكومة جديدة، وإطلاق «حوار منظَّم» يغطي مسارات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة وقد انطلق الحوار المنظَّم في طرابلس في 14–15 ديسمبر 2025 بمشاركة 124 شخصية ليبية، على أن تُختتم أعماله مطلع يونيو  2026. 

غير أن المسار السياسي ظلّ متعثراً عند عقدته الأساسية. فقد أبلغت تيته مجلس الأمن في أبريل 2026 بأن التقدّم «غير كافٍ»، محذّرةً من أن استمرار «العمل كالمعتاد» قد يكرّس الوضع القائم ويحمل مخاطر وطنية وإقليمية جسيمة، لا سيّما في ظل استمرار العمل عبر هياكل موازية تقوّض إعادة توحيد المؤسسات من قبل بعض الأطرافويتركّز الجمود في عدم إنجاز مجلسي النواب والدولة لأولى خطوتين في خارطة الطريق: إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والاتفاق على الإطار الدستوريالقانوني للانتخابات 

في المقابل، لم تكن ممارسة البعثة لدورها موضع توافق ليبي دائم؛ إذ عبّر المجلس الأعلى للدولة عن استياء من تجاوزات نسبها إلى البعثة في تعاملها مع المؤسسات التشريعيةوهذه التحفظات لا تتعلق بأصل الدور الأممي، بل بطريقة ممارسته وحدوده؛ فالبعثة مدعوة إلى توطيد الثقة عبر الشفافية والتنسيق المسبق، بما يصون مبدأ الملكية الوطنية للعملية السياسية. إذ تتحول الوساطة من أداة حلّ إلى طرف في المعادلة في حال فقدت هذه المبادئ.  

شرعية المؤسسات بين الإجراء والاستقرار 

يعكس المشهد الليبي معضلة جوهرية تواجه المراحل الانتقالية في الدول الخارجة من الصراع: كيف يُوازَن بين متطلبات الشرعية الإجرائية ومقتضيات الاستقرار في مرحلة بالغة الحساسية؟ تنطلق المقاربة المؤسسية من أن أي تسوية ينبغي أن ترتكز على المؤسسات الشرعية والأطر الدستورية، وأن التسويات الدائمة لا تُبنى على ترتيبات ثنائية بمعزل عنها. وقد أكدت اللجنة الاستشارية التي شكّلتها البعثة (20 خبيراً، وسلّمت تقريرها في 5 مايو 2025) أن الإصلاح التشريعي وحده لا يكفي، وأن المطلوب تسوية سياسية شاملة مستندة إلى توافق وطني، مع وضع قيود على الالتزامات بعيدة المدى للحكومة الانتقالية. 

في المقابل، تنطلق المقاربات البراغماتية من ضرورة كسر الجمود بترتيبات مرحلية ولو جاءت من خارج الأطر التقليدية. لكن مخاطرها أنها قد تُنتج شرعية موازية تتآكل أمام أول اختبار، وتُكرّس منطق «الترتيبات الفوقية» الذي طالما أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر بعد كل حل مؤقت. ويظلّ غياب التوافق بين المجلسين حول قانون الانتخابات أبرز العوامل التي تزيد المشهد تعقيداً، إذ يدفع بعض الأطراف الدولية إلى البحث عن مسارات بديلة خارج الإطار المؤسسي المعتمد. 

التدخلات الدولية واختبار الإرادة الوطنية 

تتجاوز تداعيات المسار الليبي حدود البلاد. فواشنطن تسعى إلى إعادة ضبط النفوذ في المتوسط وشمال أفريقيا وفتح الباب أمام شركاتها في النفط والبنية التحتية؛ والاتحاد الأوروبي يركّز على ملفي الهجرة والطاقة؛ ودول إقليمية ترى في ليبيا عمقاً استراتيجياً أو ساحة منافسة؛ فيما يُقرأ تراجع الحضور الروسي بوصفه فرصةً لإعادة تشكيل موازين النفوذ. هذا التزاحم يجعل ليبيا ساحة تقاطع مصالح أكثر منها موضوع تسوية حقيقية، ويُخضع أي مسار وطني لضغوط متعددة الاتجاهات. 

وفي ضوء ذلك، تتصاعد الدعوات إلى احترام إرادة الشعب الليبي وأولويته في تقرير مستقبله السياسي، والتأكيد على أن أيّ ترتيبات سياسية دائمة ينبغي أن تنبثق من توافق وطني حقيقي، يُعزز قدرة المؤسسات الشرعية ويُرسّخ مبدأ المساءلة الديمقراطية. هذه الدعوات ليست رفضاً للدور الدولي، بل مطالبة بإعادة تعريفه ضمن حدود تخدم الحل بدلاً من أن تعقده، وتُمكّن الليبيين من امتلاك مسارهم بدل أن يُفرض عليهم. 

مسألة اللاجئين والمهاجرين 

تُعتبر مسألة اللاجئين والمهاجرين من مقتضيات الاستقرار، وبالتالي فإنّ ربط أي تسوية سياسية بحماية المدنيين والمهاجرين، وبضمان وصول المساعدات، يُعدّ شرطاً لاستدامتها لا ترفاً يُضاف إليهافقد كشفت اشتباكات طرابلس في مايو 2025 هشاشة هذا الواقع، إذ أوقعت قتلى مدنيين ودماراً في أحياء سكنية مكتظة، وأثّرت مباشرة في تجمعات المهاجرين 

بحسب مصفوفة تتبّع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد المهاجرين في ليبيا نحو  936,134 مهاجراً (مطلع 2026)، أكبر مجموعاتهم من السودان والنيجر ومصر وتشاد ونيجيريا، يتركّزون في طرابلس وبنغازي ومصراتة. وتقدّر منظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عدد المحتاجين إلى مساعدة إنسانية بنحو 787,090 شخصاً مايو 2025وفي حين تراجع عدد النازحين الليبيين داخلياً نحو 316 ألفاً في ذروة قتال 2019–2020 إلى نحو 30 ألفاً مطلع 2025، فإن نحو 88 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجَّلين لدى المفوضية، ثلثاهم سودانيون، يواجهون غياب نظام لجوء وطني واحتجازاً تعسفياً ومخاطر اتجار واستغلالفي المقابل، بلغ برنامج العودة الطوعية الإنسانية للمنظمة الدولية للهجرة عتبة 100 ألف عائد منذ انطلاقه عام 2015، في مؤشّر على حجم الحاجة لمسارات آمنة ومنظَّمة 

تقدير المخاطر والمسارات المحتملة  

في ضوء المعطيات الراهنة، يمكن استشراف ثلاث مسارات متباينة للأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة: 

  • استقرار سطحي قائم على الصفقة: صمود اتفاق الموازنة وتقاسم الموارد بين العائلتين دون معالجة جذور الأزمة، بما ينتج هدوءاً قصير المدى يقترن بترسيخ الانقسام واحتمال هدر العائدات النفطية المتصاعدة. 
  • تجدد العنف في الغرب: تفجّر صراعات النفوذ بين الميليشيات في طرابلس على غرار مايو 2025، خصوصاً مع محاولات إعادة رسم خريطة القوة الأمنية، بما يهدد المدنيين ويُجهض أي مكاسب اقتصادية. 
  • اختراق مؤسسي عبر المسار الأممي: أن تُفضي مخرجات الحوار المنظَّم وتوافق المجلسين على المفوضية والإطار القانوني إلى أرضية انتخابية حقيقية وهو الأبطأ والأكثر تعقيداً لكنه الأكثر استدامة. 

تتقاطع هذه المسارات مع عوامل خطر مرجِّحة: تأثير حرب إيران في أسعار النفط وحوافز الإنفاق؛ واستمرار شبكات تهريب الديزل والسلاح؛ وتنافس الفاعلين الخارجيين؛ وبقاء عقدة الانتخابات دون حل. وكلما تأخرت معالجة الأزمات البنيوية ارتفعت كلفة الحل المستقبلي وتعمّقت الانقسامات 

 نحو مقاربة مؤسسية توافقية 

يجد الملف الليبي نفسه أمام مفترق طرق حقيقي بين خيارين متباينين في فلسفتهما ومآلاتهما: مسار الترتيبات الفوقية الذي قد ينتج استقراراً ظاهرياً قصير المدى لكنه يترك بنية الأزمة على حالها، ومسار البناء المؤسسي التوافقي الذي يستثمر اللحظة الراهنة لإعادة تأسيس العملية السياسية على قواعد دستورية واضحة. وهنا، يستلزم النجاح مقاربة متكاملة تجمع استعادة وحدة المؤسسات السيادية، وبناء توافق وطني حول الإطار الانتخابي والدستوري، وضبط دور الفاعلين الدوليين ضمن حدود الدعم لا التدخل، وإعادة الاعتبار للحوكمة الرشيدة. وتبقى ليبيا دولة تملك مقومات النهوض، لكن النافذة الزمنية ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية، واللحظة الراهنة قد تكون آخر الفرص الحقيقية قبل أن تتحول الأزمة إلى واقع مزمن يصعب الفكاك منه.